وجع دماغ..

خواطر عن المجال العام في مصر..

2017-10-10

مصر: أحاديث المصالحة بين ثقافة الإذعان وبناء الأمة

بعد إقدام الأطراف الفلسطينية على الخطوة الأولى للمصالحة، التي اندفعت حماس لها نزولا على احتياجات أهلنا في غزة، شهدت مصر ثورة تنبؤات بأن مصر مقدمة على مصالحة سياسية مدفوعة بقوة دفع تطور العلاقة بين حماس والمخابرات المصرية. لا أدري من أين أتى الساسة المصريون بهذه الفكرة، على الرغم من عمق الهوة بين الموقفين والعمليتين. فحماس قوة شعبية فلسطينية؛ كما أنها تحوز السلطة في قطاع غزة، بينما إخوان مصر ما زالوا يعانون وطأة ما بعد انقلاب 3 يوليو، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية تختلف الإرادات الرسمية المصرية الفاعلة بين الموقفين كما تختلف الغاية التي قد تتغياها مصر بين المسارين. غير أن العام السابق شهد تسريب عدد من بالونات الاختبار، كان أعلاها صيتا تلك التي كشفت عنها بوابة مصر العربية، وفيها نفى فريقا الإخوان حدوث شئ من هذا القبيل، وهو ما يجعل الأمر موضع تحسس دائم من إدارة 3 يوليو، ويعزز تناوله.


حول إمكانية المصالحة

قطعا، مشروع المصالحة أمنية عزيزة لكل من يهتم بمصر ومستقبلها. فعبر هذه البوابة يمكن تجاوز لعنة الدم التي تزيد من عمق الكراهية بين الدولة وقطاع فاعل متميز من مواطنيها، ما يجعلهم ينخرطون في جهود البناء التي تحتاجها مصر بشدة في هذه الآونة، والتي قال عنها رأس إدارة 3 يوليو أن هذه "الدولة لو وقعت مش هتنفع لا لينا ولا لغيرنا". نحن لا نتحدث عن إقصاء مدمنين أو لصوص، بل نتحدث عن قطاع واسع من الشرائح الاجتماعية الفاعلة، وقطاع اوسع من الطلبة المتفوقين المتميزين في عقولهم وتخصصات دراستهم. وفي هذا الإطار ستنضم هذه الفئة لجهود الدولة في مواجهة ما أسماه رأس إدارة يوليو "دولة بتضيع".

ولا يخفى في هذا الإطار كذلك أن هذه المصالحة ستضيف لرصيد الدولة المصرية على المستوى الخارجي، حيث سترفع اسمها من قوائم الدول التي تطأ بأقدامها الالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وستخفف حجم التكلفة المعنوية التي تتحملها القوى الدولية نظير الدعم المادي والمعنوي الذي تقدمه لها.

كما أن الأهم أن مثل هذه المصالحة ستؤدي لرفع الظلم عن عاتق عشرات الآلاف من الشباب التي زجت بهم إدارة 3 يوليو في غياهب السجون بغير جريرة سوى انتمائهم لجماعة وصلت للحكم عبر عملية ديمقراطية نزيهة، وأرادت أن تطبق رؤية لها، بعدما عز النصير عندما واجهها بعض الساسة الوطنيين المتخوفين وكذلك بعض السياسيين والإعلاميين الذين أسهموا في تعميق حالة الاستقطاب والكراهية في المجتمع المصري وأسهموا في تعبئته ضد الجماعة، واجهوها بتعنت واضح أدى لتآكل رأس المال السياسي الجامع، ودفع الجماعة للسير في طريق الإخفاقات فيما يتعلق بعملية بناء الأمة التي كان نهج مبارك قد فككها عبر أعوام من التفريق وشحن العداوات وتجريف موارد البلاد من العقول القادرة على قيادتها نحو بر أمان تحتاجه مصر بموقعها ومكانتها وقدراتها. وهو الإخفاق الذي بدأ بالاستفتاء 19 مارس، وتعمق أكثر مع خلف الجماعة لوعدها باقتصار عضويتها البرلمانية على 30%، ثم الانتخابات الرئاسية.. إلخ.

غير أن الإدارة الحاكمة "ذات الخلفية العسكرية" ربما تكون ثقافتها ماضية بها في اتجاه آخر، برغم خطورة تداعياته، وهي ثقافة تتمثل أبرز سماتها ذات الصلة بقضيتنا هنا في 3 عناصر:

العنصر الأول: أن المشكل الأكبر في ثقافة النخبة المركزية الحاكمة أنها تنتمي لمدرسة ترى في عموم مواطنيها عبئا قاسيا لا رصيدا إيجابيا فعليا او محتملا. ربما أمكننا تلمس هذا الملمح من ملامح ثقافة النخبة بوضوح في موقف الدولة من عدد السكان، حيث كانت تعتبره، وما زالت، عبئا كبيرا، وتراه يلتهم عوائد ما تعتبره الدولة جهودا تنموية.

