خواطر عن المجال العام في مصر..

2005-12-20

النخب العربية وتساؤلات الحوار لبناء الديمقراطية


في إطار السعي نحو تعزيز الحالة الديمقراطية في البيئة العربية قدم المفكر العربي البارز البروفيسور برهان غليون في أطروحته "هل تشكل الحركات الإسلامية عائقاً أمام التحولات الديمقراطية" عدة تساؤلات حول مدى احتمال وجود خطر إسلامي حقيقي يهدد أي تحول في اتجاه الديمقراطية، واحتمالات أن يكون الانتقال نحو نظام ديمقراطي في أي بلد عربي بمثابة انتقال محتم نحو نظام إسلامي يقفل باب الديمقراطية، وتساءل عما إذا كان من الممكن تصور تحول نحو الديمقراطية لا يتبعه تسلط للقوى الإسلامية المتطرفة على الحكم؛ وبالتالي لا يترجم بالضرورة إلى إهدار حقوق وحريات الأفراد والعودة المنتصرة لنظم استبداد دينية أكثر قسوة من نظم الاستبداد القائمة شبه العلمانية.

وفي السياق نفسه أكد البروفيسور برهان غليون على أنه لا يمكن الهروب أيضا من طرح السؤالين الذين تطرحهما الدول الصناعية، وهما: هل يمكن إنكار أن العنف الاستثنائي الذي أظهرته بعض الحركات الإسلامية المتطرفة؛ ولا تزال تظهره بشدة، تجاه الغرب بشكل خاص هو الذي يدفع هذه الدول إلى تبني النظم المستبدة العربية القائمة، والتمسك بمبدأ الوصاية على المنطقة التي تشكل بؤرة مصالح إستراتيجية كبيرة ومعترف بها؟ ثم أليس هو المسؤول عن تراجع الديمقراطية في الولايات المتحدة نفسها عندما اضطر الإدارة الأميركية إلى تعزيز الإجراءات الأمنية وتقييد الحريات الفردية وتكريس التمييز الإثني داخل الدولة الأكثر قبولا بتقاليد التعددية الإثنية والدينية والفكرية من بين جميع الدول الصناعية؟

والواقع أننا تمسكنا بالبدء من أسئلة البروفيسور برهان غليون، بصرف النظر عن رؤيته التي نثمنها وإن كنا لا نتفق معها إلى حد كبير. وهذا التمسك مرده إلى أمرين: أولهما أن الدكتور برهان غليون ممثل نموذجي لتيار الإصلاح السياسي العربي على الأرضية العلمانية ذات النزوع الوطني غير الفصائلي، وثانيهما أن تساؤلاته عكست جوهر مختلف التساؤلات التي تحمل القلق حيال العلاقة بين الإسلاميين والديمقراطية.


الإسلاميون والديمقراطية.. القلق المشروع والمذموم

في مقال سابق كنت قد بحثت أطروحة احتمال انقلاب الإسلاميين على الديمقراطية. وفي هذا الإطار أوضحت أن طرح الأطياف العلمانية لهذا السؤال طرحا سلبيا على أصعدة عدة، ويمنح تبريرا مجانيا للاستبداد في عالمنا العربي، وذلك على خلفية أحد الأسئلة التي طرحها البروفيسور برهان غليون، والتي طرحتها في مستهل المقال. وأشرت في معالجتي للموضوع إلى أن البديل هو مشروع قومي لتقوية العمل المدني الجماعي على نحو يعيق قيام أية سلطة - أيا كان فكرها – بالارتداد إلى الحالة التسلطية الاستبدادية. وهذه الفكرة طرحها - بروئ متعددة وزوايا مختلفة وخصائص متمايزة - مجموعة من المفكرين العرب الأفذاذ أبرزهم الدكتور محمد عابد الجابري في أطروحته المتميزة عن "الكتلة التاريخية"، ذلك المفهوم الذي بناه المفكر الشيوعي الإيطالي أنطونيو جرامشي في النصف الأول من القرن العشرين، وأسهم الدكتور الجابري في تطوير المفهوم وتبيئته، على نحو لا يتسع المقام لسرده.

هذا المعيار لم يكن المعيار الوحيد بسبيل تجاوز هذا السؤال المأزوم والمغلوط في آن. فهناك معايير أخرى. نتناولها بالفحص بقدر ما تسمح به مساحة المعالجة، وبقدر ما تتعدد الكتابات في هذا الصدد.

والواقع أن هذا السؤال المغلوط والملغوم يضعنا أمام تخوفات المجتمع المدني العربي من قوة الإسلاميين ومآلاتها؛ تلك التخوفات التي نجمت عن التعاطي مع بعض أطياف من خطابات إسلامية راديكالية وجدت نفسها تاريخيا في محل قاطرة الحركة الإسلامية، وأبرزها خطاب جبهة الإنقاذ إبان الانتخابات الجزائرية المشؤومة عام 1992، كما تداولتها ألسنة بعض قادة حركات إسلامية معروفة التوجهات، لكن ما لا يجدر بنا نسيانه أن تصور النخب العربية ظل متكلسا حتى وقت قريب حول هذه التصريحات رافضة إدخال تعديلات حقيقية عليها من قبيل تعدد الإسلاميين وتعدد الخطابات الإسلامية.
لكن من الحري بنا أيضا أن نضع أنفسنا، وأن نضع خطابنا الإصلاحي الوطني/القومي أمام اعتبارين لابد من تمحيصهما، بصرف النظر عن مناهج المعالجة التي نستعملها في إجابة تساؤلات البروفيسور غليون أو ما توصل إليه من نتائج فعلية. وهذان الاعتباران يتمثلان فيما يلي:

الاعتبار الأول: ليست كل الخبرات الإسلامية في السلطة خبرات استبدادية، أو خبرات يمثل حضورها علاقة عكسية مع حضور الديمقراطية، بل الغالبية منها خبرات ديمقراطية، ولن تكون خبرات تركيا وإيران وفلسطين وبعض الخبرات الديمقراطية النيابية في عدد من الدول العربية آخر هذه الخبرات، برغم أن البيئة المحيطة بهذه الخبرات تدبر المكائد وتشيع الدسائس آملة في إفساد هذه التجارب، ولعل جهود حركة فتح الفلسطينية في علاقتها بحكومة حماس أشد النماذج توضيحا لمحاولات إفشال النموذج. ومع حجة النفي تلك تثور حجة إثبات لعكس مقولة البروفيسور غليون.

فباستثناء الخبرة اللبنانية التي يصونها اتفاق الطائف والترويكا المنبثقة عنه، وكذا الخبرة الديمقراطية النيابية الحيية في الكويت والأردن برغم ما يعتور هاتين الخبرتين من بعض انتهاكات، باستثناء هذه الخبرات فإن الوضع الاستبدادي كله علمانيا.

وإن كان البروفيسور غليون قد أشار إلى أن الاستبداد العلماني سيكون أفضل من الاستبداد الإسلامي؛ فإني أرفض هذا الطرح. فالخبرة التاريخية تشير إلى أن بعض المجتمعات تحملت قمع الحريات المبدئي ونجحت في تجاوزه أو على الأقل تقدمت على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي بدءا من الخبرة السوفيتية وانتهاءا بالخبرتين الإيرانية والفنزويلية، بينما الاستبداد العلماني لم يمنح المجتمعات العربية والإسلامية إلا الفساد الذي نعرف عاقبته التي نحياها اليوم.

غير أن مقولتي الأخيرة هذه هي فقط لتبيان رفضي حجة البروفيسور غليون استنادا لدلائل تاريخية، ولا تعني - بأي حال – قبولي أي عصف إسلامي بالحريات - إن حدث، هذا على اعتبار أني أتحدث في فضاء إسلامي.

الاعتبار الثاني: لماذا هذا الإصرار العربي الفج والممقوت والذميم للنخب العربية والإسلامية على جعل الخبرة الديمقراطية رهن فقط بإرادات الساسة إبان إدارتهم للعملية السياسية من موقع السلطة؟ ثم ألا يلاحظ المفكرون العرب والمسلمين أن كل الخبرات التي تشهد ممارسة ديمقراطية مستقرة أو قادرة على الاستقرار تبين بجلاء أن هذا الاستقرار الحادث أو المحتمل مرده إلى استناد الممارسة الديمقراطية لخلفية صلبة (البنية الاجتماعية والصيغة الأيديولوجية الحاكمة في إيران – الوضع القطري والإقليمي والدولي في فلسطين – المؤسسة العسكرية ذات العقيدة الوطنية الديمقراطية في تركيا.. إلخ)؟ ثم لمصلحة من أن يكتب الدكتور محمد عابد الجابري – مع عميق تقديري لشخصه وعقله وأطروحاته الإصلاحية – عن تلك العوائق البنيوية أمام التحول الديمقراطي؟ ألا يقود هذا لتصور استحالة التغيير أو على الأقل تصور ضرورة العنف بسبيل التغيير، حيث العنف والراديكالية هما السبيلان لكسر الحلقة المفرغة؟ ألا يعي المفكرون العرب والمسلمين أن علينا بناء مشروعات قومية سياسية حقيقية نبني عليها توافقا صلبا كما عبر عنه الجابري في رؤيته عن الكتلة التاريخية؟ ألا يعلم مفكرونا أن سبب مصيبة هذه الأمة يتمثل في عدم استعداد أفرادها تحمل التكلفة الاجتماعية لإصلاح يقضي على الفساد وتدني الحياة العامة والخاصة في عالمنا العربي والإسلامي؟ أليست هذه الأسئلة أولى بالطرح؟

خلاصة هذين الاعتبارين أننا – كأمة عربية أو كأمة إسلامية – بحاجة لتوفير الشروط الأساسية لبناء الديمقراطية، بدءا من بناء التوافق حولها، وعدم التهويل في طرح أسئلة العوائق أمام بناء هذا التوافق على نحو يؤدي لإقصاء القوى القادرة على إحداث تراكم بسبيل بناء الديمقراطية المنشودة، كما أننا بحاجة أكثر وأثمن وأهم وأقيم إلى إخراج المارد الجماهيري من عزلته (الاختيارية أو الإجبارية)، وتحميله بقيم الجماعية والحرية والاستعداد لتحمل الثمن الاجتماعي للتحول الديمقراطي، ثم تعبئته من خلال حركة اجتماعية خلف الهدف الديمقراطي، سواء أكانت هذه الحركة جبهة وطنية أم كتلة تاريخية أم تحمل أي مسمى آخر، ولا مشاحة في التسميات كما يقول أستاذنا الجابري.


مسؤولية الإسلاميين.. والخطاب الديمقراطي المتهم

القلق العلماني من مآل العلاقة بين الإسلاميين والديمقراطية لا يخلو من وجاهة عميقة ومحترمة ومعتبرة، برغم أننا قلنا إن الاستفسار عن هذه العلاقة قد يصل إلى درجة الرهاب الذي يعبر عن مرض اجتماعي. وكما قمنا برصد حد المرض عند طرح الاستفسار عن هذه العلاقة؛ علينا أن نبين حد الوجاهة والاعتبار، وإلا نكون بصدد طرح غير متوازن وغير مستقيم.

أولا، لابد من الإشارة لوجود تعددية حقيقية في طرح الإسلاميين حيال الديمقراطية. لكن البارز داخل هذه التعددية وجود ثلاثة تيارات يتوفر لديهما طرح رافض للتعاطي مع الفكرة الديمقراطية، هذه التيارات يمكن التعرف على ملامحها من خلال المشهد التالي:

التيار الأول، وهو تيار راديكالي عقائدي يرى في الديمقراطية حكما بغير ما أنزل الله، ومقولتهم في هذا الصدد أن الديمقراطية تجعل الحاكمية في المجتمع للشعب في الوقت الذي يرى فيه أنصار هذا التيار أن الإسلام وعقيدته لا يجعلان الحاكمية إلا لله. ولعل أبرز من كتب في هذا التيار الدكتور محمود الخالدي - أحد مفكري حزب التحرير، في كتابه "الديمقراطية الغربية في ضوء الشريعة الإسلامية"، والشيخ عبد الغني الرحال ذو التوجه السلفي، في كتابه "الإسلاميون وسراب الديمقراطية".

أما التيار الثاني، فهو راديكالي سياسي يقوم في رفضه للديمقراطية على ضرورة الاعتزاز بالقيم الإسلامية والمنهج الإسلامي الذي يعتبر أنموذج حياة كاملة، ويرى هذا الاتجاه - في هذا الصدد - أن ثمة بديل إسلامي مطروح للديمقراطية، ألا وهو مفهوم الشورى، وتراثهم في التدليل على محتوى هذا المفهوم له باع طويل. ومن بين الكتابات التي عالجت هذا الموضوع كتابات الشيخ عدنان النحوي الذي سبق ووضع كتابا بعنوان: "الشورى لا الديمقراطية". والمشكل في هذا الاتجاه أن المفكرين المحسوبين على هذا التيار بأطيافه المتعددة لم تنجح في تحويل مفهوم الشورى من قيمة سياسية إلى ظاهرة مؤسسية تفوق الإنجاز القيمي والمؤسسي لقية الديمقراطية، بما في ذلك محاولات أستاذنا الكبير الدكتور توفيق الشاوي، وبخاصة في "فقه الشورى والاستشارة" أو في "الشورى أعلى مراتب الديمقراطية".

وهناك تيار ثالث، ربما لا يحمل مشاعر عداء للديمقراطية؛ لكنه يرفضها رفضا منهجيا، ومرد هذا الرفض المنهجي إلى الاقتراب المنهجي الذي نظر به إلى الظاهرة، حيث تعاطى معها باقتراب تاريخي اجتماعي، وهذا الاقتراب كان من نتيجته النظر للديمقراطية باعتبارها نتاج تاريخي لبيئة غير إسلامية وإطار فلسفي غير إسلامي، وهذا صحيح إلى حد كبير. وكان من المفترض بهذا الاتجاه أن يبني طرحا سياسيا تجديديا منطلقا من أصول الإسلام وتراثه من ناحية ومن تاريخ الأمة الإسلامية وتطورها الذاتي من ناحية ثانية، لكنه لسبب أو لآخر لم يفعل بالرغم من أن كل المؤشرات الصادرة عن الأمة تشير إلى الحاجة الماسة والملحة للتجديد والإصلاح.

وفي الاتجاه المقابل لتيارات الرفض؛ يمكن رصد تيارات أخرى تعاطت مع الديمقراطية بما ينفي عنها صفة الرفض لها. وقد أدت هذه التيارات لبروز تسميات تحاول استيعاب هذه القيمة والخبرات المرتبطة بها في بيئتنا العربية والإسلامية. وفي هذا الإطار وجدنا الأستاذ محمد إبراهيم مبروك يتحدث عن "الديمقراطية الإسلامية"، كما وجدنا أستاذنا الدكتور توفيق الشاوي يتحدث عن "الشوراقراطية" كمصطلح منحوت من لفظين: الشورى والديمقراطية، وهو نفس المصطلح الذي وظفته حركة مجتمع السلم في الجزائر ضمن رؤيتها للديمقراطية. كما رصدنا أيضا أفكار الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي عن الديمقراطية المؤمنة، وكذا كتابات الدكتور توفيق الواعي حول "أسلمة الديمقراطية".

غير أن هذه التيارات التي تحاول تقديم تعاط ثقافي ناضج مع مفهوم مستورد ومعرب ويحمل خلفيته الثقافية في تعريبه، هذه التيارات لم تمنع من تعامل الحركات الإسلامية الوسطية مع مفهوم الديمقراطية بعدة أساليب. فبعض قادة الحركات الإسلامية يعتبر الديمقراطية معطى تاريخي فعال في المنطقة، كما أنه لا مناص من التعامل معه. غير أن الأستاذ عبد الرحمن الحاج يرى أن خطاب الضرورة هذا قد يمثل انتكاساً عما بدأه الخطاب الإسلامي الإصلاحي مطلع القرن الماضي الذي كان يرى في الديمقراطية نوعاً من الانسجام العميق مع الذات، بحيث تبدو الديمقراطية الحديثة وكأنها نوع من إعادة اكتشاف الذات العربية والإسلامية نفسها، لا شيئاً غريباً عنها. لكن فقه الضرورة لم يكن وحده صاحب الأطروحة الرضائية حيال الديمقراطية، فضمن هذا الاتجاه السياسي العملي جاء التقويم المتوازن للديمقراطية على لسان فضيلة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله يعالج هذه المسألة في كتابه "دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين"، الذي اعتبر الديمقراطية بمثابة إجراءات لتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، مؤكدا أنها يمكن أن تنجح في أوطاننا. ففتح بذلك أمام المسلمين باب قبول هذه القيمة.

وكشأن الفتاوى التي تصدر عن كثير من علمائنا، وفيما يتعلق بالديمقراطية على نحو ما عرضنا، وجدنا بديلا واحدا موصوفا بالحل والحرمة في آن. وهنا يثور التساؤل: هل هذا الاختلاف في الفتوى مما اعتبره الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة أم أنه ليس من هذا النوع من الخلاف؟ وهل يحتمل حكم الشرع أن يكون الفعل الواحد حراما وحلالا في آن واحد، فاتحا بذلك الباب أمام حديث البعض عن اضطراب الحكم الشرعي؟ ولماذا أصر بعض مفكرينا على ضرورة التمييز بين خلاف الضد وخلاف التعدد؟

هذه التساؤلات تقودنا إلى أمر غاية في الأهمية. فالحكم الشرعي لا يمكن أن يكون بالحل والحرمة حيال فعل واحد، وإن تصادف القول بخلاف تضاد في الحكم الشرعي؛ وجب أن يعالج هذا الوضع. فما موقف الشرع الحقيقي إذا من الديمقراطية؟ برأيي أن هذا السؤال كان يحتاج لوقفة جادة، لأن عدم الرد عليه يفتح الباب أمام أسئلة التي جسدها طرح البروفيسور برهان غليون.

