خواطر عن المجال العام في مصر..

2005-07-20

لكي نبني التوافق بأوطاننا.. الوزن الأمثل للعقيدة في الخطاب الإسلامي


عندما أتأمل مساحة العقيدة ضمن الشريعة الإسلامية أستشعر أن الله تعالى قد من علينا بها لتتحقق بها عدة أهداف سامية؛ لا أظن أن من بينها أن نصنف الناس ونحاكمهم استنادا لتمايزهم العقائدي. بل شرعها سبحانه ليكون المسلم على وعي دائم بأنه إلى مآل عظيم، سيلقى فيه ربه بعد البعث، ليحاسبه على ما قدم، وهو ما يضمن التزام المسلم بالشريعة التي جعل الله تعالى فيها حفظ نفسه وعقله ودينه وماله وعرضه. وعليه، لا ينبغي أن يختل الوزن النسبي لمكونات الخطاب الإسلامي، بحيث يتسع مساحة تأويل العقيدة لتدخل كحكم وطرف محوري في إدارة التفاعل داخل المنظومات الاجتماعية المختلفة.


نحو إطار لتحديد وزن العقيدة في خطابنا الإسلامي

هذه العبارة أجدها حقيقية ومهمة، برغم أن شريحة من الذهن المسلم تفترض العكس. ولعل أهميتها تنبع من أن شريحة محدودة من الحركة الإسلامية المتأثرة بواقع انحطاط الأمة في مواجهة قوى كبرى لا تقيم للحق وزنه المرجو في مواجهة القوة، مما دفع هذه الشريحة من الحركة الإسلامية لاتخاذ موقف دفاعي عقائدي قاس، أدى لاختلال موازين إدارة عموم الجسد الإسلامي (الأمة – الدولة – الحركات النهضوية والإحيائية الإسلامية) لعلاقتها بالآخر المتمايز عقائديا.

إن بعض الحركات الإسلامية، وشريحة ليست هينة من الملتزمين، يفترضون أن كون الفرد مسلما ملتزما معناه أن يجعل عقيدته هي الحكم في إدارة كل علاقاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية. وهو ما ترتب عليه حالة من الخطاب الصدامي، المتجاوز للوسطية، والجائر عليها، بل إن بعضهم استمرأ أن يمد نطاق التقييم العقدي ليحاكم به المسلمين أنفسهم، متهما إياهم بالكفر، برغم أن الفقه الضابط لهذه المسألة يعلو على هذا المنطق ويرفضه. وقد يكون بناء الخطاب على العقيدة سليما بالنسبة لتأسيس العلاقات الثقافية وتفاعلاتها، حيث تعتبر العقيدة مكونا هاما من مكونات الثقافة.

أما فيما يتعلق بالأبعاد الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في حياتنا، وفيما يتعلق بكيفية تناول الخطاب الإسلامي لها، فإن الحالة المثالية للوزن النسبي للعقيدة بصددها أن يكون هذا الوزن في محله ليؤدي وظيفته التي أسلفنا الإشارة إليها بحيث يضبط علاقة المسلم في الالتزامات الربانية الملقاة على عاتقه لإدارة أبعاد الحياة جميعها، لكنها لا تكون محور إدارة هذه الأبعاد الحياتية. وحتى على الصعيد الثقافي، الذي يمكن في إطاره الاستعانة بالعقيدة وبنائه عليها، فإن مهمة العقيدة ليست في تحولها في ذاتها لمنظومة فقهية شاملة تكفر المخالف وتفيد مناصبته العداء بقدر ما تهدف إلى وضع ضوابط للحالة الثقافية تحول دون اهتزاز عقيدة المسلم.

لكن هذه المسألة على قدر كبير من التعقيد والتركيب. وحيال هذا الأمر تثور عدة أسئلة هامة ينبغي إخضاعها للفحص والدراسة، ومن هذه الأسئلة: هل حضور العقيدة صواب أم خطأ في الخطاب الإسلامي؟ وهل الخلاف حول حضور العقيدة في الخطاب الإسلامي من عدمه أم حول وزنها النسبي في فعاليات الخطاب الإسلامي؟ وهل يعود فشل الخطاب الإسلامي في التعاطي الإيجابي مع الآخر حقا إلى تمدد المكون العقدي فيه وزيادته عن الحجم المفترض له شرعا؟ هذه الأسئلة تحاول هذه الورقة أن تجيب عليها إجابة مبدئية أتمنى أن تفتح الباب لمزيد نقاش في هذه المساحة الهامة.