مواطنون يحملون هذه الصفات في أعين نخبهم الحاكمة من ناحية؛ ومن ناحية أخرى لا ترى الدولة أية إرادة سياسية حقيقية لهم؛ مواطنون بهذه الصفات لا قيمة لهم بنظر الدولة، ولهذا كان لبناء السجون أولوية على المدارس والمستشفيات، وكان لتصفية متحديي الدولة أو محاكمتهم محاكمات صورية غير متزنة قانونيا أولوية على المحاكمات الملتزمة بنص القانون وروحه.

ويمكن أيضا تلمس هذه النظرة للمواطن المصري حين نقارن حالة حقوقه القانونية بحقوق الأجنبي، بما في ذلك الأجانب الذين يرتكبون جرائم جنائية في مصر كمثل السائح الإيطالي الذي قتل "مهندسا" مصريا ثم عاد إلى بلاده – بعد القبض عليه – دونما محاكمة. وآخرا ليس اخيرا حجم التعويضات الهائلة التي حصل عليها السواح المكسيكيون الذين قضوا في حادث إطلاق نار غير مقصود من قوات امنية مصرية في سيناء. والأمثلة في هذا السياق تفوق الحصر.

العنصر الثاني: أن هذه النخب لا تكاد تعترف إلا بعلاقات ومراكز القوة المعتبرة. ومصطلح القوة المعتبرة هنا يشير إلى تجاوز الدولة في تقديرها لعلاقات القوة، فهي لا تعبأ بالقوة الاقتصادية لرجال الأعمال، ولا تحفل بالقوة الناعمة الخاصة بهم، ولا تلقي بالا لإرهابين يملكون سلاحا فتاكا في سيناء، بل تحترم ركائز القوة التي ترتفع تكلفة مواجهتها بشدة، فما لم تجد نفسها تتكبد تكلفة عالية بسبب تهميشها قطاعا من مواطنيها، فإنها لن تتورع عن التوحش في التعامل معهم.

في تقديري، أن هذه النخبة لا تبالي بامتلاك مواطنين لركائز القوة بقدر ما يعنيها الإذعان. فمواطنو الصعيد يمتلكون أسلحة فائقة التطور، قطاع منها لا يمكن بحال أسلحة شخصية، حيث يقدر البعض حجم تجارة السلاح في مصر بحوالي 30 مليار جنيه سنويا بعد 2011، بما يقدر حضوره في الشارع بين 10 و15 مليون قطعة سلاح بين خفيف ومتوسط.

ومن جهة اخرى، فإن رجال الأعمال يملكون ركائز الثروة والإعلام.. إلخ. ولا تلقي هذه النخبة بالا لركائز القوة وامتلاكها، ونجوم رياضيون امتلكوا مهارات التألق الرياضي والحب الشعبي، وفور أن بدأ بعض حائزي ركائز القوة في الخروج من دائرة الإذعان بدأت المواجهة معهم، بدء من إهانة رجل الأعمال صلاح دياب، وحتى الاستحواذ على غالبية وسائل الإعلام ذات العلامة البارزة، مرورا بما فعلته تلكم النخبة مع رياضيون أمثال محمد أبو تريكة وأقرانه من الرياضيين ذوي التوجه.

والحقيقة أن الحديث عن ارتفاع تكلفة المواجهة يتبدى جليا من ضعف المواجهة مع ظاهرة تحدي الدولة جزئيا في أقاليم الصعيد والنوبة، حيث تخشى الدولة الطبيعة المتماسكة للمجتمع وانتشار السلاح به، وهو ما يهدد باتساع رقعة المواجهة في جنوب مصر، وتحولها لأزمة مزمنة تهدد هيبة الدولة بسبب إصابة أحد أقاليم القطر المصري بعدم الاستقرار طويل الأمد. غير أن هذه السمة لا تنطبق على أعمال العنف "الخفيفة" و"العبثية"، التي تباشرها بعض قطاعات المعارضة في مصر، والتي لا يمكن القول بأنها قد مست استقرار الدولة بحال، بل خدمتها، ودعمت أيديولوجيتها المتطرفة في إقرار "الدولة الضارية" بحسب تعبير أستاذنا الدكتور نزيه نصيف الأيوبي.