وفي رأيي الذي بنيته منهجيا وعمليا، وأقتنع به بالغ الاقتناع، أن الطرح الإسلامي أشد انسجاما مع القيم الديمقراطية منه مع القيم الأوتوقراطية والثيوقراطية، وهو يعلي الديمقراطية على كثير من خيارات إدارة الشأن العام. غير أن هذا الإعلاء والتثمين رهن بالبت والفصل بين الديمقراطية وأصلها الفلسفي الليبرالي.

نحن نتعامل مع الديمقراطية في هذا الصدد باعتبارها نموذج إدارة مكون من نسق من القيم السياسية والاجتماعية المقبولة إنسانيا، والتي لا تختلف عليها الثقافات بحيث ترفضها في إطار تقدير خصوصياتها. وما نقوله هنا ليس بدعا. فقد سبقنا أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لاستلهام نظم لإدارة الفارسية. كما أن البروفيسور برهان غليون نفسه قد قدم سجالات عديدة في إطار رؤيته لضرورة عدم الخلط بين الديمقراطية وفلسفتها الليبرالية.

وهنا أتوجه للإسلاميين المحتفين بالديمقراطية بعدة تساؤلات:

فهل تمكن الإسلاميون من مواجهة اختلاف الضد في الموقف من الديمقراطية بما يليق بوزن القضية وقيمتها بالنسبة لمجتمعاتنا؟ والإجابة هي: لا.

وهل باشر الإسلاميون المحتفون بالديمقراطية سجالات ومناظرات مع الإسلاميين الرافضين للديمقراطية، بما يوفر أدبيات قوية تعالج هذا الموضوع، وبما يخلق مناخا يسهل تقبل الفكرة وتعميقها لدى العامة والخاصة من المسلمين، وبما يوفر إقناع المرتابين في علاقة الإسلاميين بالديمقراطية؟ والإجابة هي: لا.

وهل باشر الإسلاميون المحتفون بالديمقراطية حملات إعلامية وتربوية ترسخ اعتناق أتباعها للطرح الديمقراطي؟ والإجابة هي: لا.

وهل كرس الإسلاميون المحتفون بالديمقراطية جهود فقهائهم لفحص الديمقراطية في ضوء نظريات الفقه الثرية والقوية كنظريات المقاصد والمصالح والمآل والذرائع، على نحو يرسخها ضمن الفقه السياسي الإسلامي المعاصر بدلا من الاحتماء بنظرية الضرورة التي لا يخلو الاحتماء بها من اتهام؟ والإجابة هي: لا.

وهل قام الإسلاميون بتشريح التراث الفقهي والتربوي السياسي للأمة انطلاقا من المحتوى الموافق للشرع الذي تحمله الظاهرة الديمقراطية؟ والإجابة هي: لا.

لكن الأهم من تقديم أجوبة إيجابية على كل هذه التساؤلات يتمثل في مدى لياقة نمط تفاعل الإسلاميين مع الجماهير، وما إذا هذا النمط لائق لإعداد الجماهير للدور المطلوب منها أم لا. أنا أظن أن هذا السؤال بنيوي ومحوري في تقييم علاقة الإسلاميين بالديمقراطية.

هذه الأسئلة كلها تشير إلى أن تراث الإسلاميين لا يخلو من خلل، ولا ينجو من اللوم، ولا يقوى على مواجهة السؤال الذي طرحه البروفيسور برهان غليون مواجهة حقيقية. فهل تكون ثمة بداية؟ أرجو هذا.!

2005-11-25

الآلية الغائبة المرتقبة في الفكر السياسي للإسلاميين.. إدارة التعايش مع الآخر


يحتاج الخطاب الإسلامي بأطيافه المختلفة إلى الكثير من الجهد من أجل بناء خطاب قادر حقيقة على مواجهة الموقف الراهن في مصر والعالم العربي والإسلامي، ومن أجل الوصول لدرجة عالية من النضج واكتمال المصداقية في المجال العام، وبناء نمط وعي وطني قادر على مبارحة حالة الوعي الفصائلي المتكلسة بغالب الحالة السياسية العربية والإسلامية. ومن أهم المساحات التي أرى أنها بحاجة لمزيد إنضاج لتلك المساحة المتعلقة بتوضيح آلية التوصل لملامح أي مشروع وطني عام لإدارة أي مستوى من مستويات الحياة الاجتماعية. فما هي ملامح قضية هذا المقال؟


قراءة في خبرات بناء التوافق

فلو نظرنا للخبرات غير الإسلامية لبناء مشاريع قومية ووطنية سنجد أن النموذج الليبرالي التعددي قد سعى في بدايات تكوينه لبناء ما سمي في بعض الاتجاهات بالتعاقد الاجتماعي العام (النظرية التعاقدية) وما أسماه اتجاه آخر أكثر تطورا وحداثة باسم التوافق Consensus، لعل هذا ما يجمع الفرقاء داخل الوطن الواحد، ثم جعل هذا النموذج من التفاوض والمساومة الشكلين الرئيسين للتفاعل بين تكوينات المجتمع، مما أتاح الفرصة للتعايش بين متناقضات كثيرة كمتناقضات الحالتين العلمانية والدينية من ناحية، وتعايش الراديكاليين من اليسار واليمين من ناحية ثانية.. إلخ. بينما أنتج اليساريون في بعض خبراتهم الفكرية والعملية أنموذج الكتلة التاريخية، وهو مفهوم طوره المفكر الشيوعي الإيطالي أنطونيو جرامشي؛ محاولا عبره إنقاذ إيطاليا من الانهيار بعد الحرب الاستعمارية العالمية الأولى (1917)، وذلك عبر الحفاظ على وحدتها ما بين الشمال المتقدم والجنوب المتخلف، ومحاولة خلق اتفقا بين القوى اليسارية والليبرالية والقومية المهيمنة والنشطة في الشمال مع القوى المهيمنة في الجنوب وعلى رأسها الكنيسة. وسعى جرامشي لوضع نموذج أولويات يضمن للاتفاق العام حول خيار ضرورة نهضة إيطاليا مرتبة متقدمة ومتفوقة على غيرها من الخيارات. أما بالنسبة للنموذج ذات الطابع النسبي الشمولي الوطني في كثير من الدول؛ فإن النظرية الإدماجية Corporatism رصدت أنماط تفاعلاته، وخلصت إلى أن التفاعل بين الجماعات يتم تنظيمه عن طريق أجهزة الدولة من خلال استبيانات أو تجميع اقتراحات أو مؤتمرات شعبية أو بواسطة منظمات المجتمع المدني التي تشغل المسافة ما بين قمة الهرم السياسي وقاعدته. ولا يخفى على المهتم تلك الخبرة الرائعة الجبهوية الوطنية التي شهدتها المجتمعات الجنوبية في سعيها لنيل استقلالها عن الدول الاستعمارية.

إن آلية بناء المشروع القومي التي ننشدها تستهدف تحقيق أمرين: أولهما أن هذا الجهد يبقي الحالة السياسية العامة دوما قريبة من احتياجات الناس مما لا يؤدي لابتعاد الأداء السياسي عن هدفه: خدمة الجماهير، وبما يكرس حضور الجماهير في المجال العام ولا يقصيهم. ومن ناحية ثانية، أنه لا يفتت ولا يشتت جهود القوى الراغبة في تحقيق الإصلاح.

وفي هذا الإطار ينبغي أن نشير إلى أن الحالة الإسلامية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية بصفة عامة وفي مصر بخاصة، تفترض خلق آليات تناسب خصوصية الطرح الإسلامي كطرح عقدي أولا، ثم تناسب خصوصية البيئة السياسية العربية/المصرية ثانيا.


آليات بناء العمل العام بالتوافق

يستطيع التيار الأساسي من الحركة الإسلامية في مصر أن يصل لمركز من مراكز صناعة القرار في المجال العام استنادا لقدراته التعبوية العالية، ويستطيع إدارة المكان بما يحقق أهدافه استنادا لكفاءاته الإدارية والفنية، لكنه لم توفر حتى هذه اللحظة آلية منهجية لإدارة الأهداف الوطنية على الصعيد العام من دون وجود مؤسسة. ولعل أحد أهم تداعيات هذه المشكلة أن القوى الرافضة للوجود السياسي الإسلامي تنهج عدة مناهج بهذا الصدد، منها:

أ – منع الحركة من الوجود القانوني المؤسسي.
ب – تجميد المؤسسات العامة التي يصلها الإسلاميون.
ج – تكبيل فرص خلق كيانات سياسية واجتماعية جديدة يمكن أن يكون للإسلاميين حضور فيها، مثل الأحزاب الجديدة وغيرها.
د - الحفاظ على عدد ممثلي التيار الإسلامي بالمؤسسات العامة التي لا يمكن تجميدها عند الحدود الآمنة التي لا تمكنهم من عرقلة مشروعاتهم.
هـ - توكيل القوى المنافسة لهذا التيار بعملية مهاجمته والضغط عليه باستمرار لمنعه من مراكمة خطاب إيجابي، ومن مبارحة المربع التاريخي الذي يقف فيه.

ولعل هذا أحد أهم أسباب عدم قدرة الحركة الإسلامية المصرية على خلق مناخ حوار صحي قوي على صعيد الوطن، برغم أنها التنظيم السياسي الوحيد الذي يمكنه بعث الحركة في الجسد السياسي الواهن للأمة الإسلامية في قطرها المصري.

فالمؤسسة هي الوسيلة الوحيدة التي تمكن الحركات الإسلامية من تحقيق هدف على المستوى العام، وبطبيعة الحال، يمكن الحديث عن فقر الحيوية السياسية في المجتمع المصري إلى حد كبير، وهو أمر يمكن تفهمه في إطار ضغوط البيئتين المحلية والخارجية على الواقع السياسي المصري.


منطق العمل العام بين الجماعية والفردية

من خلال الكتابات المتعددة التي تناولت الخطاب الإسلامي بالتحليل والتحديد يمكن أن نقف على أن الخطاب الإسلامي هو ذلك الخطاب الذي يستند لمرجعية إسلامية من أصول دين الإسلام، القرآن والسنة، وأي من سائر الفروع الإسلامية الأخرى، سواء أكان منتج الخطاب جماعة إسلامية أم مؤسسة دعوية رسمية أو غير رسمية أو أفراد متفرقون جمعهم الاستناد للدين وأصوله كمرجعية لرؤاهم وأطروحاتهم؛ لإدارة الحيوات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية والثقافية التي يحيونها، أو للتعاطي مع دوائر الهويات القطرية أو الأممية أو دوائر الحركة الوظيفية التي يرتبطون بها ويتعاطون معها.

القوى الرافضة للطرح الإسلامي تلح في ملاحقة الكيانات الإسلامية بخصوص برنامجها الانتخابي الذي تدعي عدم وجوده، وهو الأمر المغلوط جزئيا، لكنه ليس مغلوطا تماما. لكن الأهم من وجهة نظري أن الدفع باتجاه تقديم البرنامج الخاص بالإسلاميين برغم كونه مطلبا مشروعا؛ إلا أنه يكرس لدى الحركة الإحساس بفرديتها وبنائها نموذجها الخاص للعمل العام بمعزل عن الإحساس بروح الجماعة الوطنية، وهو ما نعنيه بضرورة تحرك هذا التيار لبناء خط وطني متماسك ضمن خطابه الذي يتضمن ثراء على المستويين العالمي والقومي العربي الإسلامي.

غير أن الأهم من دلالة تكريس الفردية أن انفراد التيار الإسلامي بتقديم طرح برنامجي مستقل هو ضرب من العبث، لأن وصول التيار الإسلامي لرأس السلطة في أية دولة عربية في هذا الظرف التاريخي هو أمر مستبعد، فضلا عن أنه لو أُتيح - كبديل سياسي عبر صناديق الاقتراع - لفضلنا كمهتمين بالشأن الإسلامي ألا يحدث انفراد للإسلاميين بتنفيذ هذا البديل، ونرى – عوضا عنه - تشكيل حالة وحدة وطنية، وذلك بالنظر إلى أمرين هامين، هما:

أ – لابد وأن تعلم الحركة الإسلامية أن قوى الفساد والعمالة العولمية ستبذل قصارى جهدها لوصمها بالفشل، ولعل نموذج حكومة فلسطين الحمسوية يمثل لحظة نماذجية كاشفة في هذا الإطار.

ب – أن الحركة الإسلامية لابد وأن تقرن يقينها بأنها ليست وحدها في هذا الوطن بالعمل ضمن إطار وطني جامع للقوى التي تهتم لأمر الوطن، حتى لو كانت هذه القوى ممن يكنون لها رفضا راديكاليا؛ مهما اختلفت مستويات هذه الراديكالية. فالحركة الاجتماعية والسياسية الإصلاحية التي ليس لها منافس قوي يتمتع بالمشروعية والحرية في صوغ أفكاره ونقده لها تصاب بالتكلس، وتجمد دون الاجتهاد والتجديد، لتبدأ مسيرتها نحو الوهن.

إن ما يحتاجه العمل العام في العالمين العربي والإسلامي بعامة، وفي مصر بخاصة، هو إيجاد آليات لبناء مشروع عام تتوافق فيه إرادات "الجميع الوطني" على ملامح هذا المشروع التي تمثل الحد الأدنى الذي لا يمكن لقوة وطنية أن تتخلى عنه أو تتجاوزه مهما كانت المغريات. فلا نجد في نموذج هذا المشروع قيادات حزب تتخلى عن قاعدته الاجتماعية وأجندته العامة مقابل تعيين زعامته في مجالس نيابية صورية التمثيل سيئة السمعة، ولا نجد قيادات حزب آخر تنقلب على رئاسة الحزب مدفوعة بضغوط وتهديدات حكومية أو وعود بالدعم للوصول لرئاسة هذا الحزب، وذلك بسبب تجاوز هذا الحزب الخطوط الحمراء في خطابه مع النخبة السياسية المركزية (الحاكمة) أو رأس هذه النخبة.


آليات التوافق لبناء المشروع العام

في مثل هذه المساحة يمكن أن نتلمس الخبرات التي أنتجتها الأفكار المغايرة للفكر الإسلامي، وقد أشرنا من قبل لنماذج مثل نموذج التوافق ونموذج العقد الاجتماعي ونموذج الكتلة التاريخية، والنموذجي الإدماجي أو الكوربراتوري، فضلا عن نماذج كثيرة للجبهة الوطنية. وبعد ذلك يثور التساؤل: إذا كان الإسلاميون في مصر وغالب دول العالم العربي هم القوة المعارضة الأساسية (أو الوحيدة في بعض الدول)، فما الاجتهاد الذي قدمه الإسلاميون في إطار بناء مثل هذا التوافق؟ وهل كلمة "حوار" التي نستخدمها في التعاطي مع إدارة الشأن العام تكفي كآلية لبناء التوافقات المنشودة. والإجابة من وجهة نظري بالنفي. لماذا؟

إن التوافق في المساحة العامة يتم إنتاجه بإحدى الوسائل التالية:

أ – الإجماع.. كما حدث في صدر الإسلام حيال بعض القضايا الأساسية، ومنها الخلافة الأولى وجمع القرآن.. إلخ.

ب – التعاقد.. كما حدث في كثير من المجتمعات، أو كما يسود في المجتمعات الليبرالية التعددية، حيث لا يتوقف المجتمع عند حدود التصويت بالأغلبية، بل يبني توافقاته باستمرار وفق علاقة بين المصالح واتجاهات التصويت. ولا يتم التعاقد بهذه الصورة إلا بعد مباشرة آليتين فرعيتين؛ هما المساومة والتفاوض.

ج – القسر الفوقي.. كما يحدث بصورة عامة في النماذج الشمولية الراديكالية من المجتمعات السياسية. وتجدر الإشارة إلى أننا نرفض مثل هذا المنطق القسري، ونراه قاتلا للإرادة الجامعية لا منظما لها.

د – التجميع من أسفل إلى أعلى كما يحدث في النماذج الشمولية الوطنية أو المسماة بالنماذج الكوربوراتورية.

وفي كل هذه النماذج يكون الحوار عنصرا مشتركا. فبقدر ما إن الحوار أساس الإجماع، فهو شرط قبلي من شروط التعاقد ومن قبله التفاوض أو المساومة اللذان يعدان بمثابة آليات فرعية تسبق آلية التعاقد. كما أن الحوار أساس تجميع المصالح، من زاوية كونه وسيلة للتبليغ عن المصالح. أما النموذج القسري فالحوار فيه فوقي نخبوي، ويتجاوز الجماهير التي لا يعتبرها مسؤولة أو واعية، بل يراها جاهلة جامدة متواكلة، وهو ما نرفضه كمنطق.

والذي نقصده هنا أن الحوار آلية تعريف وإعلام وتطبيع حضور وكسر للحواجز أكثر منها آلية اتفاق عميق غير هش. فالقسر ليس هشا، بل هو أحد صور القوة الصلبة. والتعاقد ليس هشا، بل يعني مقايضة المصالح الموضوعية وصولا إلى نموذج متماسك لإدارة الحياة العامة، ولذا لن ينكر أي طرف اجتماعي أو سياسي مصلحته، بل سيتمسك بها. تجميع المصالح في النموذج الكوربراتوري ليس هشا بصورة كبيرة لأنه يرتبط ببحث النظام السياسية عن مشروعية رضائية أو مشروعية إنجاز لدى القاعدة الشعبية التي يتسلط عليها. وليس الحوار في مثل قوة هذه الآليات من ناحية أدائه للوظيفة التي نتحدث عنها، وهي وظيفة بناء التوافق بين أطراف العملية الاجتماعية العامة على مشروع يصون حقوق الجميع في إطار مصلحة الوطن، بل هو الخطوة الأولى.

