خواطر عن المجال العام في مصر..

2006-12-25

التطوع الإليكتروني.. مهارات إدارة المنتديات على الإنترنت.. حوار مع إسلام أونلاين.نت


بيانات الحوار

اسم الضيف: الأستاذ وسام فؤاد: ناشط بالإنترنت ومهتم بالشأن التطوعي العربي
موضوع الحوار: مهارات إدارة المنتديات على الإنترنت
اليوم: الاثنين،التاريخ: 2006/12/25
الوقت:
مكة من... 13:00...إلى... 15:00
غرينتش من... 10:00...إلى...12:00


زكريا - البحرين

السؤال: السلام عليكم..

فقط أردت التأكد من وجودكم هنا؟ فأنا أول مره أكون فى الحوار الحي ولا أرى إلا موقع إدخال الأسئلة؟

الإجابة: الأخ الفاضل..

ترغب إدارة الدورة في تخصيص الحوار لمشتركي الدورة فقط. وهذا ما يجعل هناك خصوصية في ظهوره على الصفحة الرئيسية للموقع.

ولكن بصفة عامة، يمكن متابعة أي حوار أثناء إجرائه بالدخول على صفحة الحوارات الجارية، وبعد انتهائه يمكن العثور عليه في صفحة الحوارات الحديثة. وبعد شهر من تاريخ إجراء الحوار يمكن متابعته من خلال صفحة أرشيف الحوارات..

وأريد أن أنبهكم إلى أني أفتح الباب أمام التساؤلات عن كل أدوات الإنترنت، وسأجيب عليها بحسب علمي.

وتقبلوا عميق تقديري،، وسام..


أم سمية

السؤال: السلام عليكم..

أنا عندي مشكلة.. فانا قليلة الخبرة في المنتديات، وأريد أن أتعلم. ماذا أفعل؟

أفيدوني يكرمكم الله، ولا تنسوني من صالح دعواتكم..

الإجابة: أختنا الفاضلة أم سمية..

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته..

نسأل الله تعالى ألا يجعل قلة الخبرة معوقا، سواء يعوقنا عن خوض التجربة، أو يعوقنا عن التعلم واكتساب الخبرة من باب التدريب الإليكتروني.

أنا أريد أن أنبهك لضرورة خوض التجربة.. وهذه من المتع التي يجنيها الفرد من جهود التطوع، أنك تعرفين الجديد، وتجربين الجديد، وتتعلمي من التجربة والخطأ أكثر مما تتعلميه من التدريب أحيانا.

المنتديات عبارة عن مجتمعات تشبه المجتمعات الحقيقية. فكأنك في هذه المنتديات تتحدثي إلى زميلة لك، وتناقشينها في موضوع يهمكما، وتتجادلان وتقدمان الحجج. وقد تتحول الجلسة بينكما إلى نوع من السمر والتحاور من أجل الترفيه. وقد تخالفك صديقتك بالرأي في موضوع ترينه من أهم الموضوعات والقضايا التي يؤدي دعمك له إلى شعورك بأن لحياتك معنى حقيقي. فتبداي في الإعداد لمناصرة قضيتك بما تتيحه المنتديات من إمكانات توظيف ملفات صوت وصورة وفيديو ونصوص.. إلخ.

أما عن خبرة التعلم التي طلبتيها، فلا يمكن أن أقول لك كل ما أعرفه، فهذا جهد كبير. لكن دعينا نؤكد على أن المنتديات هي حالة نقاش. فكما تناقشين سمية وأباها، وكما تناقشين صديقاتك ينبغي أن تناقشي المشتركين بأي منتدى تزورينه، بالشكل الذي يحقق الهدف من زيارتك.

فإذا كنت تزورين المنتدى للتعارف، فتوددي لزائراته، وإن كنت تزورينه لتقويمه، فيمكنك الدخول بدون أن تظهري، وهي خاصية تتيحها بعض المنتديات، وإن كنتي تدخلين لتدافعي عن قضية ما، فلتبدأي بالبحث عن الباب المتخصص أو القضية من خلال محرك بحث المنتدى، ثم فلتشرعي في إنجاز ما دخلت المنتدي لاجله.

ولعل بقية الأسئلة تضيف لخبراتك.


ابراهيم ابو صالح - مصر
الوظيفة:
طالب

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لدي فى المنتدى حالة من ركود الأعضاء علما باننا نقوم بعمل اكثر من شئ لجذبهم وقمنا بعمل اسبوع للجهاد تضامنا مع فلسطين ولبنان ولكن التفاعل ليس بقوي.. كذلك فعلنا مدرسة للعلوم الشرعية بشكل جديد وجميل ولكن الاعضاء لم يتفاعل معنا الا الأعضاء النشطين فقط مع أننا نقوم بحملة ميلات ودعاية..إلخ. فكيف التغلب على هذا الركود؟

الإجابة: الأخ الفاضل إبراهيم..

السلام عليكم ورحمة الله..

بداية، أشكر لك جهدك، وأتمنى من الله سبحانه وتعالى أن يجعله في ميزان حسناتك..

وبعد،،

سؤال الممارسة من أمتع الأسئلة. وضعف الإقبال من الزوار قد يكون له من وجهة نظري عدة أسباب:

أ - قد يكون لديك سياسة تتمثل في الرقابة الصارمة على ما يكتبه زوار منتداك، وهذا من اكثر ما يزعج ناشطي الإنترنت.

ب - قد تكون أنشطتك مبتكرة، لكن طريقة عرضها وتقديمها بحاجة لبعض الحيوية، من صور أو مسابقات، أو مهارات صحافية مما يتضمن العناوين الساخنة، وعرض الفقرات من المواد المكتوبة.

جـ - هناك أيضا اخي الغالي عيب أنا أراه من أكبر العيوب في المنتديات هذه الأيام. فهناك عدد كبير من المنتديات، وكل يوم على بريدي الخاص أجد منتدى جديد يرسل لي قائمة بموضوعات ساخنة وحية. كنت قديما أهتم لمنتدى جديد يدعوني لزيارته، لكن الآن لم أعد كذلك.

د - كشأن أي مجال، فالتطوع في مجال المنتديات يشهد منافسة كذلك. والمنافسة في بعض الأحيان تكون شرسة، وبخاصة مع دخول منتديات جديدة للساحة هدفها الترويج، لكنهم لا يعلنون هذا. ومعنى ان لدينا منتدى للترويج ان هناك على الأقل محترف واحد يشارك فيه.

هـ - قد يكون شكل منتداك غير جذاب، وقد تكون ألوانه غير ملائمة. ولا تظن أن هذه الأمور بسيطة. أنا ألون ماسنجري باللون الذي يناسب حالتي النفسية كل يوم، وهو ما يعني أن البعض يجدون مسائل الألوان في غاية الأهمية.

أما عن سؤالك: كيف أتغلب على هذا الركود، فالإجابة عليه تلقائية. ابحث عن عيبك فيما سلف وعددنا من أسباب الركود. فإن لم تجد سببا أنا ذكرته، حاول أن تبحث عن سبب، فإذا وجدت فعالجه.

ليس هناك داع لان تجعل المنتدى شخصي جدا. تكلم مع من يشاطرونك رؤاك وأفكارك لعلك تجد فيهم متطوعا موهوبا أو محترفا في مجال التسويق أو الصحافة.. إلخ.

ولكي أشجعك اكثر أريد أن أنبهك إلى أن كل مشارك معك سيأخذ اجرا، وستأخذ أجا إضافيا في ميزان حسناتك بسببه.

كما أن التطوع بخلاف العمل، فلن يأتي أخ لك قبل التطوع معك فيأخذ منك منتداك. وحتى لو اخذه، ففلسفة التطوع والإتاحة على الإنترنت تجعل بإمكانك أن تبدع أفضل مما أبدعت من قبل..

ابذل جهدا لترقية تطوعك ترقى عند الله..


عائشة - الأردن

السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

ما مواصفات المنتدى الناجح؟ وما مواصفات العضو الناجح؟ وماآفات المنتديات؟

الإجابة: وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته..

أولا: مواصفات المنتدى الناجح:

أ - الجودة الشكلية: وتعني بذل الجهد في تنظيم شكل المنتدى: الألوان، الخطوط، اللمسات الفنية.

ب - أن يكون ثمة ترقية مستدامة للمنتدى للإصدارات الاحدث، طالما أن هذه الإصدارات توفر مزيد إمكانيات. هذا بالإضافة إلى تأمين المنتدى تقنيا حماية له من القرصنة وزرع الفيروسات.

ج - ألا تكون قوانين المنتدى مكبلة لحرية التعبير.

د - أن تكون قواعد التعامل مع المنتدى منضبطة لفظيا، ولا تحتمل أكثر من معنى.

هـ - أن يكون إنشاء المنتدى تلقائي من دون إرسال رسالة تنشيط للبريد الخاص لطالب الاشتراك، مما يؤدي لتعطيل الاشتراك.

و - أن يحسن المشرف العام انتخاب مشرفي الأبواب الفرعية.

ز - أن تكون ثمة سعة صدر وتنبيهات لطيفة مع الأعضاء لو حدثت تجاوزات، ويكون رد الفعل بحسب التجاوز من دون إفراط أو تفريط.

ح - الإدارة الذاتية للمنتديات، على نحو يجعل الزوار والمشتركين يشعرون وكأنهم أصحاب المنتدى.

ط - التميز في أسلوب وطريقة عرض القضايا والموضوعات، وليس فقط تقليد المنتديات الأخرى البارزة.


ثانيا: مواصفات العضو الناجح بالمنتدى:

أ - هو العضو الذي لا يكتفي بكتابة تعليقات ساذجة على قضايا كثيرة، بل يقرأ ويكون وجهة نظر، ويتداولها مع أعضاء المنتدى.

ب - هو العضو الذي يتجه دوما بمداخلاته نحو وجهات إيجابية، غير سلبية وغير عدائية

جـ - العضو الذي يكون لديه هدف محدد أو مجموعة أهداف محددة يعيها جيدا، ويتوجه إليها بتركيز من دون أن يغرق في تدفق المداخلات بالمنتدى.

