خواطر عن المجال العام في مصر..

2005-11-25

الآلية الغائبة المرتقبة في الفكر السياسي للإسلاميين.. إدارة التعايش مع الآخر


يحتاج الخطاب الإسلامي بأطيافه المختلفة إلى الكثير من الجهد من أجل بناء خطاب قادر حقيقة على مواجهة الموقف الراهن في مصر والعالم العربي والإسلامي، ومن أجل الوصول لدرجة عالية من النضج واكتمال المصداقية في المجال العام، وبناء نمط وعي وطني قادر على مبارحة حالة الوعي الفصائلي المتكلسة بغالب الحالة السياسية العربية والإسلامية. ومن أهم المساحات التي أرى أنها بحاجة لمزيد إنضاج لتلك المساحة المتعلقة بتوضيح آلية التوصل لملامح أي مشروع وطني عام لإدارة أي مستوى من مستويات الحياة الاجتماعية. فما هي ملامح قضية هذا المقال؟


قراءة في خبرات بناء التوافق

فلو نظرنا للخبرات غير الإسلامية لبناء مشاريع قومية ووطنية سنجد أن النموذج الليبرالي التعددي قد سعى في بدايات تكوينه لبناء ما سمي في بعض الاتجاهات بالتعاقد الاجتماعي العام (النظرية التعاقدية) وما أسماه اتجاه آخر أكثر تطورا وحداثة باسم التوافق Consensus، لعل هذا ما يجمع الفرقاء داخل الوطن الواحد، ثم جعل هذا النموذج من التفاوض والمساومة الشكلين الرئيسين للتفاعل بين تكوينات المجتمع، مما أتاح الفرصة للتعايش بين متناقضات كثيرة كمتناقضات الحالتين العلمانية والدينية من ناحية، وتعايش الراديكاليين من اليسار واليمين من ناحية ثانية.. إلخ. بينما أنتج اليساريون في بعض خبراتهم الفكرية والعملية أنموذج الكتلة التاريخية، وهو مفهوم طوره المفكر الشيوعي الإيطالي أنطونيو جرامشي؛ محاولا عبره إنقاذ إيطاليا من الانهيار بعد الحرب الاستعمارية العالمية الأولى (1917)، وذلك عبر الحفاظ على وحدتها ما بين الشمال المتقدم والجنوب المتخلف، ومحاولة خلق اتفقا بين القوى اليسارية والليبرالية والقومية المهيمنة والنشطة في الشمال مع القوى المهيمنة في الجنوب وعلى رأسها الكنيسة. وسعى جرامشي لوضع نموذج أولويات يضمن للاتفاق العام حول خيار ضرورة نهضة إيطاليا مرتبة متقدمة ومتفوقة على غيرها من الخيارات. أما بالنسبة للنموذج ذات الطابع النسبي الشمولي الوطني في كثير من الدول؛ فإن النظرية الإدماجية Corporatism رصدت أنماط تفاعلاته، وخلصت إلى أن التفاعل بين الجماعات يتم تنظيمه عن طريق أجهزة الدولة من خلال استبيانات أو تجميع اقتراحات أو مؤتمرات شعبية أو بواسطة منظمات المجتمع المدني التي تشغل المسافة ما بين قمة الهرم السياسي وقاعدته. ولا يخفى على المهتم تلك الخبرة الرائعة الجبهوية الوطنية التي شهدتها المجتمعات الجنوبية في سعيها لنيل استقلالها عن الدول الاستعمارية.

إن آلية بناء المشروع القومي التي ننشدها تستهدف تحقيق أمرين: أولهما أن هذا الجهد يبقي الحالة السياسية العامة دوما قريبة من احتياجات الناس مما لا يؤدي لابتعاد الأداء السياسي عن هدفه: خدمة الجماهير، وبما يكرس حضور الجماهير في المجال العام ولا يقصيهم. ومن ناحية ثانية، أنه لا يفتت ولا يشتت جهود القوى الراغبة في تحقيق الإصلاح.

وفي هذا الإطار ينبغي أن نشير إلى أن الحالة الإسلامية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية بصفة عامة وفي مصر بخاصة، تفترض خلق آليات تناسب خصوصية الطرح الإسلامي كطرح عقدي أولا، ثم تناسب خصوصية البيئة السياسية العربية/المصرية ثانيا.