العقيدة وصدام الخطابات

للعقيدة حضوران في حياة المسلم. الحضور الأول أخروي والثاني دنيوي:

أما عن الحضور الدنيوي الاجتماعي، فيتمثل في أن إيمان المسلم بالله وبنبيه وبالبعث والنشور والحساب والجنة والنار يكفل التزام المسلم بالشريعة، حتى ولو لم يكن ثمة رقيب مادي عليه، وهذا سر عبقرية منظومة التشريع الإسلامي كما أشار إلى ذلك مشايخنا وأساتذتنا.

وأما عن البعد الأخروي فمفاده أن العقيدة نعمة الله التي تقود المسلم للجنة. ويوقن المسلم بأن سلامة عقيدته مع حسن ظنه بربه وتوجه قلبه للعمل الصالح هي مفاتيح الجنة والترقي فيها.

ويرتبط بهذا أن اكتمال إيمان المسلم رهن بتبليغ هذه العقيدة، ولو بمقدار آية "بلغوا عني ولو آية.." (رواه البخاري). ولا ننسى أن ننوه إلى أن هذا البعد الأخروي ليس غرضه الفرز الدنيوي بين الناس لمؤمن وكافر. ولا يفكر المسلم الوسطي المتبع لهدي النبي صلى الله عليه وسلم بهذه العقلية، بل همه فيما يتعلق بهذا البعد أن يدعو كل الناس لرضوان الله وجنته. وحسبنا قولة النبي صلى الله عليه وسلم عندما رأى جنازة يهودي فحزن فتساءل الصحابة حوله فأجابهم: "نفس تفلتت مني إلى النار"، ولكن الرسول نفسه صلى الله عليه وسلم، مات ودرعه مرهونة عند يهودي. فهل خلت المدينة من الصحابة في أوان رهن الدرع أم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يشرع لنا تعاليم بالغة الأهمية.

لكن العقيدة أيضا قد تكون سائقا للمسلم إلى النار، يقول صلى الله عليه وسلم: "من قال لأخيه يا كافر وليس كما قال إلا حار عليه" (رواه مسلم). هذا فيما يتعلق بالمسلم.

أما فيما يتعلق بغير المسلم، فإن التمييز وفق العقيدة في الشرع الإسلامي لا ينتقص من حقوق الناس. فالأصل في الحقوق أن كل الناس سواسية في حقوقهم عند الله. لكن فضل الله أخوة الدين وميزها بحقوق تزيد على سائر الحقوق. كما فضل الله حقوق القرابة وزاد فيها على سائر الحقوق. فقاعدة الحقوق في الإسلام أراها ذات قاعدة حقوقية ثابتة تشمل كل البشر، لكن قاعدة الحقوق تتسع كلما زادت الأواصر التي تربط بين طرفي العلاقة الحقوقية.

من هنا نؤكد أن منظومة الحقوق العامة لا تميز في تعاليمها الإنسانية بين المسلم والمسيحي، لكنها تزيد واجبات المسلم على المسلم بحكم ازدياد أواصر القربى، وهذا منهج فطري. فأي أب لن يعامل ابنه كما يعامل سائر البشر.

ومع ذلك، فإن الاختلاف في معاملة المسلم لغير المسلم لا يمكن رصده إلا في مساحات محدودة تخضع للمراجعة الفقهية الجادة، ولو لم تتحقق المراجعة فإن هذا الاختلاف لا يقدح في دين الله، بل هو اختلاف تشهده كل الأنظمة. فالأمريكي يتمتع في الولايات المتحدة بحقوق لا يتمتع بها غير الأمريكي، وهكذا. وليس هذا مجال التفصيل في هذا الأمر. لكن نثبت القاعدة العامة: أن لكل الناس على المسلم حقوقا أساسية كفلها الشرع وأثبتها، ولا يمكن نكرانها لعدم ثبوت الإيمان. وعليه، فإنه لا مبرر للتمييز بين الناس على أساس العقيدة. فلن ينتقص ذلك من حقوق العباد شيئا. ومن أراد الزيادة في حقوقه فرحاب الإسلام تسعه.