د - العضو الذي يخلو من عيوب النقاش، كالغضب، واتهام أصحاب الرأي الآخر، والحرص على تسفيه الرأي الذي يخالفه.

هـ - العضو الناجح بالمنتدى هو الذي يشارك بفعالية في مجاملة زملائه ومتابعة أحوالهم.

و - هو الذي لا يكتفي بأن يبادر بطرح قضايا الاهتمام، بل يبادر بمشاركة مشرفي المنتدى في توجيههم لصالح المنتدى، فينبه للنقولات، وينبه لسذاجة أسلوب العرض.. إلخ، لكن بلغة مهذبة.

ز - هو أيضا العضو الذي لا يضيع وقته على الإنترنت في الإجابة على ردود غاضبة على مداخلاته من دون أن يقدم بهذه الردود قيمة مضافة.

ثالثا: آفات المنتديات:

أ - الإلهاء عن الواجبات الأساسية: الصلاة والعمل والأولويات عموما.

ب - النقل من دون إشارة.

جـ - تقليد المنتديات الأخرى من دون إبداع.

د - كثرة الرسائل التنبيهية التي تصل لدرجة الاختناق.

هـ - استغلال الزوار في الإعلانات غير المباشرة.

و - التضييق على الزوار في الآراء.

ز - عدم صيانة المنتدى وحمايته وتأمينه.

هذا ما يحضر بذهني الآن، وهو قاعدة جيدة للبناء عليها.


هاني إسماعيل - مصر

السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: الأستاذ العزيز وسام فؤاد:

هل ترى من ضرورة حيادية المشرف في الموضوعات التي يطرحها من خلال المنتدى وأن يقتصر دوره على توجيه دفة الحوار والالتزام بآدابه.. أم ترى أنه يمكن أن يكون المشرف كسائر الأعضاء يعبر عن رأيه ويرجح رأيا عن رأي آخر ويتحمس له ويدافع عنه؟ من خلال خبرتكم أريد أن أعرف أي الوسيلتين أفضل وأثرى للمنتدى؟

الإجابة: الأستاذ هاني..

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته..

تسعدني مداخلاتك بالدورة: بما فيها من أسئلتك وإشاراتك التي أراها تفيد المتدربين كما تفيد المدربين.

بداية: المشرف عضو قبل أن يكون مشرفا. له كل حقوق الأعضاء أولا، ثم مزيد حقوق تتعلق بالتنظيم والتجويد.

أما عن توجيه دفة الحوار والتنبيه على الآداب المرعية، فهذه أمور يقوم بها زوار المنتدى كما يقوم بها المشرف في كثير من الأحيان.

فكون المشرف عضوا مشاركا وفعالا، فهذا مما يثري المنتدى إن كانت الآراء التي ترد المنتدى غير راي المشرف. غير أن ما يرفع الروح المعنوية للمشتركين، ومنهم أنا في الغالب، أن أرى مشرف المنتدى رأيه كرأيي سواء في المعاملة، من دون تميز له بسبب كونه مشرفا. فهذا يعزز الثقة.

وأنا رأيي أن مصدر تميز مشرفي المنتديات أنهم يقومون بتنفيذ إرادات الاعضاء في المنتدى. فلو اتفق الأعضاء على سلاطة لسان عضو يمنعه المشرف، وإذا اتفق الأعضاء على أن عضوا يسرق مداخلاتهم من دون إشارة فليوقفه المشرف.. إلخ.

أما أن نتصور مشرف المنتدى وكانه مالك العزبة، فالإنترنت ملأى بالمنتديات الطيبة.


أحمد نصر

السؤال: كيف هي الطريقة الأمثل لاختيار مشرفي المنتديات في رأي الأستاذ وسام؟..هل بالتعيين المباشر أم الانتخاب عن طريق الأعضاء؟

الإجابة: أهلا بالأستاذ أحمد نصر..

كما قلت لك من قبل.. يبدو أني أصبحت لا أرد على مداخلات احد بالدورة إلا مداخلات أحمد نصر لامتلائها بالأسئلة النفيسة..

في ردي على سؤالك.. لدي أمرين هامين لاقولهما، واستدراك ثالث لابد منه.

أول الامرين: نحن في حاجة لتعميق ثقافة الانتخاب بحياتنا. وأي مؤسسة غير اقتصادية تخلو من ظاهرة انتخابية لمناصبها من بين الأكفاء والمتميزين أراها مؤسسة فاشلة وقاصرة عن تلبية طموحات أمتنا على صعيد الثقافة قبل أي صعيد آخر.

وأنا قلت مؤسسة غير اقتصادية، لأن المؤسسات الاقتصادية يكون التوريث فيها عنصر أساسي. أما بقية المؤسسات العامة فليست ملكية خاصة حتى نتعامل معها بمنطق التوريث وتجلياته المختلفة، حتى وإن حملت أسماء جديدة.

الأمر الثاني: أنا أرى أن أفضل سبيل لتسمية المشرفين، يكون عن طريق "الانتخاب" من بين "الأكفاء".

أما الاستدراك، فهو أن بعض المنتديات قد تكون منتديات موجهة فكريا، أو صاخبة اتجاه، تعبر عن فكر معين. ففي الغالب لن تجد انتخابات في مثل هذه المنتديات، ولو حدث تغيير فسيكون في صورة تداول ليس إلا.

كما أن بعض المنتديات منشئ لغرض الدعاية، وفي الغالب يقوم عليه موظف.


مروان عبد السلام - إيطاليا

السؤال: بما تنصحني في أولى تجاربي لإدارة المنتديات؟ حيث إني سأكون مديرا لإحداها خلال أيام..

وشكرا لكم..

الإجابة: أولا: بارك الله لك في جهدك وجعله في ميزان حسناتك.

ثانيا: في إجابة سؤال أختنا شرحنا أمورا كثيرة، عن المنتدى الفاضل، والعضو الفاضل. وكذلك في سائر الأجوبة تحدثنا عن المشرف الفاضل. أرجو أن تتكرم بمراجعتها.

ثالثا: لو لديك سؤال محدد أرسله لي.


مهند - مصر

السؤال: الاستاذ الفاضل وسام.. تحياتي لك ولجميع العاملين في الشبكة..

في ضوء خبرتك في هذا المجال، ماهي المشاكل التي يمكن أن تعيق العمل في المنتدى؟

وبالنسبة للوقت، فما هو الوقت الذي يحتاج الإنسان أن يقضيه لإنجاح هذا المنتدى؟

الإجابة: الأخ الفاضل مهند..

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته..

أسرة إسلام أونلاين.نت تهديك تحية بمقدار حرارة عاطفتك النبيلة تجاه أعضاء الأسرة.

المشاكل التي تعيق العمل في المنتدى نوعان:

أولا: معوقات تقنية: كقدم إصدار المنتدى، وعدم تأمين المنتدى، وحدوث مشكلات في سبل الاتصال بالإنترنت، سواء بالنسبة لمشترك او للمشرف، فضلا عن أعطال الطاقة.

ثانيا: معوقات إدارية: من قبيل أن يكون المشرف العام مفرطا في الصرامة، أو أن يكون فريق المشرفين غير متجانس أو متوافق، وأن تقل دورة تغيير المشرفين، وأن يكثر تدخل المشرفين بغير داع حقيقي في المداخلات، وأن يكون صدر المشرف ضيقا حيال المناقشات والجدال حول قرار اتخذه.

ثالثا: انتسابية: وهي تتعلق أساسا بالمشتركين وأعضاء المنتديات، حيث تتمثل مشكلاتهم في عدم الالتزام بقواعد المنتدى، وافتعال المشكلات، وتحميل الفيروسات.. إلخ.


أما عن سؤالك الثاني حول الوقت الذي يحتاجه الإنسان أن يقضية لانجاح المنتدي، فأنا لم أفهمه جيدا. هل تقصد كم سيطول ركود المنتدى حتى ينشط أم تقصد كم تبذل من الساعات اليومية لإنجاحه.

فلو كنت تقصد مدة الركود قبل النجاح، فذلك يعتمد على قدراتك التسويقية، وهي ما أرغب أن أتركه لسؤال تال.

وأما إن كنت تقصد عدد الساعات فأنا انصحك بمنهج التفويض والشراكة، حيث تنتقي من يساعدك في إدارة المنتدى. وهذا هو الطريق الطبيعي، لان المنتدى كالطفل الوليد يحتاج رعاية 24 ساعة.


مصطفى - الجزائر
الوظيفة: مهندس كمبيوتر

السلام عليكم..

أود المشاركة في هذه الدورة الافتراضية المقامة على الموقع. كيف يمكنني ذلك؟

الإجابة: تابع إعلاناتنا عن الدورات القادمة، وأظن أن ثمة دورة ستكون بعد عيد الفطر إن شاء الله.


أحمد عبد الواحد - مصر
الوظيفة:
طالب

السلام عليكم أستاذ وسام..

نحن نتحدث عن المنتديات كأداة بيد المتطوع إلكترونيا. حضرتك ذكرت مهارات إدارة المنتديات والمشاركة فيها لكن كيف يستفيد المتطوع فعليا من هذه الأداة؟ (مهارات عرض المادة العلمية)..

الإجابة: وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته..

أنا أفهم من هذ الإجابة أخي العزيز أنك تسال عن كيفية القيام بمداخلات متعددة الأغراض.

فلو أن ما تريد أن تداخل به نص فهناك مربع نص.

ولو كان ما تريد أن تعممه ملف، أيا كان تنسيق هذا الملف، فهناك إمكانية التحميل.

ولو أن ما تريد أن تعرضه رابط أو صورة على الإنترنت أو ملف فيديو على الإنترنت أو ملف صوت، فهناك إمكانية تحميل ملفات صوت وصورة من على الإنترنت.

أنا أقصد أن المنتديات كأداة كل إمكانياتها متاحة. ولا يتبقى إلا أن أشير إليك عليها بإصابعي.

لو أن ما تقصده من سؤالك بخلاف هذا فأعد إدخال سؤال جديد.