آليات بناء العمل العام بالتوافق

يستطيع التيار الأساسي من الحركة الإسلامية في مصر أن يصل لمركز من مراكز صناعة القرار في المجال العام استنادا لقدراته التعبوية العالية، ويستطيع إدارة المكان بما يحقق أهدافه استنادا لكفاءاته الإدارية والفنية، لكنه لم توفر حتى هذه اللحظة آلية منهجية لإدارة الأهداف الوطنية على الصعيد العام من دون وجود مؤسسة. ولعل أحد أهم تداعيات هذه المشكلة أن القوى الرافضة للوجود السياسي الإسلامي تنهج عدة مناهج بهذا الصدد، منها:

أ – منع الحركة من الوجود القانوني المؤسسي.
ب – تجميد المؤسسات العامة التي يصلها الإسلاميون.
ج – تكبيل فرص خلق كيانات سياسية واجتماعية جديدة يمكن أن يكون للإسلاميين حضور فيها، مثل الأحزاب الجديدة وغيرها.
د - الحفاظ على عدد ممثلي التيار الإسلامي بالمؤسسات العامة التي لا يمكن تجميدها عند الحدود الآمنة التي لا تمكنهم من عرقلة مشروعاتهم.
هـ - توكيل القوى المنافسة لهذا التيار بعملية مهاجمته والضغط عليه باستمرار لمنعه من مراكمة خطاب إيجابي، ومن مبارحة المربع التاريخي الذي يقف فيه.

ولعل هذا أحد أهم أسباب عدم قدرة الحركة الإسلامية المصرية على خلق مناخ حوار صحي قوي على صعيد الوطن، برغم أنها التنظيم السياسي الوحيد الذي يمكنه بعث الحركة في الجسد السياسي الواهن للأمة الإسلامية في قطرها المصري.

فالمؤسسة هي الوسيلة الوحيدة التي تمكن الحركات الإسلامية من تحقيق هدف على المستوى العام، وبطبيعة الحال، يمكن الحديث عن فقر الحيوية السياسية في المجتمع المصري إلى حد كبير، وهو أمر يمكن تفهمه في إطار ضغوط البيئتين المحلية والخارجية على الواقع السياسي المصري.


منطق العمل العام بين الجماعية والفردية

من خلال الكتابات المتعددة التي تناولت الخطاب الإسلامي بالتحليل والتحديد يمكن أن نقف على أن الخطاب الإسلامي هو ذلك الخطاب الذي يستند لمرجعية إسلامية من أصول دين الإسلام، القرآن والسنة، وأي من سائر الفروع الإسلامية الأخرى، سواء أكان منتج الخطاب جماعة إسلامية أم مؤسسة دعوية رسمية أو غير رسمية أو أفراد متفرقون جمعهم الاستناد للدين وأصوله كمرجعية لرؤاهم وأطروحاتهم؛ لإدارة الحيوات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية والثقافية التي يحيونها، أو للتعاطي مع دوائر الهويات القطرية أو الأممية أو دوائر الحركة الوظيفية التي يرتبطون بها ويتعاطون معها.

القوى الرافضة للطرح الإسلامي تلح في ملاحقة الكيانات الإسلامية بخصوص برنامجها الانتخابي الذي تدعي عدم وجوده، وهو الأمر المغلوط جزئيا، لكنه ليس مغلوطا تماما. لكن الأهم من وجهة نظري أن الدفع باتجاه تقديم البرنامج الخاص بالإسلاميين برغم كونه مطلبا مشروعا؛ إلا أنه يكرس لدى الحركة الإحساس بفرديتها وبنائها نموذجها الخاص للعمل العام بمعزل عن الإحساس بروح الجماعة الوطنية، وهو ما نعنيه بضرورة تحرك هذا التيار لبناء خط وطني متماسك ضمن خطابه الذي يتضمن ثراء على المستويين العالمي والقومي العربي الإسلامي.

غير أن الأهم من دلالة تكريس الفردية أن انفراد التيار الإسلامي بتقديم طرح برنامجي مستقل هو ضرب من العبث، لأن وصول التيار الإسلامي لرأس السلطة في أية دولة عربية في هذا الظرف التاريخي هو أمر مستبعد، فضلا عن أنه لو أُتيح - كبديل سياسي عبر صناديق الاقتراع - لفضلنا كمهتمين بالشأن الإسلامي ألا يحدث انفراد للإسلاميين بتنفيذ هذا البديل، ونرى – عوضا عنه - تشكيل حالة وحدة وطنية، وذلك بالنظر إلى أمرين هامين، هما:

أ – لابد وأن تعلم الحركة الإسلامية أن قوى الفساد والعمالة العولمية ستبذل قصارى جهدها لوصمها بالفشل، ولعل نموذج حكومة فلسطين الحمسوية يمثل لحظة نماذجية كاشفة في هذا الإطار.