ووفق السبل السالف الإشارة إليها لبناء التوافق يحق للحركة الإسلامية في مصر والعالمين العربي والإسلامي أن تنتج اجتهادها وآليتها الخاصة التي تستند لاعتبارات الخصوصية في مجتمعها، على ألا تعني هذه الخصوصية أن نبني هذا المشروع على منطق تهميش الجماهير بدعوى خصوصية بعض المجتمعات العربية وما إلى ذلك من أحاديث تبرير الطغيان.


اعتبارات الخصوصية في إنتاج آلية التوافق

ليس المهتم بالشأن السياسي كالممارس لهذا الشأن في شدة الإحساس باحتياجات البيئة السياسية والآليات التي تناسب خصوصيتها. وعلى هذا، فهدف هذه السطور أن نوضح علامات على طريق محاولة إنتاج المهتم بالعمل العام لآليات التوافق المنشودة.

المقصود بمراعاة الخصوصية العقدية تجاوز محاولات النخب العلمانية الإلحاح على التهجم على مقدسات الأمة وثوابتها. فلو نجحت الحركة الإسلامية في أن تدرج احترام الرموز والأصول ضمن مشروع التوافق العام مع إطلاق الإبداع فيما عدا هذا، فذاك سيعد كسبا لعموم الأمة، حيث لن يفقد العلماني تواصله مع ثقافة القاعدة مما يعمق الشرخ، كما لن يضطر الإسلاميون لمواجهة العلمانيين على خط النار بسبب اجترائهم على المقدسات؛ مما يسهم في إضعاف صفوف القوى الوطنية بعامة.

كما أن المقصود بالخصوصية المتعلقة بالبيئة السياسية تحري إنتاج آلية لبناء التوافق تكون على وعي بمعطيات البيئة السياسية التي تعمل على اختراق بعض النخب العلمانية والإسلامية، فضلا عن ضرورة الوعي بمدى التنوع في أطياف الخطاب الإسلامي، والانتباه لهذا التنوع؛ مما يسمح بفرز التيارات الراديكالية من الوسطية لمعرفة الأطراف المتمسكين بالدائرة الوطنية باعتبارها دائرة الانتماء الأساسية التي يمكن التضحية بغيرها من الدوائر في سبيلها.

وتتبقى في هذا الصدد كلمة أخيرة نتوجه بها للجميع: إسلاميين وغير إسلاميين. فعندما عالج الدكتور محمد عابد الجابري قضية الكتلة التاريخية ركز فيها على أمرين. فبعد أن تحدث عن ضرورة بناء هذه الكتلة أشار إلى أن التوافق يجب ألا يكون ظرفيا أو سياسيا وإلا لصار هشا يمكن هدمه بخلق أنماط مصالح موازية. كما أوضح أن الدخول في علاقة التوافق أو الكتلة التاريخية، ولا مشاحَّة في الأسماء لديه، ولا لدي، هذا الدخول لا يعني مطالبة كل فصيل بالتخلي عن مدينته الفاضلة، بل يعني معالجة أولوياتها في ضوء فرص وضغوط البيئة السياسية المحلية والدولية المحيطة.

2005-10-25

الخطاب الإسلامي.. الماهية ودلالات التجديد


كثيرة هي الكتابات التي تناولت الخطاب الإسلامي بالفحص والدعوة إلى التجديد، من دون أن تحاول معرفة ماهية هذا الخطاب، وتدقيق النطاق الدلالي للمصطلح، ومعرفة النسابية الحضارية التي تجعل العلاقة بين هذا الخطاب وبين مرجعيته أكثر من مجرد علاقة ارتباطية وثيقة، بل أوثق من أن تكون علاقة عضوية.

وبداية الحديث عن تجديد الخطاب الإسلامي تنطلق من التعرف على مشتملات هذا الخطاب، ومكوناته، ومرجعياته، ودلالاته التي قد تتقاطع مع دلالات أخرى كالفقه والشريعة والتدين والاجتهاد والبرنامج السياسي، فكل هذه الدوال اللغوية تتقاطع في حقولها الدلالية مع دلالة مصطلح الخطاب الإسلامي، وتكاد تشكل بعض أبعاده. وهو ما يدفعنا للتساؤل عن ماهية الخطاب.



ما هو الخطاب الإسلامي؟


ذكرت الخبيرة باربارا جونستون المتخصصة في مجال تحليل الخطاب أن معظم الدارسين يتعاملون مع الخطاب باعتباره "أي حديث أو نص أو ترميز". لكن عندما نخوض في الوظائف السياسية والثقافية والاجتماعية التي ينجزها الخطاب، وبالنظر إلى مآلات الخطاب: التغير باتجاه التجديد أو الانحطاط بصفة عامة، لا يمكن التحدث عنه بصيغة: تجديد النصوص أو تجديد الترميز أو تجديد الحديث. فلابد من الاتجاه للتركيز على المحتوى الاجتماعي للخطاب حتى يكون للتعريف دلالاته من حيث الصيرورة والمآل.


وفي هذا الإطار أقدم اجتهادا يرى الخطاب – بصفة عامة - باعتباره مجموعة المفردات التواصلية (نص - صوت - صورة..إلخ) المعبرة عن الرسالة الاتصالية التي يتداولها الشركاء في أية منظومة اجتماعية محددة، والتي تتضمن الموقف العملي لصاحب الخطاب من كافة أبعاد الحياة الاجتماعية المشتركة بين أعضاء تلك المنظومة المحددة، استنادًا إلى مرجعية صاحب الخطاب وظرفه التاريخي وتصوره عن ذاته.


والخطاب الإسلامي في هذا الإطار هو ذلك الخطاب الذي يستند لمرجعية إسلامية من أصول دين الإسلام، القرآن والسنة، وأي من سائر الفروع الإسلامية الأخرى، سواء أكان منتج الخطاب جماعة إسلامية أم مؤسسة دعوية رسمية أو غير رسمية أو أفراد متفرقون جمعهم الاستناد للدين وأصوله كمرجعية لرؤاهم وأطروحاتهم؛ لإدارة الحيوات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية والثقافية التي يحيونها، أو للتعاطي مع دوائر الهويات القطرية أو الأممية أو دوائر الحركة الوظيفية التي يرتبطون بها ويتعاطون معها.


غير أننا - في إطار تعريف الخطاب الإسلامي - ينبغي أن نشير إلى أمر بالغ الأهمية يتمثل في أن استخدامنا لكلمة الخطاب هنا هو استخدام مجازي. فلا يوجد شئ اسمه الخطاب الإسلامي، بل توجد خطابات إسلامية متعددة بقدر تعدد الاجتهادات المختلفة في التعاطي مع تحديات الحيوات السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تشهد حضور أي خطاب إسلامي. بل يميل بعض المراقبين إلى أن يعتبر أن للاجتهاد الواحد أكثر من خطاب، فيمكن أن نتحدث بالنسبة لحركة إسلامية واحدة عن خطاب فكري وخطاب سياسي وآخر تربوي.. إلخ. وبرغم أننا يمكن أن نعتبر وجهة النظر هذه إشارة لتعدد مستويات الخطاب الواحد إلا أن هناك حالات يكون فيها لحركة واحدة أكثر من خطاب، وبخاصة في حالة الحركات ذات الجناحين السري والعلني. ويصدق هذا على الحركات من المرجعيات المختلفة وليست المنتمية للمرجعية الإسلامية فقط.


والآن ننتقل إلى توضيح أكثر تفصيلا ودقة لأبعاد تعريف الخطاب كما قدمناه في السطور السابقة.



أبعاد الخطاب الإسلامي


بداية، لإنتاج الخطاب والتعرف على اتجاهه ومساره أو حتى تحليله وتطويره، سنجد أن العنصر الحاكم في هذه العمليات جميعها يتمثل في تصور منتج الخطاب عن ذاته. فهذا قد يؤثر تأثيرا جوهريا – فضلا عن احتمالات التأثير البنيوي - على الخطاب. فالجهة التي تنتج الخطاب - في إطار منظومتها الاجتماعية التي تحيا في سياقها - سيتغير خطابها في حالة إحساسها بالاغتراب عن هذه المنظومة عما لو كانت تشعر بالانتماء لها. وسيتغير الخطاب كثيرا لو كانت الجهة منتجة الخطاب ترى نفسها حزبا سياسيا عما لو كانت ترى نفسها طليعة تثوير وتغيير راديكالي، وهكذا. ويرتبط هيكل الخطاب وجزئياته ارتباطا وثيقا بالتغيرات التي تطرأ على تصور منتج الخطاب لعلاقته بالبيئة التي يحيا في إطارها.


والأمر البالغ الأهمية أيضا يتمثل في ضرورة الوقوف على المنظومة الاجتماعية المحددة التي يتم إنتاج الخطاب في إطارها. ومصدر الاهتمام بتلك المنظومة أن الخطاب الاجتماعي – أي خطاب اجتماعي - لا يتضمن مطلقات، بما في ذلك الخطاب الإسلامي. الخطاب يتضمن رؤية ومعالجة لتحد اجتماعي يواجه صاحب الخطاب في المنظومة التي يحيا في إطارها. وقد تكون هذه المنظومة دولة أو منظمة غير حكومية أو حالة أهلية أو منظمة سياسية.. إلخ. وانطلاقا من التأكيد على أهمية المنظومة الاجتماعية يمكن القول – مثلا - بأن الحياة في دولة غربية غير الحياة في دولة عربية، أو إفريقية.


فلكلٍ خصوصية ثقافية وسياسية واجتماعية تستدعي تمايز الخطاب الثقافي والسياسي المنتج في إطارها. وهنا، لا بد من استيعاب أن الخطاب الإسلامي المستخدم في دولة غربية لابد وأن يختلف عن الخطاب السياسي في أية دولة أخرى عربية أو إفريقية، بل إن هناك تمايزات في الخطاب قد تستدعيها بعض التفاوتات بين دول البيئة الثقافية الواحدة، ففي الدول الغربية نجد دلالة المذهب الديني بين الكاثوليكية والبروتستانتية تؤثر في صياغة الخطاب الإسلامي المستخدم في الدول التي تنتمي لهذا المذهب أو ذاك. ودلالة التاريخ السياسي بين دول قومية عضوية كألمانيا وإيطاليا وغيرها عن دول ذات تاريخ استيطاني متعدد الأعراق كالولايات المتحدة وأستراليا وكندا.


ويرتبط أيضًا بما سبق أن هذه المنظومة الاجتماعية قد تكون محددة بكونها منظمة غير حكومية أو منظمة سياسية أو منظمة أدبية أو منظمة اجتماعية مهنية أو نوعية.. إلخ. وهذا الأمر يؤثر على طبيعة الخطاب من حيث نطاقه الموضوعي. فخطاب أديب إسلامي في منظمة أدبية في بلد ما هو جزء من الخطاب الإسلامي العام في هذا البلد، لكنه جزء يتعلق بنطاق موضوعي محدد هو الأدب من حيث المرجعية الإسلامية لرؤية الأديب للفن، وهكذا نجد السياق الاجتماعي الذي يمثل بيئة "تشغيل" الخطاب يعد دالا رئيسيا في تشكيل ملامح الخطاب.


وثالثًا: في تعريف الخطاب لابد من الحديث عن الشركاء: أي شركاء منتج الخطاب في المنظومة الاجتماعية التي تشكل بيئة الخطاب. وهذا أمر بالغ الأهمية، لأن منتج الخطاب يعيش في بيئة يشاركه فيها آخرون، وهو مطالب كجزء فاعل من الكل أن يشارك في إدارة تعايش هذا الكل من خلال مجموعة من الرسائل الاتصالية التي تعبر عن وجهات نظره الأخلاقية أو الاجتماعية أو الوظيفية لإدارة هذا التعايش. وبحسب خطاب كل طرف يتحدد جزء من خطاب الطرف الآخر. فالمكون الثالث من التعريف: الشركاء، يفيدنا بأن الخطاب في طبيعته مكون من شقين؛ الأول تعبير عن ذاتية ومرجعية منتج الخطاب وقراءته للظرف التاريخي المحيط به، والثاني تعبير عن ردة الفعل حيال الخطاب الذي ينتجه الآخر أو الآخرون، والذين قد يفارقون منتج الخطاب من جهة الدين أو اللغة أو العرق أو الثقافة أو المصلحة.


وينبغي في هذا المقام الإشارة إلى أن أهمية الشركاء في تعريف الخطاب تتأتى من كونهم منخرطين في هذا الخطاب من عدة زوايا، فهم قد يكونوا موضوع هذا الخطاب إذا كان الخطاب يقوم بتعريفهم وتعريف موقعهم في المنظومة الاجتماعية، ومنظومة حقوقهم وواجباتهم، كما قد يكونوا موضوعا للخطاب في إطار سلبي الاتجاه، فأغلب الخطابات الإسلامية مثلا تعمد للتمييز بين (آخر مقبول) وهو الإنسان الغربي المستهدف بالدعوة للإسلام وبين (آخر مرفوض) وهو المشروع الغربي الذي يتسم في جانب كبير منه بالانتهازية والاستعمارية. كما أن الآخر قد يكون مستهلكًا لهذا الخطاب كأن يكون الخطاب ذا طبيعة إدارية أو فنية أدبية.


ومن جهة رابعة، فإن الموقف العملي لمنتج الخطاب يعد من أهم محتويات الخطاب الاجتماعي. فالخطاب الاجتماعي ليس تحركًا في فراغ، بل تحركا في سياق اجتماعي، وهو ما يعني احتكاكًا دائما بمشكلات اجتماعية وضغوط ومخاتلات خصوم وصور ذهنية مختلفة الدلالات تبثها وسائل الإعلام والدعاية على اختلاف أشكالها وصورها، وهو ما يخلق تحديات عملية مستمرة لا يمكن مجابهتها بخطاب مصمت أو خطاب فلسفي بنيوي ذاتي التوليد في مقولاته، بل ينبغي أن يكون منتج هذا الخطاب فكرة تدير هذه التحديات الاجتماعية، في إطار التغيير للأفضل. ومن هنا، فليس خطابا مقبولا ذلك الذي يدور في نطاق مثالي لا يتجاوز المرجعية أو الذاتية لصالح إدارة التفاعل الإيجابي مع الواقع. ولا يصير خطابا مقبولا ذلك الذي يتصل بالواقع ولا يستطيع قراءته، وإن استطاع فلا يستطيع إيجاد الحلول المناسبة له في ضوء مثالياته. وليس خطابا مقبولا ذلك الذي تؤدي مقولاته إلى صدام متكرر مع الواقع من دون الوقوف على سبيل عملي لتقديم استجابة توقف الصدام أو تطور علاقة الصدام نحو اتجاه أكثر إيجابية.


والمكون الخامس من مكونات الخطاب يتمثل في المرجعية الخاصة بالخطاب، فلا يوجد خطاب بلا مرجعية، ولا رؤية مثالية تمثل المعيار الذي يقاس نجاحه أو فشله مثاليا بالرجع إليه. إن محصلة دراسات علم اجتماع المعرفة تنتهي دوما لحتمية التحيز الذي يخلق علاقة ارتباطية وثيقة بين منتج الخطاب وبيئته النفسية التي تتشكل وفق عقده التاريخية وعواطفه ومنظوماته العقدية.


ولابد من زاوية سادسة أن يكون إنتاج الخطاب استنادا لقراءة واعية للظرف التاريخي المحيط بمنتج الخطاب، بما يجعل الخطاب استجابة ناجحة لبيئته.


أما المكون السابع فيتمثل في جماع تفاعل كل العناصر الخمسة السالف ذكرها، المتمثل في مجموعة المفردات التواصلية التي تتولي حمل الخطاب وتوصيله لمحل استقباله: شركاء المنظومة الاجتماعية. وهذه المفردات تتمثل في اللغة بكل تجلياتها المكتوبة والمسموعة والمرئية. فأي عمل فني درامي يحمل دوما إمارات وعلامات خطاب منتجه، بل إنه جزء من خطاب منتجه. فالصورة أو الرسم أو الصوت أو الكلمة المكتوبة كلها من مفردات تلك الرسالة الاتصالية التي يتكون الخطاب من مجموعها. وقد ذكرنا أنها مفردات تواصلية وليست لغوية لأنها مفردات تستوعب اللغة وتتجاوزها.


والجدير بالذكر هنا أن العلاقة بين هذه المكونات السبعة علاقة نُظُمية، أي أن التغير في أي من هذه المكونات السبعة سينتج تغيرا في بقية المتغيرات. ويتوقف حكم التغير التابع على درجة الجذرية في التغير المستقل أو الابتدائي.


وأخيرًا، يجدر بنا الالتفات إلى ضرورة وجود تماسك في بنية الخطاب الإسلامي نفسه، أي: إحكام العلاقة بين مكونات هذا الخطاب، سواء أكانت روافد نصية (كلمات) أم سمعية (تسجيلات وأحاديث) أم بصرية (مادة مصورة: تسجيلية أو درامية أو برنامجية). فإذا تم تكوين الخطاب الإسلامي بصورة اعتباطية، بلا دراسة وبلا فحص وبغير مراجعة أو نقد ذاتي، فهذا قد يقود إلى عدم تماسك الخطاب أو فقدانه الاتساق المنطقي، هذا بالطبع بالإضافة إلى ما يمكن أن يحدث من اضطراب في الخطاب من زاوية ما يطرحه من مواقف عملية ومدى فاعليتها، وبخاصة فيما يتعلق بحسن إدارة الشراكة مع سائر المكونات التي تشكل المنظومة الاجتماعية.