ابراهيم ابو صالح - مصر
الوظيفة:
طالب

هل الأفضل أن أقسم الأعضاء عندى فى المنتدى الى مجموعات عمل.. بمعنى كل ركن يبقى له مجموعه من الأعضاء يتابعهم المشرف ويفكروا فى مشروع للركن.. وكذلك يقوم المشرف بتتبعهم ومراسلتهم عن قرب.. أم الأفضل أن يكون كما يريد هو.. أنا أود أيهما أفيد ويوجد روح المنافسة..

وشكر الله لكم..

الإجابة: المنافسة في المنتديات يشعلها أحد ثلاثة أمور:

أ - أن يكون تميز أحد الأعضاء بارز لدرجة إثارة الغيرة الطبيعية.

ب - أن تتدخل كمشرف لتفتح باب المنافسة من خلال ذكر اسم عضو في مداخلتك واقتباس كلمات من نصه، مشيدا به.

جـ - أن يقوم بعض المشتركين بالإشادة بجهود عضو معين.

الإنسان الطبيعي يغار عندما يتقدم عليه منافس في المجال الذي يهتم به. هذه الأمور كفيلة بإشعال نار المنافسة الحميدة.

ويمكن توجيه هذه المنافسة بأقل مجهود، سواء في بناء مشروع للركن أو في التفنن في إشعال نار المداخلات.

بقي بعد ذلك أمران:

أولهما أن تتدخل بحزم لإخماد نار المنافسة غير المشروعة.

ثانيهما أن تنسى أنك تستطيع التحكم بأعضاء المنتدى كما لو كانوا أطفالا. وحتى لو كانوا اطفالا.. أفسح المجال لشخصيتهم لتنمو..

ملحوظة أخي الحبيب: لعل وصايتك هذه هي التي تسبب ركود المنتدى.


ابراهيم ابو صالح - مصر
الوظيفة:
طالب

منتداى بقى له قرابة العام مدشن، ولله الحمد قمنا بعمل جيد والفضل لله تعالى..

أود أن أسال: هل التبادل الاعلانى مع المنتديات الأخرى يفيد فى هذا الوقت أم أنتظر إلى أن يشتد عود المنتدى.. وأنا أقوم بعمل حملات للميلات وكده ونشره على الغرف الإسلامية..

الإجابة: تريد أن تتكلم في الإعلان.. ينبغي عليك في البداية توفير محتوى متميز ليتم الربط عليه.

يمكنك بعد ذلك أن تقوم بمداخلات في المنتديات الأخرى، وتوفر روابط للموضوعات المشابهة على منتداك.

الحملات البريدية مهمة، لكن لا تكثر منها لأن البريد يمكن بمنتهى البساطة إضافته للبريد المزعج في أي برنامج بريدي.

التبادل الإعلاني هام، وبخاصة لو كان من تبادله له صدقية وقوة وتميز. وعليك أن تحرص على توفير ميزة تمكنك من إنجاز هذا التبادل.

لا تنس المجموعات البريدية وأهميتها.

أنا أعلم أن ما ساخبرك إياه تاليا امر يخص الأذواق. لكن أنا أنصحك في البداية بتغيير اسم منتداك لاسم أكثر جاذبية وأقل رمزية.

سامحني.. عندما أحرر سؤالك لن أتمكن من نشر اسم منتداك ورابطه.. ولم يكن يجدر أن ترسل لي اسمه وعنوانه.. خاصة وأن سؤالك عن التبادل الإعلاني..


ام سمية - مصر
الوظيفة: ربة منزل

السلام عليكم..

اشكركم جزيل الشكر علي هذا المجهود الجبار اسأل الله ان ينفع بهذا العلم الاسلام والمسلمين..

شرحتم كيفية عمل قوائم لردية ولم تشرحو كيفية عمل منتديات. لماذا؟

نحن لا نعرف شيء عن تأسيس المنتديات.

نريد معرفة المزيد عنها..

وشكرا..

الإجابة: الأخت الفاضلة أم سمية.. السلام عليكم ورحمة الله مجددا..

أختنا: المنتدى يتطلب الآتي:

1 - برنامج: هناك برامج مجانية نعم، لكنها ضعيفة وتحتاج لتطوير. ولو معك مهندسة برمجيات سيوفر عليكي شراء برنامج.

2 - سيرفر لاستضافة المنتدى. حيث لا يمكن استضافته على رابط مجموعة بريدية أو بلوج أو حتى موقع مجاني، باستثناء المواقع التي توفر منتديات مجانية، وغالبيتها أجنبية.

3 - الأهم من ذلك كله أنك ستكونين بحاجة لتأمين هذا المنتدى، وإلا فإن المخترقون سيدمرونه أو يسرقونه او يحولونه لمنتدى غير لائق.

لو تمكنتي من تحمل تكلفة هذه المكونات الثلاثة جهزي فريق عمل على مدار الساعة (24 ساعة) ويمكنك أن تستعيني بأخ فاضل يرسم لك جرافيك المنتدى ويحمله بالبرنامج ويبثه.

لهذا التعقيد لم نتحدث عن بناء المنتديات.


أحمد نصر

السؤال: في النهاية كيف يقيم الأستاذ وسام تأثير المنتديات العربية عموما في توجيه فكر الشباب العربي؟ أتكلم عن جيل الشباب تحديدا :)

الإجابة: أ. أحمد..

المنتديات.. مجتمعات افتراضية.. وما تفعله في المجتمعات الحقيقية يؤدي لتغييرات حقيقية، أما ما تفعله في المنتديات فيؤدي لتغييرات تحتاج لتبسيط.

المنتديات تقوم بتوفير إلحاح إعلامي، ونقاش، يؤدي إلى عدة أمور:

أ - قد يؤدي لتحول في تفكير بعض الشرائح الشبابية.

ب - قد يؤدي لتقارب في تفكير الأطراف المتناقضة من جهة الوسائل وإمكانات التحالف.

جـ - قد تؤدي جهود المنتديات لتوفير الرغبة في مباشرة التغيير على أرض الواقع.

لكن هذا الذي سبق لا يعني إمكانية حدوث أي تغير على مستوى الواقع الحقيقي. فالتغير في التوجه قد يحدث ويولد رغبة لدى الشباب. لكن هذه الرغبة تلزمها إرادة لتتبلور من المجتمع الافتراضي للمجتمع الحقيقي.

ولا أخفيك سرا أخي الفاضل إن قلت لك إني أخشى من أن تؤدي التعبئة الزائدة وجدانيا على الإنترنت إلى تنفيس مشاعر الناس، مما يؤدي لعدم حدوث أية تغيرات في الواقع الحقيقي كما حدثت في الواقع الافتراضي.

وحده الحوار العاقل هو الذي يؤدي لحدوث توجهات إيجابية على مستوى الواقع الحقيقي.


هاني إسماعيل - مصر
الوظيفة: مدرس

السؤال: هل هناك أستاذي العزيز فرق بين إدراة المنتديات وإدار المدونات؟ وما الفرق الحقيقي بين المنتدى والمدونة حيث أن هناك تشابه شديد بينهما.

الإجابة: الأخ الفاضل هاني..

السلام عليكم ورحمة الله..

كل أدوات الإنترنت متشابهة. لكن المنتديات زهرة هذه الأدوات. فلا توجد أداة تتفوق على إمكانيات المنتديات. والفارق كبير.

قدرة المستخدم على استخدام المنتديات لوضع نصوص أو ملفات صوت وصورة وفيديو وفلاش.. إلخ هي إمكانات غير محدودة. وإمكانية الردود عالية، أما البلوجز فتتفوق في نشر نوع واحد من الملفات، إما نص أو صوت أو صورة، مع توفير إمكانات تعليق محدودة.

ولا أخفيك سرا، أنا أفضل المدونات النصية، ولهذا فخبراتي في المدونات الصوتية والتصويرية ليست على نفس المستوى. فلو قصدت الحديث عن المقارنة بين المنتديات والمدونات النصية، فالمقارنة تنحسم لصالح المنتديات.

لكن في النهاية، الهدف من وراء استخدام الأداة قد يجعل من أداة قاصرة إنجازا كبيرا. فماذا لو أن معك اداة ممتازة تحقق هدفك بنسبة 50% ومعك اداة محدودة الإمكانيات تحقق هدفك بنسبة 100%.

تقبل تقديري،،


هاني إسماعيل - مصر
الوظيفة:
مدرس

السؤال: أي أنواع المنتديات أفضل: المنتديات العامة أم المنتديات الخاصة أو المتخصصة؟ وأيهما أفضل أن يكون أعضاء المنتدى متخصصين وقلة أم غير متخصصين وكثرة؟ وأي الأنواع يكون أيسر في إدارة المنتدى وأثرى له؟

بمعنى أدق الانتشار والعمومية أم التخصص والخصوصية وإن كان على حساب الانتشار..

الإجابة: القاعدة المنطقية وراء التقسيم.. أي تقسيم.. تتمثل في الفرز وفق معايير معينة. وهذه المعايير تختلف باختلاف الأهداف. فنوعية المنتديات التي تلائم هدفا ما قد تختلف عن نوعية المنتديات التي تلائم هدفا آخر مختلف تماما.

نفس القاعدة تنطبق على كل سؤال مما سألته. ولهذا، فإن التخطيط مهم جدا في ربط أهدافك باختياراتك.

الأيسر في الإدارة طبعا هو منتدى المتخصصين. لأن كمية الجهد المبذولة في الضبط ستكون أقل بفارق 50% على الأقل. وكمية الجهد المبذولة في التحرير ستكون أقل بنسبة 80% على الأقل.


أحمد عبد الواحد
السؤال: لقد فهمت أن المنتديات تحتاج إلى وقت. ألا توجد وسيلة أخرى بنفس كفءة المنتدى ولكن تستهلك وقتا أقل؟

الإجابة: أولا.. المنتديات لا تحتاج إلى وقت كبير.