ولقد تحدث القرآن عن حقوق المشرك قبل أن يتحدث عن حقوق أهل الكتاب. ومع ذلك، فقد ظهرت حركة تدين لها تأويلات اعتقادية أدت للخروج بالدين عن خط العدل إلى خط التعصب، والإساءة للمسلم قبل الكتابي، مدفوعة في ذلك بما لاقاه المسلمون من هوان من المستعمر والمهيمن الغربي، برغم قوله تعالى: "وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ.." (المائدة: 8). نسأل الله تعالى لنا ولهم الهداية.

ويرى ناقدو المنهج الاجتماعي لبعض الحركات الإسلامية أن التعصب ونفي الآخر هما من أهم السلبيات التي يوصم بها الخطاب الإسلامي، ويرون أن التعصب في جوهره نفي للآخر وإقصاء لرأيه وحضوره وربما وجوده وحقوقه، وتمركز حول العقيدة أو الأيديولوجيا أو الذات، يجعل صاحبه يرى في نفسه مالكا للحقيقة المطلقة، وينفي امتلاك أي جزء منها لمخالفيه، وهو ما يمنعه من تقدير حق الآخر في الوجود، برغم أن ذلك الحق الذي أثبتته الشريعة.

وبرغم أن هذه الرؤية لها نقدها الذي يحصرها في نطاق ضيق، إلا أننا يجب أن نشير إلى أن هذا النطاق الضيق ينبغي على عموم المسلمين الوعي به لئلا يجرهم والمجتمعات العربية من بعدهم نحو هاوية تضيف للواقع المسلم مشكلة إضافة لما يعانيه من مشكلات، وذلك عبر الصدامات التي من الممكن أن تنشأ بين بعض حملة الخطاب الإسلامي وخصومهم الذين تستهدفهم بعض أطياف الخطاب الإسلامي، وهو ما يحول دون الوصول لحال التعايش والتعاون على ما فيه صالح الأوطان العربية والإسلامية. وهذا من مراتب البر التي أمرنا الله تعالى بالتعاون عليها.
ولعل التساؤل يثور: لماذا الآخر في الخطاب الإسلامي؟


الآخر في الخطاب الإسلامي

الخطاب الإسلامي - بإيجاز - هو مجموعة المفردات التواصلية (كلمة – صوت – صورة - إشارة)، التي تصدر عن فاعلين اجتماعيين ذوي مرجعية حياتية إسلامية (أفراد – مؤسسات – حركات إسلامية)، في أية منظومة اجتماعية أو سياسية أو ثقافية يتحركون فيها (مساحة عامة أو خاصة)، والتي تتضمن المواقف العملية المعبرة عن رؤيتهم لإدارة كافة أبعاد التشارك مع سائر أعضاء تلك المنظومة (إسلاميون آخرون – علمانيون – أهل كتاب) سعيا في الارتقاء بأداء المنظومة ككل. ويحكم هذه الرؤية وتلك المواقف قراءة هؤلاء الفاعلين الإسلاميين لمعطيات الوحي: قرآنا وسنة، وتصورهم عن الظرف التاريخي المحيط بهم، وتصورهم عن ذواتهم في علاقتهم بهذه المنظومة.

ويعاني الخطاب الإسلامي من أزمة عندما تختل معالجة أي ركن من الأركان الستة التي يمكن استخلاصها من التعريف، ومن بين هذه الأركان الستة ركن يستحق الوقوف عنده بقدر عال من التأمل، ألا وهو تأثير المرجعية الإسلامية على حضور الآخر في هذا الخطاب.

ومن خلال التعريف السابق يمكننا أن نحدد أهمية حضور الآخر في الخطاب الإسلامي. فحضور الآخر هو سبب وجود الخطاب، أي خطاب. فالدلالة اللغوية المباشرة للفعل الرباعي "خاطب" تفترض حضور الآخر، وإلا أصبح التدفق الاتصالي لا معنى له، أو كان بغرض التوجيه الإعلامي أو التلاعب بالعقول.

ويمكننا الحديث عن ثلاثة أهداف من وراء حضور الآخر في الخطاب الإسلامي، ألا وهي:

أ - فالخطاب الإسلامي قد يستهدف الآخر من خلال حث شركاء الخطاب على التواصل معه والالتقاء معه في علاقة تسوية تتيح للجميع العيش، على النحو الذي يتم في إطاره تشغيل الخطاب الإسلامي الوسط.