فالخطاب إذا هو ظاهرة اتصالية اجتماعية تتمثل في مجموعة المفردات التواصلية التي تعبر عن محتوى الرسالة الاتصالية التي يتداولها الشركاء في أية منظومة اجتماعية محددة، والتي تتضمن رؤية منتج الخطاب لذاته في إطار المنظومة التي يحيا بها، كما تتضمن الموقف العملي لمنتج الخطاب من كافة أبعاد الحياة، والتعايش المشترك في تلك المنظومة المحددة، استنادًا لمرجعية من يقوم بإنتاج هذا الخطاب وفي إطار إدراكه لخصائص الظرف التاريخي الذي يمثل سياق حركته.


وعليه، فإن الخطاب الإسلامي في هذا الإطار هو ذلك الخطاب الذي يستند لمرجعية إسلامية من أصول دين الإسلام، القرآن والسنة، وأي من سائر الفروع الإسلامية الأخرى، سواء أكان منتج الخطاب جماعة إسلامية أم مؤسسة دعوية رسمية أو غير رسمية أو أفراد متفرقون جمعهم الاستناد للدين وأصوله كمرجعية لرؤاهم وأطروحاتهم؛ لإدارة الحيوات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية والثقافية التي يحيونها، أو للتعاطي مع دوائر الهويات القطرية أو الأممية أو دوائر الحركة الوظيفية التي يرتبطون بها ويتعاطون معها.


والخطاب الإسلامي بهذه الصورة مفهوم أوسع من الفقه الإسلامي لأنه يتضمن الفكر الإسلامي ومفهوم الجماعة للتدين. كما أنه أوسع من البرنامج السياسي الإسلامي لأنه يتجاوز السياسة للتعاطي مع كل منظومة اجتماعية يتغير مستوى الخطاب فيها عن المستوى العام للخطاب العام. كما أنه أوسع من الاجتهاد كمنتج علمي، وأوسع من الفكر الإسلامي، وإن كان يستوعب هذه المكونات جميعها، لكنه يتجاوزها ليضم الأعمال الدرامية الإسلامية، والفن الإسلامي، والأدب الإسلامي، وكل أطروحة عملية تم إنتاجها في ضوء إعمال النظر في أصول الدين وفق الضوابط السليمة لهذا الإعمال. ومن نافلة القول تمييز الخطاب الإسلامي عن الشريعة الإسلامية باعتبارها جماع العقيدة والأخلاق والأحكام الشرعية، وعن التدين باعتباره طريقة التعبد كما يراها جماعة بشرية معينة، وعن الاجتهاد كعملية من عمليات إنتاج الخطاب تعتمد على منهجية علمية صارمة.



صيغة التجديد وتحدياته


مصطلح التجديد هو أحد المصطلحات التي تكثفت عملية استخدامها منذ منتصف القرن العشرين، بالرغم من أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أوضح أهميته للأمة، ودورية اللجوء إليه، من خلال الحديث الذي رواه أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ الله يَبْعَثُ لهذِهِ الأمَّةِ عَلَى رأْسِ كلِّ مائةِ سنةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَها". ومع هذا الحديث كثر اللجوء لدلالة المصطلح: التجديد دون اسمه عبر عمليات تاريخية تمت تحت اسم الإحياء والإصلاح والاتباع والاجتهاد بل وحتى التقليد، وكانت هذه المسميات ذات صلة مباشرة بجوهر عملية التجديد التي كانت تتم في كل لحظة تاريخية على حده، حتى إننا وجدنا مصطلح التجديد يتسع للتفسير ونقيضه التاريخي، وكانت هذه الصلة المباشرة للمصطلحات المستخدمة وبين ما تقوم به من وظيفة سبب لتأخر اللجوء لاستخدام مصطلح التجديد. ولم أجد لجوءا لهذا الحديث النبوي السابق يتجاوز لجوء شراح الحديث طيلة عمر أمة الإسلام الأخيرة إلا منذ الثلث الأول من القرن العشرين على يد الشيخ أمين الخولي الذي كان أول من طرح مفهوم التجديد في الدين بمعنى الإصلاح والتغيير، ثم تلاه الشاعر الباكستاني محمد إقبال ثم الشيخ عبد المتعال الصعيدي، وتباينت الأسماء التي استخدمته كما تباينت دلالته مع هذه الأسماء.


والراجح أن سبب اللجوء لمصطلح التجديد مؤخرا واتساع نطاق استخدامه أمرين، أولهما أن المصطلحات التي أسلفنا الإشارة إليها صارت مفاهيم وباتت تحمل تاريخا مستقلا، وتحيزات خاصة، ودلالات ربما تصل في ضيقها لحد الوظيفية. غير أن الأمر الأهم من وجهة نظري، وهو الأمر الثاني الذي أدى للضغط على المصطلح منذ الثلث الأول من القرن العشرين، أن الفقهاء يحسون أن الضغط الواقع على الأمة وعدم التيقن من تحديد مكمن الوهن الظرفي يحتاج لتعميق المسؤولية حيال التجديد على نحو لا يصلح معه إلا استخدام هذا المفهوم النبوي نفسه. وهو برأيي نوع من استنفار علماء الأمة لكل من يستطيع أن يدلي بدلوه في هذا المجال.


وفي سياق العمل على إصلاح الواقع العربي والإسلامي المأزوم قامت محاولات لإعادة النظر في التركيبة الفكرية والاجتماعية والسياسية لهذا الواقع ومستوياتها المتعددة، ونشأت جماعات ومؤسسات وبرامج ومفكرين كلهم يدورون حول نفس الفكرة أي التجديد. غير أن قرنا من الزمان كاد أن ينصرم ولم نكد نبارح التحرك على مستوى المنهج، فقط وصلت بعض الحركات الإسلامية للحكم عبر اجتهادات تحاول جاهدة تنفيذها في إطار بيئة شبة رافضة لهذه الاجتهادات كما توصل كثير من المفكرين الإسلاميين لاجتهادات مهمة في الوقت الذي تواجههم فيه صعوبات تقبل الحركات الإسلامية لها فضلا عن تقبل البيئة العلمانية لها. وهذا ما دفعني لبناء هذا التعريف الإجرائي، لعله يكون طرحا يقيس عليه الباحثون عملية التجديد، أو حتى ليطوروا مفهوما قياسيا جديدا يتمكنوا من خلال مؤشراته من التعرف على مسار عملية التجديد ومحاولة التنبؤ باتجاهاتها المتعددة.


لقد سبق في هذه الورقة أن أوضحنا أركان الخطاب التي لابد من توفرها لنطلق على ما بين أيدينا خطابا، وهي:


أ - المفردات التواصلية ومجموعها.

ب - تصور منتج الخطاب عن ذاته.

جـ - حضور الآخر في الخطاب.
د - الموقف العملي لمنتج الخطاب.
هـ - مرجعية الخطاب.
و - قراءة الظرف التاريخي.
ز - المنظومة الاجتماعية.

كما أوضحنا ما يميز الخطاب عن غيره من بعض المفاهيم التي تتقاطع معه في الدلالة وتتباين معه في مجمل الحقل الدلالي. والسؤال الآن: كيف يجري التجديد على هذا الخطاب؟ ومتى نقدر أن خطابًا ما في أزمة، وأنه أضحى في حاجة للتجديد؟


والإجابة أنه طالما احتفظ الخطاب الإسلامي بنوع من التوازن بين هذه المكونات السبعة، فيمكن الاطمئنان إلى أن الخطاب الإسلامي في عافية. وبداية احتياج الخطاب للتجديد تتأتى من تنبيه المفكرين إلى وجود خلل في أحد هذه المكونات أو في العلاقة بينها. كيف؟ هذا ما سنجيب عليه في السطور التالية، من خلال مجموعة من الأمثلة التحليلية الواقعية التي تعكس أزمة أو مجموعة أزمات في الخطاب الإسلامي.


فمن ناحية، يمكننا أن نجد أول أزمات الخطاب الإسلامي من خلال الابتعاد عن المرجعية الإسلامية، والابتعاد عن تلمس مقاصد الشارع عز وجل الواردة في أصوله. فالخطاب الإسلامي في استقامة طالما استلهم أصوله حق الاستلهام، فلم يهمل أصلا، ولم يتجاوز أصلا، وطالما التزم بالمناهج السليمة في التعامل مع هذه الأصول. وبديل ذلك الالتزام يتمثل في التخبط، وفقدان التماسك المنطقي الذاتي، والابتعاد عن مقاصد الشارع إلى مقاصد بشرية قد تقصر عن إدراك عمق المصلحة البشرية كما أدركها الشرع. وعليه، فإن هذا المؤشر يفسر ظهور علم أصول الفقه كضابط لآليات التعامل مع نصوص الوحي. كما يفسر حركة مثل حركة إسلامية المعرفة التي ترى أن مشكلة الأمة تتمثل في أزمة في العقل والمنهج.


ومن ناحية ثانية، فإن الفشل في تقديم قراءة دقيقة للواقع والظرف التاريخي اللذان يعيشهما منتج يؤدي به إلى إنتاج خطاب غير قادر على مواجهة التحديات التي تشكل ليطرح معالجات لها، ويكون دالا في ظهور قراءة جديدة لهذا الظرف. ولعل كتاب "العالمية الإسلامية الثانية" لمحمد بلقاسم حاج حمد يعد أحد أبرز النماذج الإسلامية التي قدمت رؤية تجديدية تنطلق من رؤية كلية للظرف التاريخي. ونفس المثال ينطبق عن الطرح التجديدي الجزئي للدكتور سيف الدين عبد الفتاحإسماعيل حول أطروحة فتاوى الأمة، والحاجة إلى منظومة إفتائية جديدة وشاملة.


ومن ناحية ثالثة؛ فإن إسقاط خبرات مجتمعات أخرى على مجتمعاتنا تؤدي لمشكلات سياسية واجتماعية كبرى تواجه المسلمين في مجتمعاتهم. فلا بد من مراعاة خصوصية المنظومة الاجتماعية التي يحيا فيها المسلم منتج الخطاب. فالخطاب الإسلامي في دولة دينها الأساس الإسلامي سيختلف بالطبع عن الخطاب الإسلامي في دولة دينها الأساسي المسيحية. كما أن الخطاب الإسلامي في دولة فيها المسلمون أقلية سيختلف عن الخطاب الإسلامي في دولة فيها المسلمون أغلبية. فكل منظومة تفرض تحدياتها الخاصة على المتشاركين فيها. ولعل هذا المؤشر يفسر لنا ظهور جماعة الإخوان المسلمين التاريخية، كما يفسر الأطروحة التجديدية للبروفيسور طارق رمضان حول نظرية الاندماج الإسلامي في المجتمعات الغربية، وكذا يفسر أطروحة الأستاذ أنس التكريتي حول نظرية إدراج التوافق على المبادئ الإسلامية في بنية العقد الاجتماعي الغربي.


ومن ناحية رابعة، فإن عدم تضمين الخطاب الإسلامي مواقف عملية من المشكلات الاجتماعية يجعل هذا الخطاب يبدو خطابا مثاليا أو جامدًا غير مرن أو متزن أو مبدع. وهو ما اقتضى توجه حركات تجديد جزئية نحو الوجهة الحزبية، فظهرت لدينا الأطروحات التجديدية – بمعنى كلمة تجديد – لأحزاب مثل العدالة والتنمية التركي ومن قبلهم أحزاب السلامة والرفاه والسعادة والفضيلة في نفس البلد، وكذا العدالة والتنمية المغربي، ومشروع حزب الوسط المصري الذي لم ير النور حتى تاريخ كتابة هذه السطور، والحركة الدستورية الإسلامية في الكويت، وحزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن، وحركة مجتمع السلم في الجزائر، وذلك على تفاوت في أهمية الأطروحات التجديدية لهذه الأحزاب.


ومن ناحية خامسة، نجد أن كثرة تصادم منتج الخطاب الإسلامي بشركاء المنظومة الاجتماعية التي يحيا في إطارها يعني وجود مشكلة كبرى في ممارساته أو في خطابه. ومن هنا، لابد من مراجعة الخطاب كجزء من عملية النقد الذاتي، فالخطاب والسلوك هما مصدر الخلافات الاجتماعية التي تشهدها علاقات القوى الإسلامية بغيرها من القوى. وربما يكون رفض مشروع الآخر مستهدفا ومحل إصرار في الخطاب، وهنا يجب التمييز بين شخص الآخر وإنسانيته ومشروع الآخر الذي قد يكون غير إنساني. هذا التمييز مهم لحمل الخطاب والعيش به وضمان العيش له. ولعل هذا المؤشر يفسر ظهور التجديد في مساحات جزئية من الفقه مثل تطوير التعامل مع مفهوم الجزية لصالح مفهوم المواطنة عبر تغيير المنظور الفقهي من الدولة الإمبراطورية باتجاه الدولة القومية، كما يفسر تنامي فقه الحوار وتطور الحالة الحوارية باتجاه تراكم أدبيات حوارية في مساحات الحوار الإسلامي – العلماني والحوار الإسلامي – المسيحي والحوار السني الشيعي، فضلا عن المشروع الأضخم: مشروع حوار الحضارات. والملاحظ أن هذه الحالة الحوارية تعم الأمة جميعا، حيث تتبلور في الدول الأسيوية مساحات للحوار الإسلامي – البوذي والحوار الإسلامي الكونفوشيوسي.


ومن زاوية سادسة، نجد أن تصور منتج الخطاب عن ذاته قد يحتاج لتطوير أيضا. فالحركات الإسلامية التي تعيش بمنطق حركة المقاومة التي كانت تواجه الاحتلال قبل عشرات السنين لا بد من أن تعمل على تطوير رؤيتها لنفسها، فهذا ما سيؤدي لتطوير خطابها وتجويد أدائها ومن ذلك اتجاهات تجديد خطاب جماعة الإخوان المسلمين بعد زوال الاحتلال البريطاني. كما أن الحركة التي تتصور أنها بديل مطلق لغيرها من الأفكار سيقودها تصورها عن نفسها إلى الاصطدام بالوجود الحقيقي والمتعين والمؤسسي لغيرها من الأفكار والحركات، مما يعني مزيد صدام سياسي واجتماعي في ظرف تاريخي لا يسمح بتعامل منصف مع أطراف مثل هذا الصدام، ولا يكون البديل إلا بتغيير ملامح الخطاب الذي تحمله الحركة أو تغيير بنيته، وذلك انطلاقا من إعادة تقييم رؤيتها لذاتها. ولابد في ختام طرح كهذا من الإشارة إلى أن أي خطاب، تصالحيا كان أو راديكاليا، لابد له من أرضية اجتماعية ينطلق منها، ولابد له من الحفاظ عليها. هذه الأرضية تمثل أنماط التحالفات الكلية أو الجزئية التي تعينه على تحقيق ذاته. ويشار إلى ما تحدث عنه الدكتور عبد الوهاب المسيري من أطياف الخطاب الإسلامي الجديد كمثال حي على التجديد في هذه المساحة.


تلك هي أهم المداخل المنضبطة منهجيا لتطوير الخطاب الإسلامي وتجديده، في إطار السعي لتفادي الارتجال والعفوية التي ضرت الحركة في مسارها أكثر مما نفعت.



محذوران هامان


لكن عملية تجديد الخطاب الإسلامي يجب أن يتم في إطارها الانتباه لأمرين بالغي الأهمية، قد يؤدي تجاوزهما إلى القدح في العلاقة بين الخطاب الإسلامي ومرجعيته، وهذان الأمران هما:



أولا: هناك حق أصيل للمسلمين في الاختلاف الفكري، ولا يجدر بنا الانسياق وراء الضغوط غير المسلمة لدفع الخطاب الإسلامي للتناقض مع أصول الشريعة، ولا يقدح في حقنا في الاختلاف أن نتناول الأجندة الغربية لنقدم في إطارها إسهامنا الأصيل فهذا بالرغم من كونه حلا منقوصًا، إلا أنه أفضل المطروح في إطار هيمنة علاقة قوة غير متوازنة على عملية التدافع الحضاري لا تسمح بإنجاز إسهامات الخطاب الإسلامي وفق أولوياته الذاتية.


وثانيًا: يجدر بأصحاب الخطابات الإسلامية ألا يضيقوا بوجود أكثر من خطاب إسلامي، بل الأجدر بهم أن يتحاوروا مع الأطياف المختلفة للخطاب الإسلامي، لا لتوحيد الخطابات، بل لوضع ضوابط لما يمكن تسميته بالخطاب الإسلامي، لئلا ينتحل هذه الصفة من لا يتمتع بالأهلية الموضوعية للوقوع ضمن الحقل الدلالي لمفهوم الخطاب الإسلامي.

2005-09-16

قضية الردة وثورة الاتصالات.. الجدوى التاريخية


قضية الردة من القضايا الكبرى التي اصطدمت بطموح النخب العلمانية في المجتمعات العربية الساعية نحو توسيع نطاق الحريات وإطلاق المجال للإبداع بحد تعبيرهم. وربما كان طرح عقوبة الردة يتعلق بنموذج فكري يحاول أن يطرح نفسه كمشروع بنيوي كامل ومغلق، يؤخذ كله أو يترك كله، لكن المشكلة أن المشروعات الإسلامية المتعددة اختلفت حول هذا الموضوع، مما دفع للتشكك في اعتباره طرحا إسلاميا سماويا كرسته الشريعة في صورة حد من الحدود، حيث إن مفهوم الحدود له خصوصية تختلف عن مفهوم العقوبة العادية.

وبما أن الأمر يتعلق بحياة إنسان أولا، وبما أنه يتعلق بصورة دين سامق راق تجري المحاولات لتشويهه على قدم وساق، وبما أن دم الإنسان مكرم مصان في الشريعة، وبما أن هذه القضية الخلافية أنهكت نخبنا الثقافية العلمانية والإسلامية؛ فإن الأمر اقتضى مزيد توقف أمام هذا الطرح: طرح الردة، لفحصه ومناقشته نقاشا على مستوى الفكر والحاجة الاجتماعية. وكثيرا ما سبق الفكر الفقه فقاده، وكثيرا ما قدمت المناقشات الفلسفية للفقه أطروحات ذات نفع عظيم.