ثانيا: المنتديات تحتاج إلى وقت يكاد يساوي أية وسيلة ثانية، ومال يصل لمائة ضعف أية وسيلة ثانية إن لم يكن أكثر، ومجهود يساوي 24 ضعف أية وسيلة أخرى. فالمنتديات أسميها الأداة التي تفرض جماعية الأداء.

وثالثا: أقرب الأدوات لإمكانية المنتديات، مع فارق شاسع لصالح المنتديات، هي المجموعات البريدية، وبخاصة مجموعات ياهو. وتستهلك وقتا أقل بالطبع.


ام سمية - مصر

السؤال: جزاكم الله خيرا..

أين أعرف المزيد عن كيفية عمل المنتديات؟ ولماذا تتحدثون عن الإدارة ولا تتحدثون عن كيفية عمل المنتديات كما ذكرتم القوائم البريدية؟

الإجابة: الأخت الفاضلة أم سمية..

جزاكم الله من الخير حتى ترتوون.

سؤالك جاء في آخر الحوار.. وغير مفهوم.

هناك كتب بكل الأسواق عن الإنترنت وإمكانياتها، وعن المنتديات وكيفية عملها.

كما أن هناك كتبا مستقلة عن برامج عمل المنتديات.

لو أنك تقصدين الإجابة عن كيفية بناء المنتديات؛ فقد أجبت عن هذا في سؤال سابق.

ولو أنك تسألين عن كيفية وضع المادة على المنتديات، فهذا امر أسهل من المشاركة في هذا الحوار. ادخلي أي منتدى وابحثي عن كلمتين: إضافة موضوع جديد، أو إضافة رد. والبقية لن نتحدث عنها لسهولتها. وستجدين في صفحة الإضافة أزرار كثيرة، ولو وقفتي على كل زر فستظهر لك مساحة نصية تشرح لك هدف هذا الزر. والبقية عندك.

أما لو تقصدين كيفية المشاركة الفعالة، فهذا موضوع لا يمكن أن أجيبك عنه في سؤال، لأن أدبياته بالغة الضخامة. لكن لو هناك سؤال محدد يمكنني أن أجيبك عليه.

بانتظار تساؤلاتك..


ابراهيم ابو صالح
الوظيفة:
طالب

السؤال: حياكم الله أستاذنا الفاضل، وسامحنى على أسئلتي..

انا والله قمت بعمل فكرة تحاكي تليفزيون الواقع، لكن الإقبال ما كان عليها كثير. بالرغم مع أنى قدمت المواد فى شكل جديد. فاود أخذ ملاحظاتكم. برجاء التكرم والدخول على الرابط الذي أرسلته لكم

أخوكم فى الله ابراهيم أبو صالح..

أبو أنس الأزهري..

الإجابة: الأخ الحبيب أبو أنس الأزهري..

لماذا تستحي من أمر أنا هنا لأجل أن أساعدك بصدده؟

أعدك بدراسة المنتدى المذكور، وإفادتك بتقييمي.

لكن لي 3 شروط:

أ - أعد إرسال الموقع لي على بريد الدورة مع تكرار الطلب لكي اتذكر.

ب - سأبدأ الإجابة يوم الأحد بعد الظهر، لأن يوم عملي انتهى، وأنا منهك بسبب هذا الحوار، الذي استغرق قرابة أربعة ساعات ونصف.

جـ - أني سأضطر لحذف عنوان المنتدى من الحوار لحين الإجابة.

وتقبل عميق تقديري،،


ابراهيم ابو صالح - مصر
الوظيفة:
طالب

السؤال: حياكم الله استاذنا الفاضل ونفع الله بكم..

لكنى لا أجد سببا مما قلته حضرتكم ولله الحمد يفسر ركود الزيارة. أنا وجميع فريق الادارة فى المنتدى محبوبين جدا من الأعضاء ونشعر أننا أسرة واحدة، وقمنا بعمل ربط لخيال النت.. بالارض فالتقينا الشباب معا وكان يوما موفقا.. وكذلك البنات التقين واثمر يومهن..

لكنى اسأل عن ركود الأعضاء المسجلين أصلا.. ولو حضرتكم تقوم بزيارة للمنتدى وتعطينى ملاحظات يبقى جزاكم الله خيرا..

وعلى فكرة حضرتك احنا بنعمل لقاء للادارة كل فتره موقتة.. وإن شاء الله هناك جديد قادم.. وقمنا بعمل إذاعة منبقثة عن المنتدى، ودخلها فى يويمن 200 زائر

عذرا على أسئلتى الكثيرة..

الإجابة: الأخ الحبيب أبو أنس الأزهري..

ربنا يبارك في إذاعتكم، وأنا سعيد بهذا الإبداع والتجديد.

نسيت في إجابتي السابقة أن أشير إلى الاعتبارات الظرفية ودورها في ركود المنتديات. فهل كانت الفترة فترة امتحانات، وهل كانت فترة احداث مثيرة، أو غيرها من الاعتبارات الظرفية التي تخطف زوار الإنترنت.

هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية؛ أعدك بدراسة الموقع الثاني الذي أرسلته لي وإفادتك بتقييمي.

لكن لي نفس الشروط الثلاثة:

أ - أعد إرسال الموقع لي على بريد الدورة مع تكرار الطلب لكي أتذكر، لأني كثير النسيان.

ب - سأبدأ الإجابة يوم الأحد بعد الظهر، لأن يوم عملي انتهى، وأنا منهك بسبب هذا الحوار الشديد.

جـ - أني سأضطر لحذف عنوان الموقع من الحوار لحين الإجابة.

وتقبل عميق تقديري،،

وليتقبل كل إخواني وأخواتي عميق تقديري باعتبار أن هذا آخر سؤال ورد للحوار..

2006-11-25

الوزير والمثقفون والحجاب ضد الوطن في مصر




انتهت أزمة الحجاب ظاهريًّا، لكنها لم تنته من ناحية تداعياتها السلبية، أو لنقل إنها لم تنته من حيث كونها تعبيرًا عن أزمة تمس مستقبل وطننا القطري: مصر.

فقد كشفت هذه الأزمة عن أمر سلبي في حياتنا العامة ظننا أننا تجاوزناه، ولكن قدر مصر أن يجرها الفرقاء المثقفون المصريون دومًا لمربع الصفر من مربعات رقعة الإصلاح والنهضة. وبدا أن هذا الاجترار لم يكن عقلانيًّا بحال، حيث لم يصحبه تفكير في أولويات المصلحة الحقيقية للوطن، وبدا كأنما هناك شوق للعودة لمرحلة الاستقطاب، أو أن الجميع كان يود رؤية بعض الدماء تسال في معركة ما من دون التفكير في عواقب هذه المرحلة.


ملامح الأزمة المزمنة


لا أدري هل صارت أزمة مربع الصفر جزءا من شخصية المثقف المصري أم ماذا؟ فكل ما نفعله يشير إلى أننا كلما تقدمنا خطوة أعادنا مثقفونا إلى الوراء خطوات.


فمع تتالي فشل مشروعات التحديث كنا دوما نعيد طرح سؤال الهوية والتاريخ ونُصِرّ على استبعاد ثقافتنا وتاريخنا الإسلاميين. وكلما وصلنا لتوافق مزقناه وعدنا فرقاء متحاربين. وكلما وضعنا تصورًا حول أولويات العمل الوطني وظننا أننا نبني التوافق حوله ظهرت قضية هامشية حركت في مثقفينا بواعث غريبة لا نجدها إلا مطيحة بما توافقنا عليه. دعونا لا نطرح أنموذجًا رمزيًّا نظريًّا بغير أن ندلل عليه بنماذج آنية معاصرة.


فحركة "كفاية" بدأت كمظلة وطنية جمعت تحت كنفها فرقاء يساريين وليبراليين وإسلاميين، لا شك أن الغالبية كانت ذات خلفية يسارية، لكننا استبشرنا خيرًا بتقصيها مصلحة الوطن وتجميع الفرقاء، وظننا أن لها قائمة أولويات قومية، فإذا بها تبدأ في منتصف 2006 بمعاودة طرح قضية العلمانية وإقصاء الدين عن الحالة العامة، برغم أن أغلب الفرقاء فيها يعلمون أن الدين هو الذي حرك الحياة العامة في مصر الآن وقبل ذلك، بما في ذلك خبرة مقاومة الاستعمار وما تلاها.


وبدلاً من أن يستفيدوا بالدين كقوة تعبوية ويحاولوا الاستفادة من الأطروحات التجديدية فيه إذا بهم يطالبون بإقصائه مجددًا، بالرغم من أن هناك أطروحات وسطية تجعل الدين عنصر نهضة وتجميع لا تفريق وتمزيق؛ أعني بذلك أطروحة: "مواطنون لا ذميون" على حد تعبير الأستاذ فهمي هويدي الذي شايعه فيه نخبة عريضة من قادة الفكر والرأي الإسلامي التوجه.


وكانت قضية الحجاب من هذه القضايا. قام وزير بطرح قضية، وبدلاً من أن نضع هذه القضية في حجمها الطبيعي؛ ونلزم خصوم الوطن بضرورة وضع هذه القضية في حجمها الطبيعي إذا بنا نتقاتل ولا نبالي بأولويات وطننا، ولم نفق إلا وخصوم الوطن هم المستفيدون: مزقوا صف قوى العمل الوطني أولاً، واكتسبوا شرعية المدافعة عن الحجاب ثانيًا، كما اكتسبوا شرعية التعقل في إدارة المواجهات ثالثًا.



الخسارة الأولى: انهيار الأولويات


كانت خسائر الوطن من جراء أزمة الحجاب "الفاروقية" جمَّة كما نرى، وكانت خسائر أعداء الوطن صفرًا. كانت مكاسبنا منعدمة، وحصدوا كل المكسب.