ب – أن الحركة الإسلامية لابد وأن تقرن يقينها بأنها ليست وحدها في هذا الوطن بالعمل ضمن إطار وطني جامع للقوى التي تهتم لأمر الوطن، حتى لو كانت هذه القوى ممن يكنون لها رفضا راديكاليا؛ مهما اختلفت مستويات هذه الراديكالية. فالحركة الاجتماعية والسياسية الإصلاحية التي ليس لها منافس قوي يتمتع بالمشروعية والحرية في صوغ أفكاره ونقده لها تصاب بالتكلس، وتجمد دون الاجتهاد والتجديد، لتبدأ مسيرتها نحو الوهن.

إن ما يحتاجه العمل العام في العالمين العربي والإسلامي بعامة، وفي مصر بخاصة، هو إيجاد آليات لبناء مشروع عام تتوافق فيه إرادات "الجميع الوطني" على ملامح هذا المشروع التي تمثل الحد الأدنى الذي لا يمكن لقوة وطنية أن تتخلى عنه أو تتجاوزه مهما كانت المغريات. فلا نجد في نموذج هذا المشروع قيادات حزب تتخلى عن قاعدته الاجتماعية وأجندته العامة مقابل تعيين زعامته في مجالس نيابية صورية التمثيل سيئة السمعة، ولا نجد قيادات حزب آخر تنقلب على رئاسة الحزب مدفوعة بضغوط وتهديدات حكومية أو وعود بالدعم للوصول لرئاسة هذا الحزب، وذلك بسبب تجاوز هذا الحزب الخطوط الحمراء في خطابه مع النخبة السياسية المركزية (الحاكمة) أو رأس هذه النخبة.


آليات التوافق لبناء المشروع العام

في مثل هذه المساحة يمكن أن نتلمس الخبرات التي أنتجتها الأفكار المغايرة للفكر الإسلامي، وقد أشرنا من قبل لنماذج مثل نموذج التوافق ونموذج العقد الاجتماعي ونموذج الكتلة التاريخية، والنموذجي الإدماجي أو الكوربراتوري، فضلا عن نماذج كثيرة للجبهة الوطنية. وبعد ذلك يثور التساؤل: إذا كان الإسلاميون في مصر وغالب دول العالم العربي هم القوة المعارضة الأساسية (أو الوحيدة في بعض الدول)، فما الاجتهاد الذي قدمه الإسلاميون في إطار بناء مثل هذا التوافق؟ وهل كلمة "حوار" التي نستخدمها في التعاطي مع إدارة الشأن العام تكفي كآلية لبناء التوافقات المنشودة. والإجابة من وجهة نظري بالنفي. لماذا؟

إن التوافق في المساحة العامة يتم إنتاجه بإحدى الوسائل التالية:

أ – الإجماع.. كما حدث في صدر الإسلام حيال بعض القضايا الأساسية، ومنها الخلافة الأولى وجمع القرآن.. إلخ.

ب – التعاقد.. كما حدث في كثير من المجتمعات، أو كما يسود في المجتمعات الليبرالية التعددية، حيث لا يتوقف المجتمع عند حدود التصويت بالأغلبية، بل يبني توافقاته باستمرار وفق علاقة بين المصالح واتجاهات التصويت. ولا يتم التعاقد بهذه الصورة إلا بعد مباشرة آليتين فرعيتين؛ هما المساومة والتفاوض.

ج – القسر الفوقي.. كما يحدث بصورة عامة في النماذج الشمولية الراديكالية من المجتمعات السياسية. وتجدر الإشارة إلى أننا نرفض مثل هذا المنطق القسري، ونراه قاتلا للإرادة الجامعية لا منظما لها.

د – التجميع من أسفل إلى أعلى كما يحدث في النماذج الشمولية الوطنية أو المسماة بالنماذج الكوربوراتورية.

وفي كل هذه النماذج يكون الحوار عنصرا مشتركا. فبقدر ما إن الحوار أساس الإجماع، فهو شرط قبلي من شروط التعاقد ومن قبله التفاوض أو المساومة اللذان يعدان بمثابة آليات فرعية تسبق آلية التعاقد. كما أن الحوار أساس تجميع المصالح، من زاوية كونه وسيلة للتبليغ عن المصالح. أما النموذج القسري فالحوار فيه فوقي نخبوي، ويتجاوز الجماهير التي لا يعتبرها مسؤولة أو واعية، بل يراها جاهلة جامدة متواكلة، وهو ما نرفضه كمنطق.