والأمر الأكثر إثارة وإلحاحا في طرح هذه القضية للمناقشة اليوم أن تداعيات المتغيرات العالمية، وعلى رأسها الثورة الاتصالية، تجعل من طرح هذه القضية والتمسك بها - من وجهة نظري - ضربا من العبث، يعكس انعدام فهم بعض القيادات العلمية الأصولية أو بعض قيادات الجناح الراديكالي للتيار الإسلامي لدلالة هذه التغيرات العالمية، ومن ضمنها دلالة التغير التكنولوجي وتداعياته على ما هو سياسي وفقهي، كما يعلن اهتزاز الوعي بالمسؤولية التاريخية لدى القيادات المسؤولة عن تحديد أولويات مشروعات النهضة السياسية وإدارة التفاعل العام حولها، في توقيت تاريخي نجد أوطاننا فيه أحوج ما تكون إلى الاجتماع على كلمة سواء.

ربما يكون هذا الكلام صادما لبعض القراء، لكن العبرة بالحاجة لطرح اجتماعي متماسك وقوي وفعال ومحفز للأمة، وهو ما دفع لإجراء بعض المراجعات الفقهية، وعلى رأسها مراجعة قضية الردة.


قضية الردة والاختلاف وحمى التساؤلات

من يريد فحص قضية الردة عليه أن يستوعب المقدمات التي يوفرها المجتمع الفقهي حول هذه القضية، ونشير في هذا الصدد إلى أن قضية الردة تشهد خلافًا على مستويين، على النحو التالي:

أ - في حين يصر جُل الفقهاء المقلدين للمذاهب الفقهية على التعامل مع الردة باعتبارها حدًّا من الحدود، فإن بعض الفقهاء المعاصرين - بما جمعوه من مجمل الأحاديث النبوية، فضلاً عن تفاسير القرآن - لا يرون في هذه القضية حدًّا، ولديهم من الحجج ما يردون به على كل صور استدلال الفقهاء القدامى ومقلديهم من الأصول القرآنية والنبوية على اعتبار أن عقوبة الردة الواردة تاريخيا تعد حدا من الحدود.

ب - وحتى الفقهاء القدامى أنفسهم اختلفوا في تفصيلات كل شيء يتعلق بقضية الردة، وبخاصة مسألة الاستتابة، بما يحيل هذه القضية إلى حيز المختلف فيه، الذي يستحيل معه أن يصير معه الأمر حدًا ثابتًا ومستقرًا. إن كون هذه القضية مثيرة للخلاف على هذا النحو العميق بحاجة لوقفة!!. فمتى كان "الحد الشرعي"، وهو – في تعريفه الاصطلاحي - عقوبة إلهية مقدَّرة لا راد لها، يصبح محل خلاف على هذا المستوى الجذري العميق؟ وبعبارة أخرى، متى أُثِير الخلاف في الفقه الإسلامي حول حد السرقة، أو الحرابة، أو غيرها من الحدود بصورة تتعلق بوجود هذا الحد أصلاً؟
والإجابة هنا بالنفي قطعًا. فكل الخلاف الذي ثار في مواجهة هذه الحدود يتعلق بإدارة الظروف والملابسات المحيطة بها، ولا يتعلق بوجودها. وهذا الحال يجعل السؤال عن وجود هذا الحد مما يقدح في كونه حدًا، وهو الرأي الذي ذهب إليه وطوره فقهاء معاصرون عديدون أبرزهم الدكتور محمد سليم العوا الذي رأى أن الردة جريمة نعم، لكنها تقتضي عقوبة تعزيرية لا حدية.

غير أن مثل هذه القضية لا يمكن الوقوف فيه عند رأي عالم واحد، مهما عظم وزنه وعلت درجته في مراتب العلم، ولابد من نقاش مفتوح ومعمق بين المثقفين والعلماء من كل الاتجاهات لتمحيص هذه القضية.

وإذا كان المنافحون عن أن الردة ليست حدًا من الحدود قد ناقشوا كل الأدلة التي استند إليها القائلون بأن الردة حد باستثناء دليل الإجماع، فإن فريق العلماء الرافض اعتبار الردة من جرائم الحدود قد قدَّم شواهد تنقض القول القائل بحدوث إجماع على أن الردة حد من الحدود الشرعية. فهذا الخليفة المسلم عمر الفاروق يرى في الردة السجن، ويتبعه كثير من التابعين في هذا. وهناك فريق من الفقهاء ذهب إلى أن الاستتابة من جريمة الردة تكون أبدًا، أي أن المرتد لا يُقتل، بل يُستَتَاب طيلة حياته في رأي البعض. والاستتابة أبدًا – كمبدأ – تدفعنا للتساؤل عما إذا كان هذا المبدأ (مبدأ الاستتابة أبدًا) يرفض - في جوهره - اعتبار الردة حدًا. ثم، من الذي يقرر مثل هذا المقصد في هذا الرأي الفقهي؟


اتجاهات النظر التقليدية لقضية الردة

وحتى يمكننا تحديد محل إضافتنا للمنظور الفقهي التقليدي الذي تناول مسألة حد الردة، وجب علينا أن ننظر في المحل الذي تقف عنده سجالات الفقه بخصوص قضية الردة. ويمكن في إطار الحديث عن التيارات التقليدية التي تناولت مفهوم الردة التمييز هنا بين أربع اتجاهات:

الاتجاه الأول يرى أن الردة نوعان، لكن يشمل هذا الاتجاه تيارين فرعيين: أولهما يرى أن الردة تنقسم إلى ردة مخففة، وهي التي لا تقترن بدعوة المرتد للردة أو للحال الذي صار إليه، وردة مغلظة وهي التي تقترن بدعوة المرتد للمذهب أو الحال الذي ارتد إليه، ويذهب إلى هذا الرأي فضيلة الدكتور يوسف القرضاوي، وهو يرى أن الردة المغلظة تستوجب الحد، ويرى فيه القتل كرأي الجمهور. الاتجاه الفرعي الثاني يرى الردة ردتين أيضا، أولاهما "الخروج من الإسلام" وهو صنف من الردة يمثل حالة فردية يقوم فيها المرتد بالخروج من الدين من دون إضمار الأذى للدين أو للجماعة المسلمة، وثانيتهما "الخروج على الإسلام" وهو صنف من الردة يقوم فيه الخارج على الدين بالكيد للجماعة المسلمة ودينها. ويذهب لهذا الرأي الدكتور كمال المصري مسؤول الاستشارات الدعوية السابق بشبكة إسلام أونلاين، ومع هذا التحديد فإن د. كمال المصري لا يرى أن الردة حدا، بل يراها تعزيرا موكولا لولي الأمر.

الاتجاه الثاني يمثله د. محمد سليم العوا. ولم يهتم د. العوا بتقسيم الردة لتصنيفات فرعية، واكتفى بالقول بأنها تقع ضمن جرائم التعزير لا الحدود، مستندا في تقريره لذلك الحال إلى رفض القول بنسخ آية "لا إكراه في الدين"، ومناقشة أدلة القائلين بأن الردة حد، ولا يتسع المقام هنا لسرد حججه ومناقشاته لحجج الرأي القائل بأن الردة حد من الحدود، ويكفينا إثبات ما انتهى إليه.

الاتجاه الثالث يرى أن الردة هي الرجوع عن الإسلام إما باعتقاد أو قول أو فعل، وأن هذا التركيب في التعريف يقابل تعريف الإيمان بأنه: اعتقاد بالجنان وقول باللسان وعمل بالجوارح. ويرى أنه إذا تقرر مفهوم الردة، فإن من تلبّس بشيء من تلك النواقض يكون مرتداً عن دين الإسلام، فيقتل بسيف الشرع؛ فالمبيح لدمه هو الكفر بعد الإيمان. ولا يميز هذا الرأي بين مستويات للردة، فهو يتعامل معها ككل واحد، معتبرا أن مقصد الردة كحد من الحدود هو تشريع قصد منه الشارع حفظ أحد المقاصد الكلية للشريعة ألا وهو الدين، ويمثل هذا الرأي الدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف، الأستاذ المساعد في قسم العقيدة بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.

الاتجاه الرابع يمثله الأستاذ جمال البنا، ويرى أن الأصل في الإسلام حرية الاعتقاد، وأن القرآن الكريم ذكر الردة ذكرًا صريحًا في أكثر من موضع ولم يرتب عليها عقوبة دنيوية؛ ولو أراد لذكر. كما يرى أن القرآن الكريم أوضح - بما لا يدع مجال للشك، وفي مئات الآيات، وبالنسبة لكل أبعاد قضية الإيمان - أن المعول والأساس هو القلب والإرادة، وصرح بأنه ليس للأنبياء من دخل في هذا بضغط أو قسر، وأنه لا إكراه في الدين، وأن من شاء فله أن يؤمن ومن شاء فله أن يكفر. كما أشار إلى أنه لم يرِد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قتل مرتدًا لمجرد ارتداده، على كثرة المنافقين الذين كفروا بعد إيمانهم، بل كان القتل لسبب العدوان بعد الردة، وكأن أ. جمال البنا يريد أن يقول إن العقوبة هي لاجتماع الجريمتين.


مشروعات الحوار والتعايش والحاجة لتحديد الموقف من قضية الردة

قضية الردة تعد من أخطر القضايا المطروحة على جدول أعمال الحالة الحوارية التي يريد القائمون على مستقبليات أوطاننا العربية تكريس الوعي بها وتعميقه، سواء داخل الأقطار العربية والإسلامية أو خارجها، سواء أكان طرف الحوار الغرب أو الشرق في حالة حوار الحضارات أو الثقافات، أو مع العلمانيين في حالة الحوار الإسلامي - العلماني في المجتمعات العربية والإسلامية، ناهيك عن أنها تعد قضية حاضرة بمستوى ما في حالة حوارات الأديان؛ وعلى رأسها الحوار الإسلامي ـ المسيحي، باعتبارها دالة على تحصين العقيدة الإسلامية من الاختراق، ووثوق أهلها في صدقية الرسالة المحمدية، وعدالة تعاليمها؛ بما ينأى بها عمليًا عن احتياج ضرب الحواجز أمام معتنقي الإسلام إن كانوا من المتشككين في سموه ورقيه، أو هكذا يثير الجانب المسيحي هذه القضية في وجه علماء الدين الإسلامي، وفي مواجهة سائر حَمَلَة هذا المشروع: الإسلاميين على تعدد مشروعاتهم واجتهاداتهم.

وهناك عدة تحديات تواجه تلك الحالة الحوارية. فهناك تحديات مثل الصورة الذهنية النمطية السلبية التي يتم ترويجها في الغرب عن الإسلام والبلدان والمجتمعات العربية والإسلامية. وهناك اعتبارات تأمين وجود العرب والمسلمين في الغرب؛ سواء لاعتبار تقدير مصلحتهم الحياتية وحسب أو لاعتبار أنهم - أو جُلِّهم – مشروع جماعة ضغط فاعلة وقوية يمكنها خلق مناخ فكري وسياسي وثقافي إنساني يساند الحقوق المسلوبة على مستوى العالم، وعلى رأسها الحقوق العربية والإسلامية.

وهناك اعتبارات إنقاذ الدين الإسلامي نفسه من النظرة إليه باعتباره يتخوف من أن يهجره أتباعه فيفرض عليهم عقوبة قاسية، تلك العقوبة التي يتم تفسيرها في الغرب في إطار هيمنة رجال الدين – كطبقة - على مسار الديانة، خاصة أنها - كما بينَّا – محل اختلاف واسع النطاق؛ ينتظر الحسم، أو على الأقل ينتظر أن يحل على رأس قائمة القضايا ذات الأولوية في التناول والبحث. علاوة على اعتبار الموقف الدولي المتربص بالبلدان العربية والإسلامية، ومحاولات القوة العالمية الكبرى التدخل في شؤون هذه البلدان – العربية والإسلامية - تحت ستار حجج شتى، منذ وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر الأليمة.

وأما على صعيد الحوار الإسلامي - العلماني في الدول الإسلامية والعربية، فهناك حاجة لترتيب وقفة مهمة مع القضايا التي تمثل عائقًا مشتركًا أمام بناء الثقة بين التيارات الوطنية المهتمة فعلا بشؤون أوطاننا العربية المنسحقة تحت ضغوط حكومات بعضها مستبد وحسب وبعضها عميل/وكيل غربي. فقضية كقضية الردة تصير عقبة أمام تواصل الحوار للوصول إلى توافق عام Consensus حول المصالح القطرية والقومية لدولنا العربية. فنفي القوى الوطنية في مجتمعاتنا: الإسلاميين والعلمانيين لبعضهم البعض فتح الباب أمام بعض الأنظمة العربية لتتغول على المجتمع السياسي بصفة عامة، وتسيطر على المجتمع بأسره، كما فتحت الباب أمام الخارج ليستغل انشغال الطرفين بصراعهما ليتلاعب بالدولة التي لم يكن المجتمع السياسي قادرًا على توفير دعم لوجيستي لها في مواجهة اختراق الخارج.

ومن أولى خطوات بناء الثقة هذه مراجعة القضايا الخلافية التي تمثل معايير النظر إلى الآخر، والحكم عليه، وخاصة إذا كانت هذه القضايا المعيارية محل خلاف، ومنها قضية الردة لدى الجانب الإسلامي.


ثورة الاتصالات وأثرها على قضية الردة

الأمر الثاني الذي يدفعنا دفعا لإعادة التفكير في سبب طرح هذه القضية يكمن في انهيار المنطق الكامن خلف التشدد إزاء قضية الردة، ومواجهة المرتدين.

ويرى الدكتور العوا ـ كملاحظة ـ أنه على الرغم من نزوع الفقهاء الدائم إلى درء الحدود بالشبهات، نتيجة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا، فإنهم تشددوا أيما تشدد حيال قضية الردة، ذلك التشدد الذي يرى فيه الدكتور يوسف القرضاوي نتيجة مباشرة لعمق التهديد الذي تمثله عملية الردة لقوام المجتمع المسلم والمتمثل في الإيمان، وبخاصة بالنسبة لبسطاء الناس، وغير المثقفين عمومًا.

القضية كانت بالنسبة لفقهاء الإسلام تنبني على منظور حماية المجتمع، وتأمينه من مصادر الفتنة. غير أن تلك النظرة التي تنتمي لعصر ما قبل ثورة الاتصالات تقوم على ثلاثة أسس تم تجاوزها، ويمكن أن نعرض لهذه الأسس الثلاث كالتالي:

الأساس الأول: القدرة على شخصنة ظاهرة الردة: أي اتهام أشخاص محددين بالردة؛ وهو ما يعني إمكان الانتباه لهم، والاحتراز منهم ومن مقولاتهم في مواطن تدافع الأفكار والحجج.

الأساس الثاني: استثمار قدرة الدولة على ضبط حدود إقليمها الجغرافي وبسط السيطرة الكاملة فوقه. ومنع تداول المواد الخارجة على الدين فوق هذا الإقليم.

الأساس الثالث: العلاقة بين الدين الإسلامي ونظام الحكم في الدولة الإسلامية، حيث تفترض المنظومة الفقهية التي تتضمن حد الردة أن الدولة التي تطبق هذا الحد دولة إسلامية، وأن نظام الحكم فيها إسلاميا يشايع الفكرة الإسلامية.

غير أن هذه الأسس تم تجاوزها كلية في عصر ثورة الاتصالات، بحيث لا يمكن القول بأن إشهار سلاح الردة بمقتضاهما لا يزال ماضيًا، وقادرا على منع وصول أفكار الموصوفين كمرتدين إلى غير المتخصصين وغير المثقفين. وبيان هذا التغير والتجاوز يكون عبر استكشاف دلالة كل أساس منهما على حِده، على النحو التالي:

أ - شخصـنة ظـاهرة الردة: فأما على صعيد تشخيص الظاهرة، الذي كان يستهدف إعلان وتشويه أسماء المرتدين، بما يتيح للعامة بعد الخاصة الاحتراز منهم، والتحوط عند التعامل معهم.. على هذا الصعيد، وفي إطار اعتبارنا للمتغيرات التي دشنتها الثورة الاتصالية، لم يعد التشخيص ذا فاعلية. كيف!!؟

إن برنامجًا بسيطًا من برامج البريد الإلكتروني يمكن فيه لأي شخص أن يكوِّن عنوانًا إلكترونيًا، وأن يضيف إلى ذاكرته آلاف العناوين الإلكترونية لمرتادي الشبكة، ومراسلتهم بأسماء وهمية، وتبليغ أفكاره لهم بمنتهى الإلحاح الممكن والكثافة المتاحة، ولا يقف في طريقهم هذا سوى حظر جمهورهم المستهدف لما يرسلونه من رسائل. وهذا بدوره لا يمنعهم بصورة كلية، فبإمكان هؤلاء تغيير أسمائهم وعناوينهم الإلكترونية، ومعاودة تبليغ رسالتهم، وتوقيعها بأسماء غير معروفة، وربما تكون أسماء أو شعارات إسلامية، أو إنشاء مواقع ذات تصميم جذاب، اعتمادًا على سمة العصر المتمثلة في سيادة القيم البصرية على القيم الموضوعية.