لقد أقدمت الدوائر المرتبطة بالحكومة على إشعال هذه المشكلة ابتداء بطرح وزير الثقافة رأيه في الحجاب، وتابعوا إشعال نارها عبر وسائط الإعلام المختلفة: إذاعة وتليفزيون وصحافة، وتدخلوا لإطفاء هذه النار خالعين أردية يهوذا لابسين مسوح المسيح. ولم يكن يعنيهم من الأمر شيء لو خسروا هذه المعركة فبإمكانهم دوما أن يرتبوا فضيحة لوزير ثقافتهم ويقيلوه عقبها، أو حتى يقيلوه بسبب هذه القضية، ولو أني أشك في أن حكومة في هذا العهد تقيل وزيرًا؛ لأنه اعتدى على قيمة تعتز بها الأمة. فعلاً لم يكن ليعنيهم من الأمر شيء لو خسروا، فما بالك مع مكسبهم الجم الذي أوضحناه.


هذا عن حسابات النظام لحركة مكاسبه وخسائره، فماذا عن الحالة العامة العاملة لمصلحة الوطن؟ ماذا كسبت وماذا خسرت؟ لا أكاد أجد تعبيرًا أبلغ عما أحاول التعبير عنه من قوله تعالى: "فاستخف قومه فأطاعوه...".


فأعظم الخسائر التي مُنِي بها العمل الوطني بمصر من جراء هذه الأزمة تتمثل في التعجيل بانهيار ما اعتبرناه بداية تبلور سلم أولويات للمصالح الحقيقية للوطن.


فخلال السنوات الخمس الماضية، وبخاصة بعد بلورة النظام الحاكم لرؤيته حول مصر، باعتبارها إقطاعية خاصة قابلة للتوريث؛ ومنذ ذلك التاريخ بدأنا نلمس جدية في العمل العام بدرجة أو بأخرى تسعى لإقناع المصريين أولاً والنظام الحاكم في مصر ثانيًا بأن مصر ليست إقطاعية أو "عزبة"، وأن عشرين عامًا من الفساد والسرقة وتهريب ثروة البلد للخارج بالتواطؤ لا تعني إمكانية استمرار هذا الوضع أو حتى التغطية عليه عبر باب التوريث.


وبدا أن الجميع متلهف لإنقاذ مصر مما هي مقبلة عليه من مصير مظلم ملامحه وإرهاصاته لا تخفى على أي قارئ عادي للصحف اليومية. وتصورنا أن إنقاذ مصر صار له أولوية قصوى، وأن الجميع يدرك أن الخبرة التاريخية أثبتت للجميع أن التيارات الإسلامية الوسطية هي الأقدر على تعبئة الشارع وراءها، وأن من المفروض علينا جميعًا إتاحة الفرصة أمامها للقيام بهذا الدور التاريخي، مع اجتهاد كل الفصائل الفكرية في الضغط على التيار الإسلامي الرئيسي فيها (جماعة الإخوان المسلمون) من أجل تغليب العنصر التجديدي في داخلها، ودفعه ليتبوأ المكانة التي يستحقها داخل الجماعة، ومن ثَم إتاحة الفرصة لقيادة هذا الكيان التاريخي القوي ليشرك الجميع ويشترك معهم في عملية تطهير الوطن من محاولات العبث به.


يبدو أننا جميعًا توهمنا أن الجميع لديهم هذا الحس، وإذا بهذه الأزمة تكشف الوهم وتبدي الوهن، وتعجل بسقوط قائمة الأولويات، وتعيد أمامنا جميعا شرح قوله تعالى: "فاستخف قومه فأطاعوه..". وهنا تراءت لي خاطرة مفادها أن نص الآية الكامل هو: "فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قومًا فاسقين"؛ هذا النص ربما جعل الاستسلام لتأليه الحكم على حساب تأليه العقل بمثابة نوع من الفسق، فكان الفسق هنا حكمًا بانتفاء العقلانية، وأحسبه كذلك -استلهامًا لروح الشريعة- تعبيرًا عن غياب الحس الوطني العام؛ لما للتأليه من تداعيات مرعبة على حساب الوطن ومصلحته.



الخسارة الثانية: فقدان الثقة فصائليًّا


العنوان دال في ذاته. فثاني أهم الخسائر على الصعيد الوطني أن جميع الفصائل والقوى السياسية التي شاركت في هذه "الزفة الكاذبة" قد فقدت ثقة التيار الإسلامي فيها حول إمكانية العمل المشترك.


فقد بدا من المرحلة المنصرمة من العمل الوطني أن الفصائل السياسية كانت بحاجة لأمرين معًا؛ أولهما: ضرورة بناء حالة ثقة وطنية تسمح للجميع بالاستفادة من الإمكانية التعبوية للتيار الإسلامي؛ للمشاركة الجادة في مرحلة الإصلاح بدلاً من السكون الغريب الذي يلف تنظيم هذا التيار بدافع الحرص عليه وعلى موارده. وثانيهما: أن هذه الثقة وتلك الشراكة مرتبطة بالحرص على دفع هذا التيار ليجدد أطروحاته السياسية بصورة تجاري التجديد الحاصل في عقول المجددين المحسوبين على هوامش هذا التيار (يمينًا ويسارًا)، ودفع المساحات الوسطية المرنة من هذا التيار للاستفادة من هذه الأطروحات التجديدية واستيعابها والتحرك بها بما يعزز التلاحم الوطني الحقيقي.


وبدأت خطوات متئدة لبناء هذه الثقة/ الشراكة وتعزيزها، وكان كل احتكاك يضيف لهذه الثقة/ الشراكة، وكانت مصداقيات ذلك في الأزمات السياسية المختلفة التي شهدتها مصر في عامي 2005 و2006، أزمة المادة الدستورية رقم: 76، وأزمات الانتخابات؛ ومساندة جماعة الإخوان لعدد كبير من المرشحين المحترمين من التيارات الأخرى، وكذا أزمة القضاة، وأزمة الصحفيين.


ولا شك في أن الثقة التي نتحدث عنها لم تكن كيانًا تامًّا مكتملاً في قوامته على سائر الاعتبارات التي تحكم الإسلاميين وغيرهم في مساحة العمل العام، بل كان الأصل في علاقة الشراكة الوطنية غياب الثقة المدعوم بخلفيات تاريخية صراعية، وخلفيات سياسية لا تقوم على تغليب مصالح الوطن فوق مصالح الفصائل.


غير أن المهم بدا آنذاك متمثلاً في إدراك الجميع لضرورة تناسي الخلفيات التاريخية استلهامًا للخبرة السياسية الإيجابية لجيل السبعينيات داخل كافة الفصائل. ولم نكد نشرع حتى جرنا المفرِّطون مجددًا للمربع المشئوم: صفر.


ولا يمكن لأحد أن يلوم التيارات الإسلامية (الوسطية واليمينية) على قيامها بإجراءات مشروعة حقوقيا لمحاسبة الوزير، أو محاولة الدفاع عما تراه من الثوابت التي لا يجوز التفريط فيها أو التلويح والتلميح بالاستهانة بها وبالنظر إليها. فالملام حقيقة هم من شاركوا الوزير المتخبط في رؤاه وأطروحاته.


وقبل أيام كنت أشاهد حديث الدكتورة "نجوى الفوال" مديرة المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية بمصر حول مؤتمر شرم الشيخ لمكافحة الإرهاب (ديسمبر 2006)، ووجدتها محجبة؛ وتساءلت: هل ينظر الوزير المتخبط لهذه السيدة الخبيرة المتمكنة القديرة باعتبارها متخلفة، في الوقت الذي تترأس فيه نخبة من كبار علماء مصر في مجال العلوم الاجتماعية؟ وهل ينظر الممثل حسين فهمي إلى سيدة بهذا القدر؛ تسهم في إدارة التفاعلات العالمية على هذا النحو؛ باعتبارها سيدة معاقة ذهنيًّا؟ وهل قارن المتخبطون وضع بلادهم بالنموذج الإيراني "المحجب" الذي دخل المجال النووي السلمي بتقنية ذاتية وليست مستوردة، كما أنه يجري الجيل الثالث من تجارب الاستنساخ؟


ولن أطيل الحديث في هذا المقام أكثر من هذا، ولكن بدا في هذا المشهد أن الحالة العلمانية لا تقبل التعددية حيال قضية الحجاب، بينما الحالة الإسلامية لا تأبه لحضور هذه القضية على المستوى العام، وإن كانت ترى أن الحجاب فريضة وأن مصر أمة مسلمة.



الخسارة الثالثة: القطيعة مع الجمهور


للمرة الألف نعيد طرح التساؤلات حول أسباب فشل المشروعات القومية النهضوية العلمانية المصرية. ويشاركنا في هذا الاستفهام مفكرون علمانيون، أمثال: محمود أمين العالم وحسن حنفي وغيرهم... والإجابات جميعًا تتضمن عدم التجاوب الجماهيري، سواء أكان الحديث عن هذا التجاوب باعتباره عاملاً مركزيًّا أو ثانويًّا. فهذه المشروعات لم تكن تستلهم أو تتمثل ثقافة الجماهير، ولم تفكر في التعاطي معها وتجديدها، بل نظرت إليها على أنها ركام رجعية لابد من محوه واستبداله. وفي النهاية فشلت تلك المشروعات في محو ثقافة الأمة، غير أن هذا الفشل رافقه تغييران عارضان. فمن ناحية أسهموا في دفع الأمة لتجديد ثقافتها (وإن كان هذا الدفع غير مقصود)، ومن ناحية ثانية حل بعض الفساد بهذه الثقافة مما جعلها تطلب العلاج أكثر من كونها ثقافة دافعة محفزة للنهضة.


والتساؤل هنا هو: هل كان هذا المسلك الجديد مما يستدرك الخطأ ويقترب بنخبة الإصلاح من الجماهير وثقافتها؟ والإجابة مأساوية. فاليسار لا يفتأ يبتعد عن الجماهير حتى لا تكاد تجدهم في الأوساط الاجتماعية التي يفترض بهم قيادتها والتعبير عن مطالبها ومصالحها (الأوساط العمالية). وسائر الأحزاب الجماهيرية صارت نخبوية لا تكاد تجدها إلا في مقراتها، والحقوقيون لا يتواجدون في صفوف الجماهير، بل النخب. وكل من هؤلاء يحمل أجندة لا تقترب من ثقافة الأمة وضميرها.