والذي نقصده هنا أن الحوار آلية تعريف وإعلام وتطبيع حضور وكسر للحواجز أكثر منها آلية اتفاق عميق غير هش. فالقسر ليس هشا، بل هو أحد صور القوة الصلبة. والتعاقد ليس هشا، بل يعني مقايضة المصالح الموضوعية وصولا إلى نموذج متماسك لإدارة الحياة العامة، ولذا لن ينكر أي طرف اجتماعي أو سياسي مصلحته، بل سيتمسك بها. تجميع المصالح في النموذج الكوربراتوري ليس هشا بصورة كبيرة لأنه يرتبط ببحث النظام السياسية عن مشروعية رضائية أو مشروعية إنجاز لدى القاعدة الشعبية التي يتسلط عليها. وليس الحوار في مثل قوة هذه الآليات من ناحية أدائه للوظيفة التي نتحدث عنها، وهي وظيفة بناء التوافق بين أطراف العملية الاجتماعية العامة على مشروع يصون حقوق الجميع في إطار مصلحة الوطن، بل هو الخطوة الأولى.

ووفق السبل السالف الإشارة إليها لبناء التوافق يحق للحركة الإسلامية في مصر والعالمين العربي والإسلامي أن تنتج اجتهادها وآليتها الخاصة التي تستند لاعتبارات الخصوصية في مجتمعها، على ألا تعني هذه الخصوصية أن نبني هذا المشروع على منطق تهميش الجماهير بدعوى خصوصية بعض المجتمعات العربية وما إلى ذلك من أحاديث تبرير الطغيان.


اعتبارات الخصوصية في إنتاج آلية التوافق

ليس المهتم بالشأن السياسي كالممارس لهذا الشأن في شدة الإحساس باحتياجات البيئة السياسية والآليات التي تناسب خصوصيتها. وعلى هذا، فهدف هذه السطور أن نوضح علامات على طريق محاولة إنتاج المهتم بالعمل العام لآليات التوافق المنشودة.

المقصود بمراعاة الخصوصية العقدية تجاوز محاولات النخب العلمانية الإلحاح على التهجم على مقدسات الأمة وثوابتها. فلو نجحت الحركة الإسلامية في أن تدرج احترام الرموز والأصول ضمن مشروع التوافق العام مع إطلاق الإبداع فيما عدا هذا، فذاك سيعد كسبا لعموم الأمة، حيث لن يفقد العلماني تواصله مع ثقافة القاعدة مما يعمق الشرخ، كما لن يضطر الإسلاميون لمواجهة العلمانيين على خط النار بسبب اجترائهم على المقدسات؛ مما يسهم في إضعاف صفوف القوى الوطنية بعامة.

كما أن المقصود بالخصوصية المتعلقة بالبيئة السياسية تحري إنتاج آلية لبناء التوافق تكون على وعي بمعطيات البيئة السياسية التي تعمل على اختراق بعض النخب العلمانية والإسلامية، فضلا عن ضرورة الوعي بمدى التنوع في أطياف الخطاب الإسلامي، والانتباه لهذا التنوع؛ مما يسمح بفرز التيارات الراديكالية من الوسطية لمعرفة الأطراف المتمسكين بالدائرة الوطنية باعتبارها دائرة الانتماء الأساسية التي يمكن التضحية بغيرها من الدوائر في سبيلها.

وتتبقى في هذا الصدد كلمة أخيرة نتوجه بها للجميع: إسلاميين وغير إسلاميين. فعندما عالج الدكتور محمد عابد الجابري قضية الكتلة التاريخية ركز فيها على أمرين. فبعد أن تحدث عن ضرورة بناء هذه الكتلة أشار إلى أن التوافق يجب ألا يكون ظرفيا أو سياسيا وإلا لصار هشا يمكن هدمه بخلق أنماط مصالح موازية. كما أوضح أن الدخول في علاقة التوافق أو الكتلة التاريخية، ولا مشاحَّة في الأسماء لديه، ولا لدي، هذا الدخول لا يعني مطالبة كل فصيل بالتخلي عن مدينته الفاضلة، بل يعني معالجة أولوياتها في ضوء فرص وضغوط البيئة السياسية المحلية والدولية المحيطة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كن إيجابيا وأدخل تعليقا يليق بك..