ب - قدرة الدولة على ضبط حدود إقليمها الجغرافي: وبالإضافة إلى ما سبق، فإن شبكة الإنترنت وآلياتها تمثل وسيلة لتجاوز قدرة الدولة على ضبط حدودها من خلال القدرة العالية لاختراق البريد الإليكتروني ومواقع البوابات لإمكانات الحظر. وبالإضافة إلى عناوين البريد الإلكترونية، ومواقع شبكة العنكبوت الشاسعة، هناك المجموعات الإلكترونية ( E-Group أو E-Community ) التي يمكن بها لأي حامل فكرة أن يجمع مريديه وأنصاره ومؤيديه في هذه المجموعة، ودعوة كل أعضاء شبكات الويب الذين يمكنه حصوله على عناوينهم الإليكترونية إلى هذه المجموعات.

وفي هذا الإطار تدخل اعتبارات أخرى غير موضوعية كالتمويل، والتجميل والكتابة الجيدة المتمتعة بمواصفات تحريرية قياسية، وغيرها من الاعتبارات التي لا ترتبط بجوهر الفكرة التي يتم الترويج لها، لكنها تسهم في تعزيز طرح الفكرة غير المتحيزة بأحوطيات الشرع وحدوده.

كل هذه الاعتبارات تلغي المكاسب المستندة على شخصنة الفكر المنحرف - من منظور الفقه الإسلامي - في صورة أشخاص معينين.

لكن على، صعيد آخر، ألقت هذه الخصيصة الاتصالية الكرة في ملعب المتلقّي ومدى تحصنه، هذا التحصن الذي يجعله واعيًا بمحتوى المادة الاتصالية التي بلغته، بصرف النظر عن خصائصها الشكلية الجاذبة، وهو ما يعني تحول مركز الثقل من مكافحة الفكر المنحرف لصالح العمل على مسرح غير المتخصص، وغير المثقف، والتفاعل معه حواريا، والوصول به للفكرة محل التناول من خلال الإقناع كوسيلة وحيدة، وليس القهر عبر استخدام التخويف من القتل استنادا لتهمة الردةً، وهو الموت البدني المصحوب دوما – في مجتمعاتنا المحافظة – بالموت الأدبي.

وبعيدًا عن شبكة الإنترنت، هناك القنوات الفضائية، وهذه القنوات تصبّ في نفس الإطار، حيث يمكن لهذه القنوات المزج بين البرامج والمواد الدرامية التي تشكل مصدرا لجذب المشاهدين، والبرامج التي تروج للفكر الذي يلقى معارضة واسعة النطاق بين علماء الدين المسلمين، وهذا أيضًا يصب في صالح توعية المشاهد. ومن هنا، فإن على حملة المشروع الإسلامي نزع قناع الخوف، واختبار حضورها في ساحات المواجهة والحجة لا ساحة السجن والموت. وكلتا الوسيلتين ترتبان قضية الوعي كتحد أول، وذلك بصرف النظر عن روافد بناء هذا الوعي وتشكيله.

فالآن، ومع تغير الظروف على هذا النحو، هل يمكن للفقهاء أن يراجعوا موقفهم من قضية الردة إن كان الموقف الفقهي - حقًا – وكما يقول الأستاذ جمال البنا – صناعة فقهية؟

جـ - استثمار العلاقة مع السلطة: وعلى صعيد ثالث، نجد أن الأساس الثالث الذي قام عليه فكر/فقه/ذهنية الردة تمثل في الاحتكام للسلطة كوسيلة من وسائل تفادي وصول بعض أطياف أو مساحات الفكر للعامة المستهدَفين. إن نظرة تحليلية لعلم تكوين المعرفة الفقهية يدلنا على أن تناول قضية الردة في تاريخ الفقه الإسلامي كان يستند دوما لوجود سلطة لديها ما يدفعها لتبني هذا المفهوم: مفهوم الردة، ومستعدة لاستخدام موارد هذه السلطة في هذا الصدد، سواء أكانت ممارسة حد الردة ممارسة افتقار (بإخلاص) أو ممارسة استظهار (لتحصيل شرعية وحسب). بما يعني أن السلطة تريد تطبيق حد الردة.

وهذا الأساس: توافق الفقه الإسلامي مع توجه الدولة/توافق توجه الدولة مع الفقه الإسلامي، واجه صعوبات في الفترة الأخيرة بطبيعة الظرف التاريخي، بسبب خصائص وضع النخب العربية. فبعض النخب المتسلطة على جهاز الدولة في بعض المجتمعات العربية ذات توجه علماني رافض للتعاطي مع هذه القضية على صعيد المبدأ، وبعضها ذات توجه محافظ رافض للتغيير والاستسلام لدعاوى الإسلاميين ومنطقهم، وبعضها الآخر مراوغ لا أكثر في التعاطي مع متطلبات التغيير المجتمعية بصفة عامة، لكن ظل الأمر لا يمثل مشكلة ضخمة مع الجماهير المحافظة بسبب حرص بعض النخب الحاكمة على الظهور بمظهر من لا يخالف الشريعة.

ويمكننا في هذا الصدد الإشارة إلى أن الضغوط الدولية الرافضة لمنطق الانغلاق، أو الرافضة للحالة المقيدة للحريات المدنية للأفراد، ومن بينها، بل وعلى رأسها حريات الفكر والتعبير والاعتقاد، إضافة إلى استعداد النخب الحاكمة للتوافق مع الضغوط الدولية الماضية في هذا الاتجاه، أو استعداد هذه النخب للاستجابة لاتجاهات تنامي الوعي العلماني في مجتمعاتها العربية والتوافق معها، هذه الاعتبارات باتت تشكل تحديا قويا أمام إثارة قضية الردة في البلاد العربية، بل وجعلت طرح هذه القضية - بالنسبة للإسلاميين – ضرب من المقامرة التي تجعلها محط اتهام بعدم مراعاة المصلحة العامة للدول العربية في هذا الظرف التاريخي المتربص بها، وبخاصة في أعقاب فاجعة الحادي عشر من سبتمبر.

لكن هذا لم يكن تحد قوي يواجه أطروحة الردة في هذا التوقيت. التحدي الرئيس الذي واجه هذا الأساس – من وجهة نظر الكاتب - تمثل في تأثير ثورة الاتصال على وضع الدولة، حيث أدت إلى تآكل سيطرة الدولة القومية على حدودها. لقد أدت ثورة الاتصالات إلى تآكل قدرة الدولة في السيطرة على حدودها. فالفضائيات، والإنترنت اليوم تتجاوزان قضية إمكان سيطرة الدولة على حركة انتقال الأفكار فوق سطح إقليمها. فقديمًا كان يمكن للدولة أن تحتكر التدفقات الاتصالية والإعلامية من خلال سيطرتها على إقليمها وحدودها. أما اليوم فالهاتف والفاكس والتليكس والقنوات الفضائية والإنترنت، كل هذه الوسائل الاتصالية الحاملة للمحتويات الفكرية والوجدانية المختلفة لا تقف عند الحدود الإقليمية للدول؛ كما كان الحال بالنسبة للكتب والمجلات والصحف.

فالفرد العادي يمكنه بضغطة زر أن يتصل بأي مكان في العالم، وأن يحصل منه على أي محتوى فكري يريده. وتقلصت قدرات الدولة على السيطرة: من إمكانيات المنع إلى إمكانيات التجسس وحسب، وحتى هذه الأخيرة تتجاوزها القدرات التكنولوجية يومًا بعد يوم. ففي هذا الإطار نطرح تساؤلا هاما: هل يريد الإسلاميون منع الفعاليات الاتصالية عن المجتمعات العربية؟


المتغير الاتصالي والتأثير في قضية الردة؟

هذه التأثيرات التي تحدثنا عنها لقدرة الثورة الاتصالية على تجاوز الهيكل القديم للسيادة وقيوده تؤدي إلى مجموعة تغيرات في منظور معالجة قضية الردة.

فعلى أول الأصعدة نجد اتجاه المعطيات الجديدة نحو التركيز على موضوع الفكر نفسه، لا الشخص حامل هذا الفكر. فالشخصنة لم تعد الوسيلة المثلى لتأمين "الدين"، بسبب قدرة الفكر أو الأشكال الدرامية الحاملة لهذا الفكر على الالتفاف حول هذه الشخصنة، والتخفي خلف جُدُر التكنولوجيا. ومن هنا فإن ثورة الاتصال تحيل الأمر لسجال بين طرفين أو أكثر من الفكر.

والطريف أن التاريخ الإسلامي يعطينا أدلة وافرة على أن هذه الحالة من حالات السجال تاريخية، ولعل نموذج الشبهات المثارة حول الإسلام منذ يومه الأول تعطينا مثالاً واضحًا على حالة التركيز على الموضوع: فكثرة من الكتابات التي تتناول هذه الشبهات اليوم لا تكاد تذكر أو تدرك قائل الشبهة، لكنها تركز على هذه الشبهة.

وعلى صعيد ثان فإن ثورة الاتصالات تدفع العلماء والمثقفين إلى التركيز على توعية الجمهور العربي لا مكافحة الفكر. وهذا الطرح لا نقصره على الإسلاميين فقط، فالفكر العربي عانى كثيرا من بعض أطياف الفكر الإسلامي غير المراعية للمصالح الوطنية، بل التي تنكر المصالح الوطنية أصلا لإنكارها فكرة الدولة القومية، فبات ذلك الأساس الفكري مدخلا لانهيار فكرها المجتمعي. فمنع الفكر الضار اجتماعيا وسياسيا لم يعد بنفس الفاعلية القديمة، وأصبح الأكثر جدوى الاتجاه نحو توعية الجمهور المسلم؛ لأنه صار المستهدف والحكم في آن، فهو الذي يتوجه إليه الفكر المنحرف بالخطاب، وهو الذي يقرر التعاطي مع هذا الفكر سلبًا أو إيجابًا.

إن هذا الوضع يدفع الكثيرين للتساؤل حول مدى تأثير ذلك على التناول الفقهي المعاصر لقضية الردة.


الحاجة الأصيلة للتصحيح الذاتي

قبل هذه الاعتبارات السابقة الناجمة عن متطلبات وشروط الحالة الحوارية التي لابد منها إذا ما كانت غايتنا هي مصلحة أوطاننا، هناك اعتبار آخر بالغ الأهمية، ألا وهو الرغبة، أو الحاجة الخالصة لدى حملة المشروع الإسلامي للتصحيح الذاتي. فهناك عدة مسلمات منسوبة للإسلام؛ كانت قد استقرت في الوجدان الفقهي أو الاجتماعي، وهي ليست بنتاج للإسلام. بعض هذه المنتجات يمكن أن نطلق عليه استجابة لظروف معينة: مثل قضية الردة، إلا أن بعضها الآخر لا يمكن اعتباره إلا تعديًا على الشريعة ذاتها. وللأسف تم هذا التعدي باسم الإسلام، ومن أمثلة هذه الحالة الأخيرة الامتناع عن توريث المرأة في بعض مناطق العالم الإسلامي، وخلع إمكانية أن تحظى بأشكال الولاية على الأصعدة الخاصة بها.

إن التساؤل الذي يجري اليوم حول ما إذا كانت الردة حدًا أم لا هو تساؤل يمثل هاجسًا حقيقيًا لأمن الفرد المسلم على نفسه، إذ إن سيطرة أوضاع طبقية أو نخبوية معينة على مقدرات أية دولة إسلامية يجعل هذا الحد ـ غير المُسلَّم به ـ أداة للقهر السياسي وتصفية الحسابات. كما أن ترقية التفاعل الحضاري الإسلامي مع الآخر مرهون بقضية تعد خلافية بين المسلمين، لكنها حاسمة في دعم مقبولة الحضارة الإسلامية في المعمار الحضاري الكوني، وإن لم يكن مقبوليتها فعلى الأقل الاطمئنان إليها.

2005-08-23

المقاطعة الاقتصادية.. القوة الاجتماعية والسياسية لعقيدة الولاء والبراء


حيوية الأمة متعطلة مع أن موارد هذه الحيوية متاحة. وأهم مواردها موردان اثنان هما: عقيدتها وتماسكها. أما عقيدتها فهي التي عزَّت بها، وتحولت على إثرها أمة العرب من أمة مقهورة من جانب القوى الدولية آنذاك (الفرس والروم) إلى أمة تمكنت من إخضاع العالم لكلمة العدل المطلق، وللمفهوم الإنساني الواسع لكلمة حقوق الخلق، والتي لا تربط حقوق الخلق بنسبية تفوق دولة معينة، أو قطب معين، أو عصبية معينة، بل تربط حقوق الخلق بتوحيد الخالق رب كل الخلق بلا استثناء مبني على الأعراق أو اللغة أو غيرها.

لقد حررت العقيدة الخلق جميعًا من المفهوم اليهودي للحق، والذي يقصر الحقوق على اليهود فقط، ويعتبر بقية الأمم والحيوانات سواء، حيث قالوا كما نقل القرآن عنهم: "ليس علينا في الأميين سبيل" (آل عمران: 75)، كما ورد في التوراة التي بين أيديهم الآن. لكن التزام عقيدة الإسلام رتب للمسلم المزيد من الواجبات في أعناق إخوانه المسلمين.

أما المورد الثاني من موارد حيوية الأمة وقوتها هو تماسك الأمة. والرابط بين الموردين من موارد حيوية الأمة حاضر. فهذا التماسك نابع من تلك الواجبات التي رتبها الدين على المسلمين لصالح إخوانهم المسلمين. تلك الواجبات التي تجد مصدرها في عقيدة الولاء والبراء التي تعد ضمن العقائد التي يقاس بها إيمان المؤمن من حيث تمامه أو وجوده أساسًا.


الولاء: من العقيدة إلى الواجب العملي

ومعنى الولاء هو حُب الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين ونصرتهم. ويرتبط بالولاء مفهوم آخر بمنطق المخالفة، ألا وهو مفهوم البراء الذي يعني بُغض من عادى الله ورسوله والصحابة والمؤمنين الموحدين وأساء إليهم. فكل مؤمن موحد ملتزم للأوامر والنواهي الشرعية تجب محبته وموالاته ونصرته. وكل من عادى الله ورسوله والمسلمين وجب التقرب إلى الله تعالى ببغضه واتخاذ موقف منه ومن فعله بحق الله ورسوله والمؤمنين حتى يكف أو يهديه الله، قال تعالى: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض" (التوبة: 71). وبهذا نجد أن الولاية ثابتة إيجابًا بنص الأصل الأول: القرآن الكريم.

وقد نفت السنة وقبلها القرآن تمام الإيمان عمن لم يوال الله ورسوله والمؤمنون. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (رواه الشيخان والترمذي والنسائي) وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا.." (رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة).

وأما عن النصرة فقد قال الله تعالى: "وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها، واجعل لنا من لدنك وليًا ، واجعل لنا من لدنك نصيرًا" (النساء: 75). وقد ركز النبي صلى الله عليه وسلم على ذات القضية بقوله: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" (رواه الشيخان والترمذي وأحمد)، وكان المعنى بنصره ظالمًا رده عن الظلم.

وإذا كان الله تعالى قد أوجب نصرة المسلم لأخيه المسلم ولو باستخدام آلية القتال، لقوله تعالى: "وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرًا" (النساء: 75). ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بالنصرة هذه، فلماذا نجد المسلم لا يتألم لما تفعله دولة الاحتلال الصهيوني، وحليفها الأساسي الولايات المتحدة بإخواننا في فلسطين، الذين لا ذنب لهم إلا أن السياسة الاستعمارية في مطلع القرن العشرين قد وضعت أرضهم على خارطة المصالح الاستعمارية؟ ومالهم لا يتألمون لما حدث من تبول بعض رعاع الخلق على القرآن.. إلخ، وما أكثرها من أحداث تتابعها آذاننا وأعيننا اليوم.

وقد يرى البعض أن معاقبة الأمة الإسلامية للمخطئين في حقها، متعذر لوقوف بعض الحكومات على مستوى العالم الإسلامي عقبة كأداء في وجه إعلان فتح باب الجهاد. وقد يقول قائل: وكيف لنا بمقاتلة الولايات المتحدة أو فرنسا مقابل إساءاتهما؟ ولكن هذا ليس بعذر. فما من أحد ربط العقوبات بالقتال فقط. فسبل الجهاد كثيرة لا تحصى، وسبل النصرة متعددة متوفرة لمن أراد. هل تريد أن تعرف كيف؟


مراتب الجهاد.. الأصغر والأكبر والمستطاع

دأب علماؤنا على توضيح معنى الجهاد عبر القرون، مميزين فيه بين الجهاد الأصغر، والجهاد الأكبر، مستندين في ذلك لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" (الحديث في الإحياء مروي بسند ضعيف عن جابر، ورواه الخطيب في تاريخه عن جابر).

فالجهاد الأصغر هو بذل النفس أو المال أو كليهما لجعل كلمة الله هي العليا. الجهاد هو بذل النفس أو المال في ميدان الشرف، حيث يسترخص المسلم روحه لإعلاء كلمة الله، ولنصرة لإنسان المستضعف سواء أكان مسلمًا – استنادًا لحقوق الخلق ولحقوق كمسلم أيضاً، أو كان غير مسلم لحقوقه كمخلوق إنساني وجب على أمة الإسلام إخراجه من العبودية للعباد والمصالح والشرائع التي تنتهك إنسانيته التي كرمها الله إلى رحاب شرعة الله التي كفلت له حقوقه، ولو كان غير مسلم. فما كانت الدعوة لدين الله، والفتوحات الإسلامية، إلا سعيًا لتحقيق إنسانية الإنسان في مواجهة طاغوت بشري أنكر هذه الحقوق التي تمتع بها الإنسان لمجرد أن الله تعالى خلقه إنسانًا، مع صيانة حقه في اختيار دينه، وعدم إكراهه. هذا هو الجهاد الأصغر.