2006-10-15

ديمقراطيتنا بعد أن تخلى الأمريكان عنها



شهد النصف الثاني من عام 2006م تراجعا في خطاب الإدارة اليمينية الأمريكية الحاكمة عن التوجه بدعم ورعاية الديمقراطية في المنطقة العربية، والذي انتهجته عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001؛ إثر أيديولوجية سادت أوساط إدارة اليمين الجديد قوامها أن التحالف مع النظم العربية الحالية، وإن كان يحقق أهدافا أمنية أمريكية في الأمدين المنظور والمتوسط، إلا أنه على المدى البعيد يؤدي إلى تصدير هذه الدول أزماتها إلى الخارج؛ ويتسبب في صعود الحركات الإرهابية. ما الذي جرى لهذه الرؤية بعد خمسة أعوام من انطلاق التوجه الراعي لها، وبعد تقديم أكثر من مبادرة في إطارها، لعل أشهرها مبادرة الشرق الأوسط الكبير.. إلخ. وما يلفت النظر مع هذا التوجه أن بعض الحركات السياسية والمظلات الإصلاحية التي نشأت في عالمنا العربي والإسلامي مع هذا التوجه؛ قد بدأ حضورها يتراجع في المشهد السياسي الإصلاحي منذ بدء النكوص الأمريكي. وهذان الملمحان اقتضيا وقفة للمناقشة.


ملامح التراجع ومظاهره


بعد أن كتب مدير قسم التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية: ريتشارد هاس عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر مقالا بعنوان "باتجاه مزيد من الديموقراطية في العالم الإسلامي"، والذي كانت السفارات الأمريكية تحاول توسعة مجال نشره والاطلاع عليه، وبعد أن كتب السياسي الأمريكي: وليام بيرنز عن تشجيع التغييرات البنيوية بعيدة المدى في العالم العربي، وبعد حديث السفير الأمريكي السابق في دولة الاحتلال الصهيونية: مارتن أنديك عن خطأ واشنطن الوحيد في الشرق الأوسط والمتمثل في دعم نظم أخفقت على نحو مستمر في تلبية الاحتياجات الأساسية لشعوبها.


بعد هذا كله نجد مقالا للسياسي الأمريكي ديفيد بروكس في صحيفة النيويورك تايمز يعلن فيه عن ولادة اتجاه داخل المحافظين الجدد عبر عنه باسم الاتجاه التدريجي الذي يدعو إلى الإصلاح والديمقراطية في الشرق الأوسط نعم؛ لكنه يلتزم الحذر إزاء سرعة التغير والتحول، ويرفض فكرة "الديموقراطية الفورية" التي تهدد الاستقرار السياسي في المنطقة، ويصنف الرئيس الأمريكي بوش الابن ووزيرة خارجيته كونداليزا رايس باعتبارهما من رؤوس هذا الاتجاه الجديد.


وعلى اعتبار أن الديمقراطيين ليسوا من أنصار المسارعة بتعميق الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي، فقد خلص المراقبون إلى أن النتيجة لن تتغير؛ سواء بقي المحافظون الجدد في منصب الإدارة التنفيذية الأمريكية أو استبدل الناخب الأمريكي بهم الديمقراطيين بمنصب الرئاسة بعد الفوز الكبير الذي أحرزه الديمقراطيون بانتخابات مجلسي الكونجرس، حيث يشير الأستاذ محمد أبو رمان إلى انتهاء الدعوة الأمريكية للإصلاح إلى حيث بدأت بعد تخلي اليمين المحافظ عنها، مشيرا إلى تنفس النظم العربية الصعداء، وتجديدها تحالفها التاريخي مع الإدارة الأمريكية على حساب الوضع الداخلي، وينعي على من أملوا في الضغوط الأمريكية الخير ظنهم هذا.


التراجع الأمريكي نعمة أم نقمة


والواقع أن هذا الموقف الأمريكي لا يمكن اعتباره إلا نعمة سياسية كبرى. وتقدير الوضع السياسي بأوطاننا العربية والإسلامية يقودنا لهذا المنطق المتفائل في التعامل مع هذه الأزمة. ومرد تلك الرؤية عدة اعتبارات عملية يمكن أن نتبصرها في النقاط التالية:


أ – كان من المنطقي والضروري أن نعي أن الاتجاه المحافظ الجديد في الولايات المتحدة لم يكن ليستطيع تحمل نتائج الانتخابات الحرة التي كانت الشعوب العربية تترقبها، وبخاصة مع وصول الإسلاميين للحكم بهذه الدرجة من القوة للحكم في الدول التي واربت الباب لنزاهة سير العملية الانتخابية، وكانت الخبرة الفلسطينية من أكبر الخبرات التي ما كان طرح أمريكي متزن (غير متطرف) ليقبلها بالنظر لما سببته الحكومة الحمسوية من التهاب للوضع في المنطقة، ومن تداعيات على الصورتين الذهنيتين الأمريكية والإسرائيلية على السواء. هذا فضلا عن توقع هزيمة المحافظين الجدد في الانتخابات الرئاسية القادمة، ومن ثم مجئ الديمقراطيين أصحاب النظرة الواقعية في التعامل مع موضوعات السياسة الخارجية. إضافة لما يورده الخبراء من احتمال دخول الولايات المتحدة في طور انعزالي – وهو دأبها كل ثلاثة عقود من الزمن؛ مما يعني أن السلطات الأمريكية جميعها ستحتاج لعالم مستقر؛ لتتمكن من التفرغ لهمومها الداخلية التي لا يخلو محفل أمريكي من الحديث عن تفاقمها.


ب – من المهم أيضا أن نشير لاعتبار الخصوصية في المستقبل الديمقراطي لمجتمعاتنا. وقبل أن نطرق تفاصيل طرحنا أود أن أنبه إلى أن الخبرات السابقة لاستعمال المصطلحين (الديمقراطية والخصوصية) متجاورين تعني حدوث قدر من التآكل لقيمة الديمقراطية، وهو ما نرفضه بتاتا. وطرحنا يتجاوز هذه العلاقة غير الصحية سعيا وراء عرف استقر أكاديميا منذ دراسة برتران بادي (الدولة المستوردة)؛ حيث هدفنا الإشارة إلى أن ضغوط الولايات المتحدة من أجل ديمقراطية مجتمعاتنا السياسية سوف تجلب للعالم العربي والإسلامي؛ ولأي دولة كانت، ستجلب لها قالبا جاهزا من قوالب الممارسة التي لن تتمتع بالحساسية العالية للخصوصيات السياسية التي تتسم بها مجتمعاتنا، ومنها الحضور القوي للتيار الإسلامي من ناحية، والحاجة لإحداث قدر من المواءمة السياسية يرتبط بهذا الحضور. بالإضافة إلى وجود حالة من التربص والقلق العلمانيين من هذا الحضور السياسي الإسلامي الطاغي؛ وهو القلق الذي يرتبط بتركيبة معقدة من الشد والجذب تحاول به التيارات العلمانية الاستفادة من القدرة التعبوية للتيار الإسلامي مع محاولة تقليم أظافره في الوقت نفسه، وربما تسلقه والاستفادة منه سياسيا. هذا فضلا عن وجود مؤسسات عسكرية ليس لديها استعداد لتبني عقيدة سياسية داخلية ديمقراطية، بل مجرد مساندة حالات الاستبداد السائدة في عالمنا العربي (باستثناء الخبرة الموريتانية التي لم تكتمل ملامحها بعد، وكذا خبرة المشير عبد الرحمن سوار الذهب في السودان).


ج – الأمر الثالث الداعي للتفاؤل بالانسحاب الأمريكي من فرض الديمقراطية أن أمتنا العربية والإسلامية – في صورتها القطرية – في حاجة لأن تبني ديمقراطيتها الخاصة. ولا عجب في ذلك؛ حيث إن تعريفات الديمقراطية تكاد تتجاوز الثلاثمائة تعريف – بحسب دراسات علمية في مجال الفكر السياسي. وبخلاف حديثنا السابق عن ضعف حساسية القالب الخارجي لهمومنا ومشاكلنا؛ فإننا في هذا المقام نقصد أن قدر التدافع والجهاد والنضال والحوار والتوافق الذي ستخوضه مجتمعاتنا – كل على حده – من شانه أن يبني ما هو أكثر من نموذج ديمقراطي يلبي طموحنا واحتياجاتنا، فهذا الجهد المبذول سيبني معه فرز شديد لصف العمل الوطني، وبناء واع لأجندة العمل السياسي في أوطاننا وأولوياتها، وحرص وتشديد على ألا ينهار معمار الحركة السياسية بسبب طيش فصيل سياسي أو نزق فصيل آخر ولا مبالاته (ونخص الفصائل الانتهازية وبعض الفصائل اليسارية وبعض أجنحة التيار الإسلامي). فالإسلامي سيتعلم أنه في حاجة لشبكة عمل مدني تسانده في إنهاض الجماهير بدلا من أن تتوجه لمحاربته ومعاونة النظم الحاكمة عليه، والليبرالي سيتعلم أنه يمكن البدء بمشروع ليبرالي ذي أولويات لضمان تلاحمه مع التيار الإسلامي الوسطي في الأجندة الوطنية. وسيتعلم اليسار أن يعود لأصل وجوده السياسي - الاقتصادي - الاجتماعي؛ بدلا من إشعال الفتن والحرائق حول الإبداع الملحد والتطورات الاجتماعية التي يشذ أغلبها. وستتناسى الفصائل المختلفة ركامات صراعاتها التاريخية على خلفية تغليب الوعي الوطني على الوعي الفصائلي. هذه الآليات أكبر أهمية من حصول ديمقراطية شكلية تفاقم الصراعات أو تكبتها لحين الانفجار.