ب - كما أن الآخر قد يكون مستهدفا من الخطاب في مساحة وجدانية أخرى، كأن يكون الآخر محددا في الخطاب كعدو مستهدف ينبغي تجميع شركاء الخطاب وحلفائه المحتملين لمواجهته والقضاء عليه، وذلك كمثل الموقف من الاحتلال الإسرائيلي بفلسطين.
جـ - والأهم من هاتين الصورتين أن الخطاب الإسلامي قد يكون خطابًا تنمويا، فيستهدف تجميع شركاء الخطاب مع الآخر بصورة إيجابية، وحشد الطرفين وتعبئتهما خلف المشروع التنموي الذي يحمله الخطاب أو يؤيده، وفي هذا الإطار يستهدف الخطاب تصفية الخلافات مع الآخر الوطني، وتسوية المشكلات معه، تمهيدًا للالتقاء معًا حول مشروع قومي يحتاج جهود الجميع بلا خصم من الرصيد الوطني وبغير نفي أو إقصاء. فالنماء على صعيد كل قطر مسلم على حده هو إضافة لعموم العمق الإستراتيجي الإسلامي. وآن الأوان – في هذا الصدد – لكي نهمل الرأي الذي يعتبر الاهتمام القطري نوع من العصبية القومية المقيتة. أن تآكل قوة الأقطار العربية كل على حده هو السر في تهاونها في تنفيذ حق التوحد والتكامل. فهو ما يتيح لعدوها الانفراد بها، في الوقت الذي لا تستطيع فيه اللجوء لقوة إسلامية لحمايتها لأنه لا توجد قوة إسلامية قادرة على النهوض بذاتها.

إن هذه الحالة لأخيرة من حالات الخطاب هي التي نهتم بها أيما اهتمام، وذلك لحاجة دولنا العربية الإسلامية لتجاوز علاقات الإقصاء والخصم من الرصيد الوطني، سعيا نحو تكتيل كل القوى الممكنة لتحقيق الطموحات القطرية التي تصب في النهاية في مجمل رصيد الأمة من ركائز القوة. وفي هذا الإطار نؤكد على ضرورة عدم خصم القوى الإسلامية من رصيد العمل الوطني، حيث تتسم هذه القوى بقدرتها التعبوية العالية لأسباب عدة، وهو ما يستدعي عدم خصمها من الرصيد الوطني، وعدم تجاهل قدرتها على رصد تعبئة عالية خلف المشروع التنموي الذي بات ضروريًا – وفق خصوصية - لأية دولة عربية وإسلامية. كما ندعو القوى الإسلامية لحسن قراءة معطيات الإسلام، وإعادة صياغة خطاباتها المتعددة لتصب في صالح أوطاننا العربية والإسلامية ولا تشتتها وتشرذمها: "وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ.." (الأنفال: 46).


العقيدة وحضور الآخر

الفرضية الأساسية التي نعرض لها هنا تتمثل في أن إسلامية الخطاب لا تعني ضرورة أن يكون المكون العقدي فيه متمتعا بوزن نسبي يفوق المكون الاجتماعي لهذا الخطاب. فالوزن النسبي الأمثل للعقيدة يتمثل في كونها ضابطا للخطاب وليست أصل الخطاب. وزيادة المكون العقدي عن حده الطبيعي تؤدي إلى جعل بنية الخطاب صدامية وإقصائية، مما يؤدي لتقليص الحضور الإيجابي للآخر في الخطاب الإسلامي، ومن ثم تتقلص فرص تأسيس واستكمال خطاب تنموي إسلامي إيجابي قادر على مجابهة تحديات المشروع النهضوي عبر تجميع شتات الأمة.

ومن المهم أيضا أن نشير إلى أمر بالغ الأهمية، ألا وهو علاقة الآخر بالوطن. ونحن هنا نتحدث عن الآخر العقيدي والفكري والأيديولوجي الذي يعيش معنا نفس هموم أوطاننا وأحلامها ويحمل جنسيتها. فهذا الآخر شريك لنا في بناء الوطن، ينعم برفاهيته، ويشقى بتراجعه، ولا مفر – إن أردنا لأوطاننا التقدم أن نعتبر الجميع شركاء. فما حصاد أن يتقاتل الإسلاميون فيما بينهم إلا ضعف الوطن، وما حصاد أن يتنافى المسلم والعلماني ويقصي كل منهما الآخر إلا انهيار الوطن. نحن لا ندعو لترك الدعوة والتبليغ وحمل الرسالة، لكن هذا الخطاب الدعوي له مجاله والخطاب السياسي له مجاله. وجدوى الفصل بين الخطابين محل ورقة أخرى أكثر تفصيلا، لكن الخطاب السياسي يجب أن ينبذ الإقصاء لإحياء فريضة نماء الأوطان العربية والإسلامية. وهذا لعله يفسر مشهد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي، برغم أنه قاتل يهود بني قينقاع وقريظة والنضير. فمتى أمنت بلاد المسلمين الفتنة وجب عليهم استيعاب جميع الفرقاء بسبيل تقوية البلد. وعليه، لابد وأن يعود المكون العقدي في الخطاب الإسلامي لوزنه النسبي الأمثل، فيكون ضابطا للخطاب ولا يكون هو جل محتوى هذا الخطاب. والضبط هنا يعني عدم مخالفة الخطاب لأحكام الله الواردة في كتابه وسنة رسوله.