أما الجهاد الأكبر الذي عناه رسولنا صلى الله عليه وسلم فانصرف إلى تحصين المسلم نفسه، تحصينه من الداخل، تحصينه من أسباب الوهن الأربعة: النفس والهوى والشيطان والدنيا. وكلها أدواء متداخلة لا يكاد يفصلها عن بعضها فاصل. أما عن الدنيا: فقد أمر الله المسلم بإعمارها وامتلاكها لكن البعض قد تمتلكه الدنيا فيركن لها، وينسى أن له رسالة في ترشيدها وتقويمها وإعمارها، وإذا امتلكته الدنيا سعى لها على حساب آخرته، بدلا من أن يبتغي بإصلاحها الفوز بآخرته. والشيطان: يزين حب الدنيا لذاتها، كما يزين للإنسان الجور على حقوق الآخرين في هذه الدنيا عبر الإفساد والتباغض. والنفس: هي ميل الإنسان لإشباع غرائزه دون أن يدرك أن هذه الغرائز وسيلة لاستمرار الحياة، فتتحول النفس بفعل أثر الدنيا إلى تأليه الغرائز واتخاذها غاية. وأما الهوى: فيجمع ذلك كله حين يرد صوت العقل والضمير عن الصواب لصالح ميل إلى امتلاك الدنيا وإعلاء الغرائز وتأليها. فالدنيا تصير نقيض الآخرة إذا امتلكت الإنسان، والشيطان يصير عدو إنسانية الإنسان إذا تسلط عليه، والهوى يصير عدو العقل إذا ما لم يقيد الإنسان نفسه بالشريعة، والنفس تصير عدوة حكمة الشرع إذا ما صارت غرائزها هي الغاية وكل هذه الأدواء وقف الجهاد الأكبر لمداواتها، وتحصين المسلم منها.

إن خضوع أفراد الأمة وشعوبها لعوامل الوهن هذه يجعلهم موضوعًا لتداعي الأمم، على نحو ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قِلّةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل، ولينزعنَّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول اللّه، وما الوهن؟ قال: "حبُّ الدنيا وكراهية الموت" (رواه أبو داود). وهدف هذا التداعي الذي حذر منه نبينا صلى الله عليه وسلم هو إقصاء الأمة عن دورها الرسالي في تحرير العالم من العبودية للمادة وللمستكبرين الطواغيت. ووقوع أفراد الأمة في براثن هذا الوهن هو مفتاح عدم اكتراثهم بتداعي الأمم على أمة الإسلام، بل ربما يكون سببًا في موالاة المسلم لغير المسلمين في تداعيهم على أمة الإسلام.

أما الجهاد المستطاع فهو شرعة التيسير إذا ما تعذر الجهاد الأصغر. لقد قال الله تعالى: "فاتقوا الله ما استطعتم" (التغابن: 16). وقد فسر لنا النبي الكريم تلك الآية فيما رواه الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك أهل الكتاب قبلكم، أو من كان قبلكم، بكثرة اختلافهم على أنبيائهم وكثرة سؤالهم، فانظروا ما أمرتكم به فاتبعوه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فدعوه أو ذروه". وعندما ننظر لقول الله: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض" (التوبة: 71)، وجمع الأحاديث النبوية معًا يجعلنا لا نقف مكتوفي الأيدي عند حدود قصور المقدرة العسكرية العربية والإسلامية عن مواجهة البغي الصهيوني، أو مقاومة بعض مظاهر العداء الغربي غير المبرر للإسلام ورموزه والمنتسبين إليه، بل يدفعنا لنفتش عن المقدور والمستطاع. والمستطاع كثير، وعلى رأسه الدعاء كما أن من أولوياته المقاطعة الاقتصادية.


مستويات قرار الجهاد

الحياة - كل الحياة - لا تسير إلا عبر اتخاذ مجموعة من القرارات فالحكومات لكي تضع سياساتها موضع التنفيذ لابد لها من ترجمة هذه السياسات في صورة قرارات. والشركات لكي تحقق مستهدفاتها لابد لمجلس إدارتها من إصدار قرارات تحمل هذه الأهداف لحيز التنفيذ. وكذا المنظمات الأهلية والأفراد. فحياة الأمم والشعوب والأفراد لا تسير إلا وفق قرارات تصاعدية. فالفرد يتخذ قراراته في كل لحظة من لحظات حياته لتحقيق طموحاته ولتسيير حياته. وعندما تتطابق قرارات مجموعة من الأفراد فإنهم يشكلون جماعة منظمة أو تجمع غير منظم، وقرارات أمة من الأمم هي تقاطعات قرارات جميع أفراد هذه الأمة ومن بين هذه القرارات قرار الجهاد.

إن قرار الجهاد الأصغر لا يمكن أن تتخذه سوى سلطات كبرى، لها القدرة على تعبئة موارد الخاضعين لها، سواء أكانت موارد بشرية، أو موارد مالية. لكن بصرف النظر عن استطاعة هذه الحكومات اتخاذ هذا القرار من عدمه، يظل التكليف الإلهي بالجهاد قائمًا، لا يقدح في مخاطبة الأمة به أن القرار السيادي تعيقه معوقات كثيرة، منها ما هو معتبر، ومنها ما هو غير معتبر. وعدم الامتثال لأمر شرعي واجب معناه وقوع الأمة بأسرها في الإثم، ما لم تقم مجموعة من الأمة بتنفيذه.

والأمر الواجب شرعًا الذي نتحدث عنه يمكن التعرف إليه من خلال الإشارة إلى آيتين قرآنيتين، جعل فيهما الله تعالى سببًا ونتيجة. هاتان الآيتان هما:

أ – أما السبب فيتمثل في قوله تعالى: "إن هذه أمتكم أمة واحدة.." (الأنبياء: 92).

ب – وأما النتيجة فتتمثل في تكليفه تعالى: "وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر.." (الأنفال: 72).

فالجهاد الأصغر تحاول جل الحكومات منعه لضغوط واقعة عليها. والبقية الباقية من الحكومات التي توافق عليه، ولا تحظره لا تجد عونًا عليه. فهل يحق للأفراد القيام بذلك؟ والإجابة أن الجهاد باستخدام آلية القتال تجرمه الحكومات على أفرادها، وتضع له عقوبات شديدة في غالب الأحيان. ومن لم يجد مشقة وعنتًا من حكوماته أمكنه الخروج كحال بعض المسلمين الغربيين الذين رأوا في الانضمام لحركة طالبان صورة من صور الجهاد. لكن الخطر والمنع والتجريم في الدول العربية والإسلامية يطال خيارات الجهاد المسلح. لكن هناك أمور لا تخضع لقوانين التجريم ومراسيمه. وهذا ينقلنا تباعًا للجهاد المستطاع كأحد مراتب الجهاد التي يمكن وصفها بأنها "جهاد الساعة" وهي القرار الفردي.


القرار الجهادي الفردي

الجهاد المستطاع جهاد لا يخضع لرقابة أي من الحكومات. فهذا الجهاد يتم في إطار قرارات المسلم العادي اليومية، ونعني بها قراراته الاستهلاكية. فمثل هذه القرارات غير خاضعة لقوانين الحكومات، فلا توجد حكومة تملي على مواطنيها ما يأكلون، وما يشربون، وما يلبسون. فهي كلها قرارات فردية. ومن ثم يكون مستوى الجهاد عبر القرارات الفردية الاستهلاكية متاحًا للجميع، يأثم من لم يراع فيه عقيدة الولاء، إنها أمر يمس جوهر الاعتقاد.

فها هنا لم يعد الأمر مجرد حكم فقهي، بل صار الأمر ميزانًا لعقيدة المسلم. هل حقًا يحب المسلم ربه ورسوله؟ وهل حقًا يوالي من يواليه الله ورسوله، ويعادي من يعاديه الله ورسوله؟ ألا يعلم المسلم أن الله لا يرضى بانتهاك حرمة المسلم وحرمة الإنسان عمومًا على نحو ما تفعله الولايات المتحدة من إرهاب وقتل في فلسطين والعراق وأفغانستان، ومن قبلهم فيتنام وبنما والصومال؟ لقد قرن الله ولايته، أي: حبه ونصرته بنصرة رسوله وبنصرة المؤمنين على أقل تقدير، وبنصرة المستضعفين على أكثر تقدير. فقد قال تعالى في نصرة المؤمنين: "ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون" (المائدة: 56)، وقال تعالى: "الله ولي الذين آمنوا .." (البقرة: 257)، وقال تعالى: "ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا.." (محمد: 11). كما قال في نصرة المستضعفين: "وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرًا" (النساء: 75). أفبعد هذا يصير لدى المسلم المؤمن شك في أن الولاء لله يعني موالاة المؤمنين والذود عن المستضعفين؟


نواقض عقيدة الولاء

في بيان ما ينقض عقيدة الولاء ويهدمها؛ نجد أن أكبر هذه النواقض أن يستحل المسلم دم المسلم أو عرضه أو ماله فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: "إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا" (متفق عليه).

كما أمر الله كذلك بعدم موالاة المسلم لغير المسلم الذي يعادي الإسلام وأمته. فالله تبارك وتعالى قال: "لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين" (آل عمران: 28)، وقال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء" (الممتحنة: 1). وهذا نص قاطع بتحريم موالاة أعداء المسلمين. وأما نص سورة آل عمران: "لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء" (آل عمران: 28) فقد أكمله الله تعالى بقوله: "إلا أن تتقوا منهم تقاة"، فهذا هو الاستثناء الوحيد الذي يمكن معه للمؤمن أن يداري غير المسلم. وهنا لا نجد أن الاستثناء الوحيد من هذا الحكم يمس القرارات الاستهلاكية. فقوله تعالى: "إلا أن تتقوا منهم تقاة". يعني فقط اتقاء شر أعداء المسلمين وعموم الكفار ومداراتهم، وردهم عن النفس والأمة في حال الضعف، وهذا الحكم الشرعي لا يشمل - قطعًا - القرارات الاستهلاكية. فأي مداراة في استهلاك سلع أعداء المسلمين التي تباع في أسواقنا بعيدًا عن بلاد هؤلاء الأعداء بآلاف الأميال، وبلا أي ضغط لشرائها؟


عقيدة البراء الوجه الثاني للعملة

الأصل في عقيدة البراء قوله تعالى: "لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم" (المجادلة: 22)، وقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة .." (الممتحنة: 1). وقد نزلت هذه الآية الأخيرة في الصحابي الجليل حاطب ابن أبي بلتعة الذي كان قد حاول تنبيه كفار قريش إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم ينتوي حربهم، فنبه الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم لهذا السلوك؛ فتدارك الأمر، ونزل الأمر الإلهي موجهًا ذلك الصحابي الذي شهد غزوة بدر إلى السلوك القويم، ألا وهو وجوب البراءة من المشركين.

وقد أنزل الله تبارك وتعالى سورة كاملة هي سورة التوبة وافتتحها بغير بسملة ، حيث قال تعالى: "براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين" (التوبة: 1)، وقال تعالى: "وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله برئ من المشركين ورسوله" (التوبة: 3). ولفظ "رسوله" في هذه الآية معطوف على لفظ الجلالة، فالله ورسوله برءاء – معًا - من المشركين. ثم يوضح الله تعالى سبب البراءة، وسبب تحذير المؤمنين من هؤلاء القوم، فيقول عنهم في الآية الثامنة من نفس السورة : "كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة..". ويقول في الآية العاشرة من نفس السورة: "لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون". فهم معتدون على أمة الإسلام، لا يرقبون في أهلها أي عهد أو وثيقة حقوق، ولا يعترفون لهم بحق الوجود.

ولذا نجد الله تعالى يقول في الآية الرابعة عشرة من نفس السورة: "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، ويخزهم، وينصركم عليهم، ويشف صدور قوم مؤمنين". فهذه الصدور المؤمنة التي ثكلت أبناءها أو آباءها أو إخوانها تريد أن تتشفى ممن نقض كل عهد، ومزق كل وثيقة حق. وما لم يكن التشفي منهم في ساحة الجهاد الأصغر ممكنًا فإن الله تعالى جعل مراتب الجهاد المستطاع متاحة لكل مؤمن، لتبرز المقاطعة الاقتصادية كأكثر الوسائل فعالية في مجال تعذيب أعداء الله وأعداء المسلمين بزيادة حسرتهم على أموالهم التي خسروها بمناصبة المسلمين العداء. وهذا المعنى لفت الله إليه أفئدة أولي الألباب من المؤمنين.

ففي نفس السورة عرض المولى جل وعلا لذات المعنى، وكأنه ينبه إلى المقاطعة الاقتصادية، حيث يقول تعالى: "قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره ، والله لا يهدي القوم الفاسقين" (التوبة: 24). فالله جل وعلا هنا ذكر الأموال التي اقترفها المسلمون، والتجارة التي يخشون كسادها، وقارنها جل شأنه في حب المسلم لها بحبه لله ورسوله. تلكما كفتا الميزان اللتان أوضحهما الله للمؤمن، وانتظر أيهما يرجح لديه: هل يرجح لديه حب الله وحب رسوله ؟ أم يرجح حب التجارة وحب المال ؟ هذا بالنسبة للتاجر.

أما بالنسبة للمستهلك فالأمر أخطر. فإحدى كفتي الميزان بها حب الله وحب رسوله، والكفة الأخرى بها رغبة في استهلاك سلعة ينتجها عدو لله ولرسوله وللمؤمنين. وهنا ينتظر الله تعالى، كما ينتظر رسوله أن يجتاز المسلم مثل هذا الابتلاء الميسور، فيعلو حب الله ورسوله حب سلعة ينتجها عدو الله وعدو رسوله وعدد المسلمين. والله تبارك وتعالى لم يدعنا نجتز هذا الامتحان الميسور وحدنا، بل دعمنا بمجموعة وفيرة من السلع البديلة تعيننا على اجتياز هذا الامتحان.

والحق أني أرى الدعوة لإستراتيجية شاملة للمقاطعة تتولى حصر المنتجات التي تستوردها أمتنا، ووضع قوائم بالبضائع العربية والإسلامية والجنوبية البديلة. حتى يرعوي المسيئون عن إساءاتهم ويرجع البغاة عن بغيهم.

2005-07-20

لكي نبني التوافق بأوطاننا.. الوزن الأمثل للعقيدة في الخطاب الإسلامي


عندما أتأمل مساحة العقيدة ضمن الشريعة الإسلامية أستشعر أن الله تعالى قد من علينا بها لتتحقق بها عدة أهداف سامية؛ لا أظن أن من بينها أن نصنف الناس ونحاكمهم استنادا لتمايزهم العقائدي. بل شرعها سبحانه ليكون المسلم على وعي دائم بأنه إلى مآل عظيم، سيلقى فيه ربه بعد البعث، ليحاسبه على ما قدم، وهو ما يضمن التزام المسلم بالشريعة التي جعل الله تعالى فيها حفظ نفسه وعقله ودينه وماله وعرضه. وعليه، لا ينبغي أن يختل الوزن النسبي لمكونات الخطاب الإسلامي، بحيث يتسع مساحة تأويل العقيدة لتدخل كحكم وطرف محوري في إدارة التفاعل داخل المنظومات الاجتماعية المختلفة.


نحو إطار لتحديد وزن العقيدة في خطابنا الإسلامي

هذه العبارة أجدها حقيقية ومهمة، برغم أن شريحة من الذهن المسلم تفترض العكس. ولعل أهميتها تنبع من أن شريحة محدودة من الحركة الإسلامية المتأثرة بواقع انحطاط الأمة في مواجهة قوى كبرى لا تقيم للحق وزنه المرجو في مواجهة القوة، مما دفع هذه الشريحة من الحركة الإسلامية لاتخاذ موقف دفاعي عقائدي قاس، أدى لاختلال موازين إدارة عموم الجسد الإسلامي (الأمة – الدولة – الحركات النهضوية والإحيائية الإسلامية) لعلاقتها بالآخر المتمايز عقائديا.

إن بعض الحركات الإسلامية، وشريحة ليست هينة من الملتزمين، يفترضون أن كون الفرد مسلما ملتزما معناه أن يجعل عقيدته هي الحكم في إدارة كل علاقاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية. وهو ما ترتب عليه حالة من الخطاب الصدامي، المتجاوز للوسطية، والجائر عليها، بل إن بعضهم استمرأ أن يمد نطاق التقييم العقدي ليحاكم به المسلمين أنفسهم، متهما إياهم بالكفر، برغم أن الفقه الضابط لهذه المسألة يعلو على هذا المنطق ويرفضه. وقد يكون بناء الخطاب على العقيدة سليما بالنسبة لتأسيس العلاقات الثقافية وتفاعلاتها، حيث تعتبر العقيدة مكونا هاما من مكونات الثقافة.

أما فيما يتعلق بالأبعاد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في حياتنا، وفيما يتعلق بكيفية تناول الخطاب الإسلامي لها، فإن الحالة المثالية للوزن النسبي للعقيدة بصددها أن يكون هذا الوزن في محله ليؤدي وظيفته التي أسلفنا الإشارة إليها بحيث يضبط علاقة المسلم في الالتزامات الربانية الملقاة على عاتقه لإدارة أبعاد الحياة جميعها، لكنها لا تكون محور إدارة هذه الأبعاد الحياتية. وحتى على الصعيد الثقافي، الذي يمكن في إطاره الاستعانة بالعقيدة وبنائه عليها، فإن مهمة العقيدة ليست في تحولها في ذاتها لمنظومة فقهية شاملة تكفر المخالف وتفيد مناصبته العداء بقدر ما تهدف إلى وضع ضوابط للحالة الثقافية تحول دون اهتزاز عقيدة المسلم.