د – الأهم من ذلك كله أن هذا الجهد المبذول من أجل تحقيق "الديمقراطية الملائمة" التي تحقق من وجهة نظري قدرا لا بأس به من مقاصد الشريعة؛ هذه الديمقراطية ستثبت أقدام الفصائل السياسية في عالمنا العربي والإسلامي في أرضية الكتل الاجتماعية الجماهيرية التي ترتبط بها ارتباطا فكريا أو اجتماعيا أو اقتصاديا؛ مما يعني أن الحركة لن تهمش الجماهير، بل ستلتحم بالجماهير، وتبصرها بعواقب نومها طيلة الفترة الماضية، وما حاق بأوطاننا من خراب وانحطاط وإذلال إثر ذلك النوم، على نحو يجعل هذه الجماهير تعي مصلحتها العامة التي تكاد تطابق مصلحتها الخاصة في آن في بعض الدول اليوم ومن بينها مصر، وتعمل على تحقيقها، ومن ثم تعمل على صيانتها وضمانها بعد تحقيقها. فمن الغريب أن نجد اليسار – كمثال - في عالمنا العربي والإسلامي واهن الحضور في الأوساط العمالية والفلاحية، بل نجد هذه الشرائح الاجتماعية تلتحق بالنظم الحاكمة التحاقا انتهازيا يقضي على مصالحها في النهاية، لكنها لا تبصر ذلك. هذا هو دور الحركات الوطنية في ثوبها الجديد؛ أن تعمل على إلحاق الجماهير بالأيديولوجيا الوطنية التي ستكون من منظور اليسار أكثر مراعاة للعدالة الاجتماعية، وستكون من منظور الحالة الليبرالية أكثر احتراما للتركيبة الحقوقية القانونية الديمقراطية، وستكون نفس الديمقراطية من وجهة نظر الإسلاميين خطوة في اتجاه تحقيق مقاصد الشريعة بعيدا عن ركام الاستبداد الذي فاق ركام الجاهلية على حد تعبير الأستاذ سيد قطب، ومنع الأمة من التكتل خلف مصالحها الحقيقية.


الدور الأمريكي المعوق لديمقراطيتنا


انسحاب الإدارة الأمريكية بهذه الصورة عن الضغط على النظم العربية والإسلامية لتحقيق إصلاحات سياسية لن يعني أن الإدارة الأمريكية قررت أن تترك شعوب أمتنا العربية والإسلامية لمصيرها السياسي وبقدر اجتهادها. فبرغم أن المنظر الإستراتيجي الأمريكي المعروف زبيجنيو بريجينسكي قد أشار - عوضا عن رؤية اليمين المحافظ لفرض الديمقراطية - إلى تبني ما أسماه: الواقعية التقدمية؛ إلا أن هذا الطرح تحدث فيه بريجينسكي عن الانتقال التدريجي للديمقراطية، بالترغيب وليس بالإجبار والضغط. ولا تزال ضغوط الخبرات الإسلامية ذات النزوع للتحرر من القبضة الاستعمارية الأمريكية تقلق الولايات المتحدة، بما يفسر لنا عودة التحالف الأمريكي مع النظم العربية والإسلامية منزوعة الشرعية.


غير أنه ينبغي تسليط الضوء على حقيقة مفادها أن الضغوط الأمريكية ليست مطلقة القدرة في قصف إرادات الشعوب صاحبة الحق، حيث فشلت في فيتنام ولبنان والصومال، كما لم تتمكن من فرض أجندتها في أفغانستان والعراق حتى تاريخ كتابة هذه السطور بالرغم من مرور قرابة السنوات الأربع على وجودها ف أفغانستان والثلاث على وجودها في العراق.


والمقصود أن على نخبنا أن تبني أيديولوجيتها الوطنية الخاصة بها، وأن تتحرك بها وسط جماهيرها دون خوف من أن تنكسر إرادتها يوما أمام هذه الموجة الاستعمارية.

والله أعلم

2006-09-26

مبدأ تلقي العلم والاستمرارية الحضارية الإسلامية


العنوان رسالة مباشرة تعبر عن حقيقة ما نكتبه الآن. فقديما قال أحد علماء السلف محذرا: "لا تأخذ العلم من صُحُفي ولا القرآن من مصحفي". وهذه العبارة تعني ألا يأخذ المسلم علمه من مسلم آخر فتح كتب العلم فقرأها من دون أن يدارسها مع عالم أكبر وأفقه منه وقت القراءة، وألا يأخذ القرآن ممن قرأه فقط من المصحف ولم يجلس إلى قارئ فيقرأه عليه. ولعل القصد في القرآن واضح، حيث إن الأصل في تحصيل القرآن وقراءته أن تقرأه على من يحوز سندا في قراءته، حتى تتجنب اللحن: كبيره وصغيره. لكن قائل هذه العبارة – الحكيمة ولا شك – عنى علوم الشريعة فيما عنى، وليس القرآن فقط. ولا أدري أكان يعلم أن هذه المقولة تحوي آلية كبرى من آليات استمرار الحضارة الإسلامية أم لا؟ فكيف تحوي هذه المقولة هذا السر وتلك الآلية من آليات استمرارية الحضارة الإسلامية. أكمل معي السطور التالية لتعرف الإجابة!


ثقافة التلقي وتواصل المسيرة الحضارية


عندما ينظر الباحث المدقق لمسيرة التاريخ يجد أن الحضارة الإسلامية قد أنجزت خلال نصف قرن من الزمان ما أنجزته غيرها من الحضارات في أربعة أو خمسة قرون، ومرد ذلك كان لأمرين:


الأمر الأول – وهو ليس موضوعنا ولكن لا مشاحة في ذكره ولا مفر من ذكره أيضا لاكتمال المشروع - أن المنهج الرباني وجه هذه الأمة لتجنب مواطن الزلل التي تمر بها الحضارات في صوغ العلاقات بين شرائح وتكوينات المجتمع، وبين المجتمعات وقياداتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهو ما جعل المسيرة محددة الأولويات واضحة المعالم؛ فتجنبت الأمة مواطن الزلل ومواضع السقوط، ولم تتكبد عناء المراجعة الأولية لبدهيات تأسيس الحضارة، بل انطلقت في مسيرة نشر الدعوة والبناء الاجتهادي على البناء الأساسي المتمثل في أصول الدين قرآنا وسنة، مسترشدين في هذه المسيرة الاجتهادية التي صاغت وضبطت كل مناحي الحياة بما وفره المشرع جل وعلا من ملامح منهجية هي ما نعرفه اليوم باسم المنهج الأصولي أو أصول الفقه.


أما الأمر الثاني وهو الأهم من وجهة نظري فيما يتعلق بموضوع هذه الرؤية فيتعلق بالتواصل الرباني مع الأمة وكيفية الحفاظ عليه لتحقيق سبب خيرية هذه الأمة. فالقرآن نزل من لدن الله العلي الحكيم، نزل على قلب من؟ نزل على قلب قائد هذه الأمة صلى الله عليه وسلم. ولكن.. هل كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا العلم اللدني واكتفى بترجمته لمشروع اجتماعي ينقله لأتباعه؟ كلا. لو فعل ذلك لكان مصدر تواصل الربانية مع هذه الأمة قد انقطع بموت الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن الرسول – كما أمره ربه – شرع في نقل كلام الله – كما نزل عليه حرفيا – إلى أتباعه جميعا؛ ليحفظوه أولا، وليطبقوه ثانيا، وليجتهدوا في تفسيره على عين الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقوم ما المعوج من منهجهم وينصف المستقيم ويدعمه بسنته القولية.


وهكذا بدأت سلسلة التواصل الرباني مع هذه الأمة. أنزل الله تعالى كتابه على رسوله، ونقل الرسول الكتاب ومثله معه لعموم الأمة، والأصل أن تستمر عملية النقل هذه متتابعة في الأمة إلى أن يأذن الله بعلامات الساعة وما يتبعها بخصوص العلم الذي يبدأ بنزع العلم ثم محو القرآن من الصحف ليبقى ما في الصدور.


كان قتال علماء السلف بمكافحة الفلسفة وعلم الكلام لعدة أسباب من بينها أن شريحة من الأمة لم تكن لتتلقى العلم الشرعي، بل كانت ستتركه لعلوم مهمة في الدفاع عن العقيدة لكنها ليست العقيدة ولا الأصول. أنا لست بصدد تقييم هذا الموقف، بل أعرضه لأبين أهمية عملية التلقي التي لم تكن تعني لعلماء السلف سوى استمرار حبل التواصل مع مصدر الرسالة: رب العزة جل شأنه. وكانت ملامح هذا العلم تنتج تأثيرها من عدة زوايا، يمكن إجمال أبرزها فيما يلي:


أ – يشعر المسلم حين يقوم بتلقي العلم الشرعي أنه موصول بحبل الله الذي لا ينقطع، ويصبح التواصل مع الرسالة جزء من بناء حياته، فيشعر في المنتهى بأنه يتحرك بشريحة ربانية من العلم هو منتهاها النسبي ورب العزة مبتداها؛ فتتحقق استمرارية الإحساس بربانية الرسالة.


ب – هذا الإحساس بالتواصل مع مصدر الشريعة عاصم للإنسان المسلم من الوقوع في شراك ما يبعده عن طريق الله. وحتى لو أخطأ؛ فإن تربيته على أنه يحوي بين ضلوعه طرف الخيط الذي يقف مبتدؤه بين يدي ربه كفيل بأن يرده إلى رحاب ربه طائعا. كما انه يشعر المسلم بالعزة في مواجهة محاولات إشعاره بالنقص أو محاولات سلبه هويته وثقافته.


جـ - تربية المسلم على أنه يحمل دين الله بين جنبيه، يجعله يشعر بالمسؤولية التي تقع على عاتقه كفرد – أو كعضو في أي تكوين اجتماعي حيال تقويم الجمع الذي ينتمي إليه، وحيال العودة به دوما لرحاب ربه، حيث القرآن محفز للمسؤوليتين الفردية والجماعية. هكذا فقط تتحقق وتتوفر أسباب الخيرية التي تحدث عنها ربنا بقوله تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس" (آل عمران: 110).



خصائص منهج التلقي الكفيلة بتغذية هذه الروح


إن خصائص عملية التلقي كفيلة بتحقيق روح التواصل مع حبل الربانية. فهو مبدأ في بنيته تحقيق هذا التواصل مع الربانية، وكلما مارسته كلما تكرست قضية التواصل مع رب العزة في نفس المتلقي.