العنصر الثالث: أن الخواص الفرعونية في النخبة المركزية المصرية تتجاوز "رفض الإذعان، باتجاه رفض الرأي الآخر. وهي سمة تحدث عنها كثير من المفكرين والباحثين، حيث تميل الدولة لمتابعة مقولة فرعون الواردة بالقرآن الكريم "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد"، وهي سمة تعود لانتماء رأس إدارة 3 يوليو إلى المؤسسة العسكرية التي لا تعرف ثقافة التعدد في وجهات النظر، فقط الرأس يفكر ويدبر والبقية تتبع وتنفذ.

لو أتت مصالحة برغم هذه السمات الملازمة لثقافة النخبة السياسية المركزية فأهلا بها بالطبع، لا لشئ إلا لأنها تحقق ما سبق وأشرت إليه من مصالح لمصر ومواطنيها، وبخاصة، وهو الأهم، أنها ستفرغ السجون ممن وردوها ظلما. غير أني اتشكك في أن يكون من نوايا رأس إدارة 3 يوليو السير في ذلك المسار النبيل، وهو صانع القرار الذي قرر أن يوجه موارد كبيرة لبناء مزيد سجون كانت مخصصات إنشائها تكفي لإنشاء ضعف العدد من المدارس والمستشفيات وربما زاد، خاصة وأن الجماعة لم تمارس ضغوطا من أي نوع على هذه النخبة منذ انتخابات الرئاسة في 2014، ربما باستثناء بعض النزوع الانتقامي غير الفعال وغير المقبول من جانب الكاتب.


ماذا لو؟

برغم هذه القناعة، إلا أن حدوث أمر نبيل كهذا، برغم أنها ستكون صفقة، وهو ما يعني أنها ستكون بالطبع مشروطة تاريخيا بنتائج تفاوت موازين القوة بين الطرفين، ومن بينها أنماط التحالفات الإستراتيجية والظرفية، وما أفضت إليه من دفع الجماعة لمربع الانطواء. ونتيجة لهذا الموقف، ولاهتمام الباحث بالمستقبل أكثر من حصاد الماضي، فإن مشروع المصالحة هذا – إن حدث – يحتاج إلى ضوابط تجعله إضافة لرصيد مصر اكثر منه خضوعا لنزوات النخبة السياسية المركزية. ويمكن للجماعة أن تضع ما تشاء من المحددات في سبيلها لمعالجة تلكم القضية، غير ان الكاتب في هذا السياق يرى الاولوية لمحددين اثنين، هما:

1. الأولوية لبناء الأمة: معالجة مثل هذا المشروع – وأكرر؛ إن حدث – يحتاج ضابطا مهما، حيث إن معالجته باعتباره محض صفقة لن يقود لوصم الجماعة بالانتهازية وحسب، بل يؤدي لوأد بذرة مدنية تتكون على أرضية رفض الإقصاء، وهي البذرة التي تحاول إنتاج واقع يعالج مشروع سياسي مدني يواجه ما أفسده مبارك عبر مشروعه "الحكم بالخوف"، والذي استأنفه رأس إدارة 3 يوليو في إطار من الضراوة التي تعمل على الإطاحة بأية نواة تتشكل لمواجهته.

ومشروع "الحكم بالخوف" لا يرادف "القمع"، بل يشير لجملة الإجراءات والتدابير التي اتخذها مبارك تطويرا لمبدأ "فرق تسد" الذي بدأ مع جمال عبد الناصر بدعم اليسار في مواجهة الإخوان، وطوره السادات في الاتجاه المعاكس، ما انتج محمولا تاريخيا عدائيا عمق مبارك في إطار السعي لتعميق المواجهة الهوياتية، وهو ما أنتج الاستقطاب الإسلامي العلماني، والذي عززته أموال الخليج، وهو المشروع الذي أنهك مصر والعالم العربي، وآل بها لحالة التمزق التي نراها.

المتابع للشأن المصري يعلم الخلاف الكبير الذي حدث بين قطاعين من النخبة المدنية؛ على خلفية احتشاد "جبهة التضامن للتغيير" لإنتاج مواجهة انتخابية مع رأس إدارة 3 يوليو، أول هذين القطاعين قطاع "التنسيق لأجل التغيير"، وقاده عدد من رموز النخبة المعارضة منهم د. ممدوح حمزة مؤسس الجبهة، وأحمد دراج أستاذ العلوم السياسية، ومجدي حمدان نائب رئيس حزب الجبهة الديمقراطية، وأحمد سعد خير الله، رئيس حملة مناهضة أخونة مصر، كداعين لتقديم مرشح توافقي، وبين الفريق المخالف الذي ضم م. أحمد بهاء الدين شعبان وأ. كريمة الحفناوي كرافضين للفكرة. انتهى بإخراج الدكتور أحمد بهاء الدين شعبان وكريمة الحفناوي والحزب الشيوعي والاشتراكي الناصري وحزب التجمع من الجبهة، وكانت مبررات دفعهم خارجها أنهم رافضين لاختيار مرشح توافقي ضد رأس إدارة 3 يوليو، واتهامهم من يرغب في التوافق على مرشح بأنهم داعمون للإخوان.

