خواطر عن المجال العام في مصر..

2005-03-25

مشروبات الفرينشايز وأطعمتها.. منظور آخر للتعامل الإفتائي


قبل أكثر من عقد من السنين، كنت أألف درس فضيلة الشيخ محمد عبد المقصود في مسجد التوحيد بالعاصمة المصرية القاهرة لتلك التوليفة الرائعة التي يولفها من الرقائق والفقه والعقيدة. وكنت آنذاك في حالة مزاجية كرهت تلك الدروس التي اعتاد فيها مشايخنا الأجلاء خلط الدين بالمواقف السياسية. ولم تكن تلك الحالة تعني تراجعي عن القول بأن "الإسلام دين ودنيا" بقدر ما كان ضجرا نتج عن الشعور بأن إسلاميي مصر لم يكتفوا من السياسة برغم ما أسفر عنه اقتحامهم لها من انسداد كثير من قنوات العمل الأهلي، وتدهور قدرات الشعب على الصعيد السياسي من سئ لأسوأ.



فراق بسبب مساندة غير مقصودة لرموز دعم الاحتلال


كان الفراق بيني وبين هذا الدرس الجميل في أحد اللقاءات التي سئل فيها الشيخ أعزه الله عن حكم أحد مشروبات الكولا الشهيرة؛ فأجاب: "لقد وضعتها في الشمس فلم تتبخر"، وأظنه - في إجابته - كان يعاني انكسار من لا يرضى عن مثل هذه الفتوى التي توافق توجهه الذي كانت الظاهرية تغلب عليه. والإشكال الذي عانيته آنذاك تمثل في أن الحديث عن مشروبات الكولا هذه جاء في توقيت كانت فيه قوات الاحتلال الصهيوني تشن حملة شعواء على الأراضي الفلسطينية المحتلة التي يتركز بها إخواننا الفلسطينيين. وكان الحديث لا ينقطع عن مقاطعة تلك الشركات التي لا تفتأ تمد يد العون للإدارات الصهيونية المختلفة بالعون والمدد المالي والمعنوي. وبرغم إحساسي - الظني لا القطعي - أن الشيخ لم يكن راضيا عن تلك الفتوى؛ إلا أنني لم أكن على استعداد لمتابعة شيخ يغلب التزاما مذهبيا على حساب جزء من أمتنا يذبح بغير حق إلا أنه يقول ربي الله وفلسطين أرضي؛ وإن كان الشيخ من أحبهم إلى قلبي ووجداني.

كان هذا المشروب، وغيره من المشروبات التابعة لنفس الشركة وشركة أخرى تنافسها، وأيضا بعض شركات أطعمة الفرينشايز التي تخصصت في إنتاج الأطعمة الجاهزة كالهامبرجر والدجاج المتبل، كانت هذه المنتجات كلها تصدر عن شركات تنتمي لدولة تساعد إدارات الاحتلال بكل ما أوتيت من سبل الدعم والتأمين. وكان بعض هذه الشركات يخصص جزءا من أرباحه بشكل أو بآخر لمساعدة دولة الاحتلال في صورة تبرعات مباشرة. وتحولت هذه المنتجات مع الأيام إلى رموز مساندة هذه الدولة. وكان صعبا أن نفتي بما يساند هذه الدولة ولو من طرف خفي أو بعيد.

في هذا الوقت كانت تتصاعد أطروحات تنتمي في جذورها لليسار الجديد، وبعضها اتجه وجهة ثقافية إسلامية على يد العلامة الدكتور عبد الوهاب المسيري، معتبرا أن هذه النوعية من الأطعمة والمشروبات تحولت إلى رمز من رموز الولايات المتحدة الأمريكية: تلك الدولة التي كان خطابها في هذا التوقيت بالغ الفجاجة في علاقته بدولة الاحتلال الصهيوني، بل والتي كانت تشن حملة شعواء على العالم لفرض نمطها الثقافي عبر مؤتمرات الأمم المتحدة التي كثر انعقادها في عقد التسعينات؛ تارة تحت اسم "مؤتمر السكان"، وأخرى تحت اسم "مؤتمر المرأة".. إلخ. وباتت مقاطعة هذه الرموز الثقافية الأمريكية تعبير عن انتمائنا إلى ثقافتنا وأمتنا، ولم يكن عقلي ووجداني ليسمحان لي باستمرار حضور درس يلقن هذا النمط الظاهري من أنماط التفكير؛ وهو النمط الذي كانت قضايانا المصيرية الثقافية والسياسية أولى ضحاياه. وكتبت في هذا الإطار آنذاك بعدة مناهج أكافح فيها هذه الرموز.