لقد علق الأستاذ الشهيد سيد قطب على الفصل بين الدين والدولة مسميا إياه بالفصام النكد، ونحن نشير إلى أن الإبدال بوضع العقيدة محل الشريعة هو الإبدال النكد. ومن نتائج هذا الإبدال أن وجدنا قلة من الحركات الإسلامية في بعض البلاد العربية تؤسس لتيار يعتبر المسلم – فضلا عن غير المسلم – كافرا يستحق أن نتوجه له بالدعوة لتصحيح العقيدة، ومن لا يستجيب كانت تواجهه اعتبارات الكفر واستحلال الدم والمال. وتحول بعض أعضاء الجماعات الإسلامية إلى لصوص وقتلة وهم المنوط بهم عصمة دم المسلم وعرضه وماله. وشجون الحديث في هذه المساحة كثيرة ومريرة، والأفضل أن نتجاوزها. والخلاصة أن ارتفاع نسبة تمثيل العقيدة في الخطاب الإسلامي عن حد تحديد المرجعية وضبط الوجهة، يعد من قبيل تحميل الخطاب الإسلامي ما لا يطيق، والتجاوز به عن المساحة التي يجيد التفاعل فيها إلى مساحة لا يملك فيها شيئا، ناهيك عن أنه قد يقود إلى نتائج مدمرة.


مساحة ليست للعقيدة

في مجتمع متعدد الملل والطوائف، وليكن هذا المجتمع مسلمًا – لكي نقدر المصالح والمفاسد بقدرها - تفيد الدعوة من خلال العقيدة في دفع المسلم الملتزم للتمسك بتعاليم وشعائر دينه، وعدم التفريط فيها، وهذا هو الأساس الذي أسلفنا الحديث عنه. وفي بعض حالات الانكسار الحضاري قام العلماء بمد نطاق العقيدة لتلك المساحات التي تشهد ولع المغلوب بتقليد الغالب، كالملبس والمأكل ولغة الحديث.. إلخ، على نحو ما فعل الإمام ابن تيمية في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم".

تلك هي المساحة التي يحسن فيها إعمال العقيدة، ولنفترض أن هذا المجتمع يواجه تحديات إصلاح ضخمة وعقبات تنموية جسيمة؛ فهل ننتج خطابا إسلاميا لمواجهة هذه التحديات وإزالة تلك العقبات، أم ننتج خطابًا يذكرنا بتعدد الملل وتفرق الطوائف وعداء هذه الطوائف وهذه الملل لبعضها البعض وتناحرها وتطاحنها، وننسى أننا جميعا في وطن واحد، إن مسه ضر أصاب الجميع قرحه، وإن مسه خير اطمأن الجميع به؟ أي الخطابين يصلح لإدارة الأزمة ومواجهة التحدي؟

من هنا نعلم.. هذه الكلمة رد بها فضيلة الشيخ الجليل محمد الغزالي على من حاول تصوير الإسلام باعتباره تفريق للأمم القطرية ومفوت للمصلحة الوطنية، حيث أوضح الشيخ ضرورة احترام الدين الذي لن يكون عامل توحيد وتجميع لطاقات الأمة إلا في إطار الاحترام الأعم لمقدسات الأمة. ونحن نؤيد فضيلة الشيخ محمد الغزالي مضيفين أن العقيدة يأتي تدريسها لصيانة دين المسلم وشريعته، وليس لسلخه عن وطنه، ولا تصبح العقيدة وسيلة للصدام إلا في حال مهاجمة الدين. ومن يصر على هدم أوطاننا فليصر على مهاجمة دين غالبية سكان هذه الأوطان، ومن يتعفف عن ذلك يعفه الله.