جدير بالذكر أن فريق د. ممدوح حمزة كان قد دعا من قبل إلى استيعاب الإخوان كمواطنين مصريين ضمن جهود التوافق لأجل التغيير، على أرضية المصلحة الوطنية. وبتقييمي، هي خطوة تقابل خطوة تدشين "جبهة الضمير" في معسكر معارضة الخارج، بانتظار بناء جسر بين المبادرتين.

من الضروري في فقه التغيير أن يعمل الشركاء/ الفرقاء في مصر على تلافي تحول المبادرتين إلى نموذج مكرر من خبرة الاستقطاب الإسلامي العلماني، وأن يعملا معا على تراكم "رأس المال السياسي" اللازم لدعم عملية بناء الأمة، والمتمثل في "عامل الثقة".

2. تحرير المعتقلين: من المهم في هذا الصدد أن يكون المعتقلون وتحريرهم على رأس مطالب الجماعة في حال طرح المشروع للتفاوض. المعتقلون مقصود بهم كل المعتقلين، وليس معتقلو الإخوان دون غيرهم، حيث الإصرار على تحرير الجميع من شأنه تعزيز رأس المال السياسي لجملة نخبة التغيير في مصر، ودعم جهود بناء "الأمة المصرية". وفي هذا الإطار ينبغي ان ندرك أن النخبة التي لا تعترف إلا بركائز القوة المعتبرة، والتي لا تقر إلا نموذج "المواطن المذعن" لن تلجا لطرح هذا المشروع إلا في إطار وظيفي، أي في إطار رغبتها في توظيف مثل هذه المصالحة، وهو ما يمنح الجماعة ورقة تفاوضية معتبرة لدى الجميع.

الحديث عن رأس المال السياسي، وأولوية بناء "الأمة المصرية"، يرتبطان بضرورة توفر شرط هام في عملية إدارة مثل هذا المشروع في حالة طرحه، حيث إن الأصل في عملية بناء الأمة، وتحجيم الاستغلال السلبي للتوجهات الهوياتية، كلاهما يقتضيان أن يكون العقل الذي يدير العملية عقلا تواصليا، بحسب تعبير المفكر الألماني يوريجين هابرماز. والأصل في مثل هذا العقل التواصلي أنه ينزع لتفكيك كل مصدر للخلاف الجذري، بحيث يكون ناتجه فصلا مطلوبا بين إيمان الفرد بفكرة ما وبين اتخاذ هذه الفكرة أساسا للصراع، وهو الأمر الذي يؤدي في النهاية لإنهاء الصراعات وتفكيكها، وبناء رؤية مشتركة برغم الاختلافات المعتبرة لدى الفرقاء الذين انخرطوا في علاقة التواصل. هي فكرة أشبه بالحوار، لكنها تتجاوزه من جهة أن الحوار يتأسس على عقل وظيفي/ أداتي يريد أن يخلص في النهاية لأجندة مشتركة، بينما التواصل يستهدف بناء مشروع يمثل حلما مشتركا. الحوار يبقي المسافات بين المتحاورين، بينما التواصل يعمل على تآكل المسافات برغم بقاء أوجه الاختلاف.

التواصل في هذا الإطار مهم لأنه يوسع إدراك الىخر حيال أمرين أساسيين، أولهما أن الجماعة ترمي لدعم جهود بناء الأمة بشكل لا ينطوي على مراوغة أو براجماتية أو تغييب للمصارحة على نحو ما وصف به د. حازم حسني السلوك المعتاد لجماعة الإخوان، وأنها تضع عملية البناء هذه على رأس أولوياتها. وثاني الأمرين أنه يعمق إدراك الطرف الآخر في عملية بناء الأمة بعمق أزمة المعتقلين، ومدى فداحتها موضوعيا، ومدى أهميتها للجماعة وللمعتقلين ولمصر في آن.

وعلى سبيل الخاتمة، قد يكون لرؤية باحث من خارج الجماعة حول المصالحة أو شروطها معارضة مبدئية او موضوعية أو حتى نفسية، وقد يكون لها مؤيدوها، غير أن معالجة واعية لأزمتي الهوية والاندماج في مصر تعد شرطا موضوعيا لبناء الأمة ومقرطتها في آن.