منظور جديد لفتاوى الفرينشايز


كانت مشكلتي مع هذا المنظور الظاهري مشكلة مع منظوري الخاص في نفس الوقت. فهناك شريحة من أمتنا تفكر بهذا المنطق وهي تتعامل مع نصوص الأصول: آي القرآن وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. وكان من الصعب أن نصدر أي خطاب يتجاهل هذه الشريحة التي تنتشر بصورة قوية بين أشقائنا في دول الخليج العربي، كما تنتشر في أنحاء العالم الإسلامي بدرجات متفاوتة.

والمشكلة الأقوى المتعلقة بهذا المنظور الرمزي الذي كنت أنتمي إليه أن شركات أخرى نشأت في إيران والمملكة السعودية تبيع نفس المادة في عبوات لا تحمل اسم بيبسي وكوكاكولا، بل مكة كولا وزمزم كولا وبي كولا.. إلخ. هذه المنتجات تغاضت عن شئ قوي جدا في خطاب دعاة مقاطعة هذه المنتجات؛ يتمثل في احتواء مادة الكولا على مكون مأخوذ من أمعاء الخنزير. فهل حصلوا على حق الملكية الفكرية واستبعدوا منه هذا المكون الخنزيري؟ أم كيف اداروا المسألة؟ مرت الأيام ولم يفصحوا عن إجابة لهذا السؤال. وبدأت شكوك تتسرب لقلوب الرافضين الرمزيين من احتمال أن تكون هذه الشركات المنتجة لهذه المنتجات قد عملت بالوكالة عن أي من الشركتين بيبسي وكوكا كولا. وعاود السؤال طرح نفسه من جديد.

في عام 2004، قلبت هذا السؤال في ذهني، وتصادف أن كنت أقرأ مجلة البركة الصادرة عن شركة دلة السعودية، ورأيت دعوتهم الرائعة للمشاركة، وكتبت مقالا صغيرا عن مشروبات وأطعمة الفرينشايز وضرورة النظر إليها بمنظور إفتائي جديد. ولم أجد نشرا ولم أجد ردا؛ وربطت هذا الرفض بنمط دعاية مضادا كان أقربائي العزيزين على قلبي من سعوديي الجنسية يردون به علينا عندما نستضيفهم ونعلن أننا نقاطع المشروبات الخاصة بهذه الشركات.. وكان مفادها عدم جدوى المقاطعة اقتصاديا: "لأن ميزانية الـ"سب واي" (مترو الأنفاق) عندهم أكبر من ميزانية دولنا". وهذا في الواقع لا يهمني لأني أعلم الارتباطات الرأسمالية وحساسياتها عند الجميع. ونسيت الأمر تماما، ولم أنتبه إليه حتى بعد إنشائي لمدونتي وموقعي المجاني. واليوم أثير الموضوع مجددا مع أحد أحبائي، وفكرت في نشر الفكرة؛ لعلها تجد نقاشا ينضجها ويثريها.

كانت فكرتي في هذا الصدد أننا أمة إسلامية، هذه الأمة تجد في نصوص أصولها من القرآن والسنة نصوصا تحرم بعض الأطعمة والمشروبات. فهل يحق لنا أن نشرب شرابا لا نعرف مكوناته؟ وهل يحق لنا أن نتناول طعاما لا نعرف مكوناته؟ والأدهى.. كيف نشرب مشروبا لا نعرف مكوناته ويشاع أن في تركيبه أحد المكونات المستخرجة من لحم الخنزير؟ وكيف نأكل في مطعم يشاع أن أحد منتجاته (بطاطس الفارم فريتس) تقلى في شحم الخنزير لكي تكتسب الطعم المقرمش المتميز الخاص بها؟

الجديد في هذا المنظور أنه لا يربط مادة الكولا بما نظنها تحتويه من مادة مأخوذة من أمعاء الخنزير، بل في أنه يدعو لمقاطعة أية أطعمة أو مشروبات لا نعلم مكوناتها أو طريقة تحضيرها على وجه الدقة واليقين. ولعل بهذا أكون قد أفدتكم علما بسبب امتناع المجلة عن نشر هذا المقال. هداني الله وإياهم لكل ما فيه الخير والصواب.