لكن هذه المسألة على قدر كبير من التعقيد والتركيب. وحيال هذا الأمر تثور عدة أسئلة هامة ينبغي إخضاعها للفحص والدراسة، ومن هذه الأسئلة: هل حضور العقيدة صواب أم خطأ في الخطاب الإسلامي؟ وهل الخلاف حول حضور العقيدة في الخطاب الإسلامي من عدمه أم حول وزنها النسبي في فعاليات الخطاب الإسلامي؟ وهل يعود فشل الخطاب الإسلامي في التعاطي الإيجابي مع الآخر حقا إلى تمدد المكون العقدي فيه وزيادته عن الحجم المفترض له شرعا؟ هذه الأسئلة تحاول هذه الورقة أن تجيب عليها إجابة مبدئية أتمنى أن تفتح الباب لمزيد نقاش في هذه المساحة الهامة.


العقيدة وصدام الخطابات

للعقيدة حضوران في حياة المسلم. الحضور الأول أخروي والثاني دنيوي:

أما عن الحضور الدنيوي الاجتماعي، فيتمثل في أن إيمان المسلم بالله وبنبيه وبالبعث والنشور والحساب والجنة والنار يكفل التزام المسلم بالشريعة، حتى ولو لم يكن ثمة رقيب مادي عليه، وهذا سر عبقرية منظومة التشريع الإسلامي كما أشار إلى ذلك مشايخنا وأساتذتنا.

وأما عن البعد الأخروي فمفاده أن العقيدة نعمة الله التي تقود المسلم للجنة. ويوقن المسلم بأن سلامة عقيدته مع حسن ظنه بربه وتوجه قلبه للعمل الصالح هي مفاتيح الجنة والترقي فيها.

ويرتبط بهذا أن اكتمال إيمان المسلم رهن بتبليغ هذه العقيدة، ولو بمقدار آية "بلغوا عني ولو آية.." (رواه البخاري). ولا ننسى أن ننوه إلى أن هذا البعد الأخروي ليس غرضه الفرز الدنيوي بين الناس لمؤمن وكافر. ولا يفكر المسلم الوسطي المتبع لهدي النبي صلى الله عليه وسلم بهذه العقلية، بل همه فيما يتعلق بهذا البعد أن يدعو كل الناس لرضوان الله وجنته. وحسبنا قولة النبي صلى الله عليه وسلم عندما رأى جنازة يهودي فحزن فتساءل الصحابة حوله فأجابهم: "نفس تفلتت مني إلى النار"، ولكن الرسول نفسه صلى الله عليه وسلم، مات ودرعه مرهونة عند يهودي. فهل خلت المدينة من الصحابة في أوان رهن الدرع أم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يشرع لنا تعاليم بالغة الأهمية.

لكن العقيدة أيضا قد تكون سائقا للمسلم إلى النار، يقول صلى الله عليه وسلم: "من قال لأخيه يا كافر وليس كما قال إلا حار عليه" (رواه مسلم). هذا فيما يتعلق بالمسلم.

أما فيما يتعلق بغير المسلم، فإن التمييز وفق العقيدة في الشرع الإسلامي لا ينتقص من حقوق الناس. فالأصل في الحقوق أن كل الناس سواسية في حقوقهم عند الله. لكن فضل الله أخوة الدين وميزها بحقوق تزيد على سائر الحقوق. كما فضل الله حقوق القرابة وزاد فيها على سائر الحقوق. فقاعدة الحقوق في الإسلام أراها ذات قاعدة حقوقية ثابتة تشمل كل البشر، لكن قاعدة الحقوق تتسع كلما زادت الأواصر التي تربط بين طرفي العلاقة الحقوقية.

من هنا نؤكد أن منظومة الحقوق العامة لا تميز في تعاليمها الإنسانية بين المسلم والمسيحي، لكنها تزيد واجبات المسلم على المسلم بحكم ازدياد أواصر القربى، وهذا منهج فطري. فأي أب لن يعامل ابنه كما يعامل سائر البشر.

ومع ذلك، فإن الاختلاف في معاملة المسلم لغير المسلم لا يمكن رصده إلا في مساحات محدودة تخضع للمراجعة الفقهية الجادة، ولو لم تتحقق المراجعة فإن هذا الاختلاف لا يقدح في دين الله، بل هو اختلاف تشهده كل الأنظمة. فالأمريكي يتمتع في الولايات المتحدة بحقوق لا يتمتع بها غير الأمريكي، وهكذا. وليس هذا مجال التفصيل في هذا الأمر. لكن نثبت القاعدة العامة: أن لكل الناس على المسلم حقوقا أساسية كفلها الشرع وأثبتها، ولا يمكن نكرانها لعدم ثبوت الإيمان. وعليه، فإنه لا مبرر للتمييز بين الناس على أساس العقيدة. فلن ينتقص ذلك من حقوق العباد شيئا. ومن أراد الزيادة في حقوقه فرحاب الإسلام تسعه.

ولقد تحدث القرآن عن حقوق المشرك قبل أن يتحدث عن حقوق أهل الكتاب. ومع ذلك، فقد ظهرت حركة تدين لها تأويلات اعتقادية أدت للخروج بالدين عن خط العدل إلى خط التعصب، والإساءة للمسلم قبل الكتابي، مدفوعة في ذلك بما لاقاه المسلمون من هوان من المستعمر والمهيمن الغربي، برغم قوله تعالى: "وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ.." (المائدة: 8). نسأل الله تعالى لنا ولهم الهداية.

ويرى ناقدو المنهج الاجتماعي لبعض الحركات الإسلامية أن التعصب ونفي الآخر هما من أهم السلبيات التي يوصم بها الخطاب الإسلامي، ويرون أن التعصب في جوهره نفي للآخر وإقصاء لرأيه وحضوره وربما وجوده وحقوقه، وتمركز حول العقيدة أو الأيديولوجيا أو الذات، يجعل صاحبه يرى في نفسه مالكا للحقيقة المطلقة، وينفي امتلاك أي جزء منها لمخالفيه، وهو ما يمنعه من تقدير حق الآخر في الوجود، برغم أن ذلك الحق الذي أثبتته الشريعة.

وبرغم أن هذه الرؤية لها نقدها الذي يحصرها في نطاق ضيق، إلا أننا يجب أن نشير إلى أن هذا النطاق الضيق ينبغي على عموم المسلمين الوعي به لئلا يجرهم والمجتمعات العربية من بعدهم نحو هاوية تضيف للواقع المسلم مشكلة إضافة لما يعانيه من مشكلات، وذلك عبر الصدامات التي من الممكن أن تنشأ بين بعض حملة الخطاب الإسلامي وخصومهم الذين تستهدفهم بعض أطياف الخطاب الإسلامي، وهو ما يحول دون الوصول لحال التعايش والتعاون على ما فيه صالح الأوطان العربية والإسلامية. وهذا من مراتب البر التي أمرنا الله تعالى بالتعاون عليها.
ولعل التساؤل يثور: لماذا الآخر في الخطاب الإسلامي؟


الآخر في الخطاب الإسلامي

الخطاب الإسلامي - بإيجاز - هو مجموعة المفردات التواصلية (كلمة – صوت – صورة - إشارة)، التي تصدر عن فاعلين اجتماعيين ذوي مرجعية حياتية إسلامية (أفراد – مؤسسات – حركات إسلامية)، في أية منظومة اجتماعية أو سياسية أو ثقافية يتحركون فيها (مساحة عامة أو خاصة)، والتي تتضمن المواقف العملية المعبرة عن رؤيتهم لإدارة كافة أبعاد التشارك مع سائر أعضاء تلك المنظومة (إسلاميون آخرون – علمانيون – أهل كتاب) سعيا في الارتقاء بأداء المنظومة ككل. ويحكم هذه الرؤية وتلك المواقف قراءة هؤلاء الفاعلين الإسلاميين لمعطيات الوحي: قرآنا وسنة، وتصورهم عن الظرف التاريخي المحيط بهم، وتصورهم عن ذواتهم في علاقتهم بهذه المنظومة.

ويعاني الخطاب الإسلامي من أزمة عندما تختل معالجة أي ركن من الأركان الستة التي يمكن استخلاصها من التعريف، ومن بين هذه الأركان الستة ركن يستحق الوقوف عنده بقدر عال من التأمل، ألا وهو تأثير المرجعية الإسلامية على حضور الآخر في هذا الخطاب.

ومن خلال التعريف السابق يمكننا أن نحدد أهمية حضور الآخر في الخطاب الإسلامي. فحضور الآخر هو سبب وجود الخطاب، أي خطاب. فالدلالة اللغوية المباشرة للفعل الرباعي "خاطب" تفترض حضور الآخر، وإلا أصبح التدفق الاتصالي لا معنى له، أو كان بغرض التوجيه الإعلامي أو التلاعب بالعقول.

ويمكننا الحديث عن ثلاثة أهداف من وراء حضور الآخر في الخطاب الإسلامي، ألا وهي:

أ - فالخطاب الإسلامي قد يستهدف الآخر من خلال حث شركاء الخطاب على التواصل معه والالتقاء معه في علاقة تسوية تتيح للجميع العيش، على النحو الذي يتم في إطاره تشغيل الخطاب الإسلامي الوسط.

ب - كما أن الآخر قد يكون مستهدفا من الخطاب في مساحة وجدانية أخرى، كأن يكون الآخر محددا في الخطاب كعدو مستهدف ينبغي تجميع شركاء الخطاب وحلفائه المحتملين لمواجهته والقضاء عليه، وذلك كمثل الموقف من الاحتلال الإسرائيلي بفلسطين.
جـ - والأهم من هاتين الصورتين أن الخطاب الإسلامي قد يكون خطابًا تنمويا، فيستهدف تجميع شركاء الخطاب مع الآخر بصورة إيجابية، وحشد الطرفين وتعبئتهما خلف المشروع التنموي الذي يحمله الخطاب أو يؤيده، وفي هذا الإطار يستهدف الخطاب تصفية الخلافات مع الآخر الوطني، وتسوية المشكلات معه، تمهيدًا للالتقاء معًا حول مشروع قومي يحتاج جهود الجميع بلا خصم من الرصيد الوطني وبغير نفي أو إقصاء. فالنماء على صعيد كل قطر مسلم على حده هو إضافة لعموم العمق الإستراتيجي الإسلامي. وآن الأوان – في هذا الصدد – لكي نهمل الرأي الذي يعتبر الاهتمام القطري نوع من العصبية القومية المقيتة. أن تآكل قوة الأقطار العربية كل على حده هو السر في تهاونها في تنفيذ حق التوحد والتكامل. فهو ما يتيح لعدوها الانفراد بها، في الوقت الذي لا تستطيع فيه اللجوء لقوة إسلامية لحمايتها لأنه لا توجد قوة إسلامية قادرة على النهوض بذاتها.

إن هذه الحالة لأخيرة من حالات الخطاب هي التي نهتم بها أيما اهتمام، وذلك لحاجة دولنا العربية الإسلامية لتجاوز علاقات الإقصاء والخصم من الرصيد الوطني، سعيا نحو تكتيل كل القوى الممكنة لتحقيق الطموحات القطرية التي تصب في النهاية في مجمل رصيد الأمة من ركائز القوة. وفي هذا الإطار نؤكد على ضرورة عدم خصم القوى الإسلامية من رصيد العمل الوطني، حيث تتسم هذه القوى بقدرتها التعبوية العالية لأسباب عدة، وهو ما يستدعي عدم خصمها من الرصيد الوطني، وعدم تجاهل قدرتها على رصد تعبئة عالية خلف المشروع التنموي الذي بات ضروريًا – وفق خصوصية - لأية دولة عربية وإسلامية. كما ندعو القوى الإسلامية لحسن قراءة معطيات الإسلام، وإعادة صياغة خطاباتها المتعددة لتصب في صالح أوطاننا العربية والإسلامية ولا تشتتها وتشرذمها: "وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ.." (الأنفال: 46).


العقيدة وحضور الآخر

الفرضية الأساسية التي نعرض لها هنا تتمثل في أن إسلامية الخطاب لا تعني ضرورة أن يكون المكون العقدي فيه متمتعا بوزن نسبي يفوق المكون الاجتماعي لهذا الخطاب. فالوزن النسبي الأمثل للعقيدة يتمثل في كونها ضابطا للخطاب وليست أصل الخطاب. وزيادة المكون العقدي عن حده الطبيعي تؤدي إلى جعل بنية الخطاب صدامية وإقصائية، مما يؤدي لتقليص الحضور الإيجابي للآخر في الخطاب الإسلامي، ومن ثم تتقلص فرص تأسيس واستكمال خطاب تنموي إسلامي إيجابي قادر على مجابهة تحديات المشروع النهضوي عبر تجميع شتات الأمة.

ومن المهم أيضا أن نشير إلى أمر بالغ الأهمية، ألا وهو علاقة الآخر بالوطن. ونحن هنا نتحدث عن الآخر العقيدي والفكري والأيديولوجي الذي يعيش معنا نفس هموم أوطاننا وأحلامها ويحمل جنسيتها. فهذا الآخر شريك لنا في بناء الوطن، ينعم برفاهيته، ويشقى بتراجعه، ولا مفر – إن أردنا لأوطاننا التقدم أن نعتبر الجميع شركاء. فما حصاد أن يتقاتل الإسلاميون فيما بينهم إلا ضعف الوطن، وما حصاد أن يتنافى المسلم والعلماني ويقصي كل منهما الآخر إلا انهيار الوطن. نحن لا ندعو لترك الدعوة والتبليغ وحمل الرسالة، لكن هذا الخطاب الدعوي له مجاله والخطاب السياسي له مجاله. وجدوى الفصل بين الخطابين محل ورقة أخرى أكثر تفصيلا، لكن الخطاب السياسي يجب أن ينبذ الإقصاء لإحياء فريضة نماء الأوطان العربية والإسلامية. وهذا لعله يفسر مشهد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي، برغم أنه قاتل يهود بني قينقاع وقريظة والنضير. فمتى أمنت بلاد المسلمين الفتنة وجب عليهم استيعاب جميع الفرقاء بسبيل تقوية البلد. وعليه، لابد وأن يعود المكون العقدي في الخطاب الإسلامي لوزنه النسبي الأمثل، فيكون ضابطا للخطاب ولا يكون هو جل محتوى هذا الخطاب. والضبط هنا يعني عدم مخالفة الخطاب لأحكام الله الواردة في كتابه وسنة رسوله.

لقد علق الأستاذ الشهيد سيد قطب على الفصل بين الدين والدولة مسميا إياه بالفصام النكد، ونحن نشير إلى أن الإبدال بوضع العقيدة محل الشريعة هو الإبدال النكد. ومن نتائج هذا الإبدال أن وجدنا قلة من الحركات الإسلامية في بعض البلاد العربية تؤسس لتيار يعتبر المسلم – فضلا عن غير المسلم – كافرا يستحق أن نتوجه له بالدعوة لتصحيح العقيدة، ومن لا يستجيب كانت تواجهه اعتبارات الكفر واستحلال الدم والمال. وتحول بعض أعضاء الجماعات الإسلامية إلى لصوص وقتلة وهم المنوط بهم عصمة دم المسلم وعرضه وماله. وشجون الحديث في هذه المساحة كثيرة ومريرة، والأفضل أن نتجاوزها. والخلاصة أن ارتفاع نسبة تمثيل العقيدة في الخطاب الإسلامي عن حد تحديد المرجعية وضبط الوجهة، يعد من قبيل تحميل الخطاب الإسلامي ما لا يطيق، والتجاوز به عن المساحة التي يجيد التفاعل فيها إلى مساحة لا يملك فيها شيئا، ناهيك عن أنه قد يقود إلى نتائج مدمرة.


مساحة ليست للعقيدة

في مجتمع متعدد الملل والطوائف، وليكن هذا المجتمع مسلمًا – لكي نقدر المصالح والمفاسد بقدرها - تفيد الدعوة من خلال العقيدة في دفع المسلم الملتزم للتمسك بتعاليم وشعائر دينه، وعدم التفريط فيها، وهذا هو الأساس الذي أسلفنا الحديث عنه. وفي بعض حالات الانكسار الحضاري قام العلماء بمد نطاق العقيدة لتلك المساحات التي تشهد ولع المغلوب بتقليد الغالب، كالملبس والمأكل ولغة الحديث.. إلخ، على نحو ما فعل الإمام ابن تيمية في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم".

تلك هي المساحة التي يحسن فيها إعمال العقيدة، ولنفترض أن هذا المجتمع يواجه تحديات إصلاح ضخمة وعقبات تنموية جسيمة؛ فهل ننتج خطابا إسلاميا لمواجهة هذه التحديات وإزالة تلك العقبات، أم ننتج خطابًا يذكرنا بتعدد الملل وتفرق الطوائف وعداء هذه الطوائف وهذه الملل لبعضها البعض وتناحرها وتطاحنها، وننسى أننا جميعا في وطن واحد، إن مسه ضر أصاب الجميع قرحه، وإن مسه خير اطمأن الجميع به؟ أي الخطابين يصلح لإدارة الأزمة ومواجهة التحدي؟

من هنا نعلم.. هذه الكلمة رد بها فضيلة الشيخ الجليل محمد الغزالي على من حاول تصوير الإسلام باعتباره تفريق للأمم القطرية ومفوت للمصلحة الوطنية، حيث أوضح الشيخ ضرورة احترام الدين الذي لن يكون عامل توحيد وتجميع لطاقات الأمة إلا في إطار الاحترام الأعم لمقدسات الأمة. ونحن نؤيد فضيلة الشيخ محمد الغزالي مضيفين أن العقيدة يأتي تدريسها لصيانة دين المسلم وشريعته، وليس لسلخه عن وطنه، ولا تصبح العقيدة وسيلة للصدام إلا في حال مهاجمة الدين. ومن يصر على هدم أوطاننا فليصر على مهاجمة دين غالبية سكان هذه الأوطان، ومن يتعفف عن ذلك يعفه الله.