فعندما يجلس الطفل الصغير إلى شيخه ليخبره عن ضرورة نطق حرف اللام مرققا وليس مفخما بينما يتوجب تفخيم حرف الراء والقاف وغيرهما في مواضع معينة يكون السؤال: ولم كل هذا العناء، فيأتي جواب الشيخ لتلميذه: لأن الله جل وعلا أنزل القرآن هكذا: بنفس خصائص الحروف على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا أنقله إليك كما علمه لنا رسول الله. وتبدأ الأسئلة ليبدأ الشيخ في شرح أجوبتها لتتأكد قضية التواصل مع حبل يقع مبتدؤه بين يدي الله جل وعلا.


وعندما يتثبت حفظ القرآن لدى التلميذ وينتقل إلى مرحلة دراسة علوم الشرع يبدأ في توسيع نطاق تساؤلاته؛ وتبدأ دوائر الإجابة في الاتساع مؤكدة نفس المعنى. فسؤال التلميذ في الفقه عن سبب اختلاف الركعات في الصلاة تكون الإجابة بان الله علم الصلاة لنبيه في السماء ليلة الإسراء، وقد وقف النبي على منبره فأدى الصلاة كما علمها إياها ربه أمامنا فنقلناها عنه لأنه أمرنا أن نصلي كما رأيناه يصلي. وعندما يسأل في التفسير عن سبب تفسير آية معينة على نحو معين أو في إطار معين يكون جواب مشايخه حاضرا حول التفسير بالمأثور المنقول عن علماء الصحابة إلى السلف موصولا بشرح الرسول له.. وهكذا تترى حلقة تواصل التلاميذ والطلاب مع مشايخهم في إطار تلقي علوم الشريعة مبتدأة بالتلقي ثم السؤال حول سبب التلقي على هذا النحو وتكون الإجابة متمثلة في حبل الله الموصول مع هذه الأمة وصولا لا ينقطع إلا بأمر الله، مبدؤه في المجتمع اليوم هو المشايخ والعلماء ومنتهاه هم الطلبة والمريدون، كل يتقوى بالآخر، والمنتصر هو دين الله.



التلقي ثقافة متكاملة وليست عارضا


إن مبدأ تلقي العلوم الشرعية بهذه الصورة لا يمكن النظر إليه نظرة عارضة، بل هو حالة ثقافية عامة لا يمكن خلعها من سياقها الإسلامي، ولا يمكن تصور استمرار الحضارة الإسلامية بدونها. فهي ليست بدعا من الدين، بل هي من صلب الدين، بل هي من أبرز خصائص الدين التي ما إن تخلينا عنها حتى عاود الضعف أمة العرب فأضحت بعض بلدانها تقتل فيما بينها تماما كما كانت الحرب بين قبائل العرب الأولين ذوي البأس الشديد فيما بينهم.


ولينظر القارئ الكريم إلى حال الأمة الإسلامية اليوم، وسيجد أنها أمة واهنة مقارنة ببعض الأمم غيرها لا لسبب إلا لأنها هجرت دينها لفترة طويلة، أو أنها مارسته ممارسة استظهار لا ممارسة افتقار.


البعض يرى أن الأمة كانت تمارس الدين ممارسة طقوسية ظاهرية خلو من الروح الحقيقية، وأن هذا هو سبب ضعفها ووهنها. ويرون أن احد أهم المآخذ على العلمانية أنها جعلت المسلم ينظر لنفسه ولحضارته ولتاريخه ولدينه نظرة المتهم، وجعلته يشعر أن الدين هو المسؤول عن حالة التخلف التي وصل إليها المجتمع والدولة الإسلاميين. وكانت هذه بداية الضربة القوية لمبدأ التلقي. ففقدان الثقة في الدين جعل الناس ينصرفون عن تعليم أولادهم أمور دينهم التي ينبغي تحصيلها عبر مبدأ التلقي.


والتلقي بهذا المعنى ليس ظاهرة نخبوية ولا طبقية، بل هو لكل جمهور المسلمين، الغني منهم والفقير. فالغني يحصل العلم بما له من مال، والفقير على مر عصور الحضارة الإسلامية توفرت الأوقاف والهبات التي كانت تتغيا توفير الإمكانيات للطلبة ليحصلوا العلوم، وكانت الأمة حية وحيية ومزدهرة بازدهار هذا المبدأ، ووهنت بوهنه.


والتلقي بهذا المعنى لا يستهدف خلق إمعات مسلوبي الإرادة أمام مشايخهم. بل هو وسيلة لبناء الشخصية وإكسابها المهارات التي رأى الشرع توفيرها للأمة عبر أوامر الأصول ونواهيها. ونظرة سريعة على حياة أئمة الفقه الإسلامي سيجد القارئ معها فيما بينهم من كان تلميذا لغيره من الأئمة الأجلاء المعروفين، لكن التلميذ تفوق على أستاذه، أو على الأقل كان له رأي آخر حيال موضوع علمه، فوافقه حينا واختلف معه حينا آخر، وهكذا نشأت المذاهب الفقهية المختلفة بانبثاق مذهب جديد لقراءته نفس الأصول ولكن بمنهج مختلف أو بوسيلة مختلفة أو بتغيير الأوزان النسبية لمكونات المنهج الأصولي. فكثير من الأئمة لم يقدسوا عمل أهل المدينة الذي كان يجله الإمام مالك. وغالب الأئمة كانوا يتحفظون على منهج أبي حنيفة في الاستحسان، وكان الإمام ابن حنبل مختلفا مع هؤلاء برغم انه تعلم على يد بعضهم وعاصر البعض الآخر.. إلخ. كلهم شربوا من معين واحد ولم يمنع هذا احدهما من أن يكون مستقلا في رؤيته وطرحه، مقدرا لمن سبقه جهدهم، مختلفا عنهم متى رأى في الاختلاف نفع للأمة، ولم يكن أحدهم إمعة.



أشكال حاضرة لمبدأ التلقي لكنها ليست ثقافة


حينما ننظر لرؤية المجتمعات الإسلامية لمبدأ التلقي وعلاقتها به سنجد أن بعض صور هذا المبدأ حاضرة. فقد تجد مؤسسات دينية رسمية تهتم بهذه القضية ومن بينها الأزهر بمؤسساته في مصر. وقد تجد بعض الجمعيات الخيرية تنشئ مقارئ وكتاتيب وزوايا لتحفيظ القرآن الكريم، وتجد بعض المساجد تعلن عن أنشطة صيفية لتوجيه طاقة أبنائنا ويكون من بينها مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم، وقد يكون ثمة مدارس إسلامية في هذا القطر أو ذاك يكون من بين ما تقدمه من قيمة مضافة لتلامذتها وطلابها مقررات إضافية في علوم الشريعة أو حفظ القرآن والسنة عبر كتب تمثل رؤية إدارات هذه المدارس لأولويات ما يجب على التلميذ أن يتعلمه من دينه.


وبالرغم مما سبق من مظاهر مبدأ التلقي لا يمكن القطع بأن هذا الحضور وهذه المظاهر تعبر عن ثقافة عامة في المجتمعات العربية، ولعل هذا هو سبب كتابتي لهذا المقال لكي أحث المربين والمشايخ والمفكرين والباحثين على استيعاب مبدأ التلقي من هذه الزاوية، زاوية أنه علاقة بين الأمة وربها وليست مجرد تلقين لعلوم الشريعة وأصولها.


أنا أأسف لأن نسبة ليست باليسيرة من خريجو الجامعات الدينية العربية والإسلامية لا يعون أنهم يحملون بين جنباتهم حبلا موصولا بالله، بل مجرد علوم تلقوها؛ وربما تلقوها عن غير رغبة منهم. بل إن بعض مشايخ هذه الجامعات لا يتصرف بما يمليه جلال كونه حلقة في سلسلة هذا الحبل الموصول أوله برحاب الله، وتشيع عن أخلاقهم وافتقادهم لألوان المروءات ما يجعلهم يسقطون في نظر من يتعامل معهم. ففقدان الوعي بقيمة التلقي يحول عملية تحفيظ القرآن إلى مجرد تلقين خلو من روح التلقي الحقيقية.


كما أن كثيرين ممن يقومون بالتعليم في هذه الصور المؤسسية التي تمارس جانبا من التلقي ربما هم لم يمارسوا التلقي في تحصيل القرآن أو علوم الشرع، بل أغلبهم صُحُفيين مصحفيِّين كل مؤهلاتهم للتعرض للموقف إلقاء العلوم وتحفيظ القرآن أنهم تلقوا مؤهلا تربويا وحسب. وليست هكذا فلسفة التلقي؛ ولهذا تحول التلقي على أيديهم إلى تلقين حقيقي، لا يكاد يربطه بالتلقي رابط؛ حيث لا يعلم المدرس التجويد وبالتالي لا يمكنه تلقينه ولا يمكنه حمل روح التلقي لتلاميذه.


إن التلقي كثقافة يختلف عما يمارس الآن في المدارس الإسلامية والكتاتيب. كما أننا لو نظرنا لمجتمعاتنا ونظرها لقضية التلقي نجد أن الوعي بحضور قيمة التلقي بأبعادها الروحية غير حاضر؛ وإن حضر فبنسبة ضئيلة تنقصها الروح. أنا أطرح على المعنيين بالثقافة الإسلامية وشؤون الدعوة مبدأ ومفهوما لو بحثوه ونشروه وحرصوا على حضوره في حياة مجتمعاتهم فإن شأن الثقافة الإسلامية سيتغير للأفضل بإذن الله.

2006-08-11

العلماء وفتوى تلاميذ ابن جبرين الطائفية.. من الرفض العاطفي إلى الرفض المنهجي



From وجع دماغ.. مدونة وسام فؤاد

لم يكن يتصور مراقب أن يتكرر سيناريو فتوى فضيلة الشيخ ابن باز التي بررت استعانة بعض الدول العربية بقوات الاحتلال الأمريكية للدفاع عنها ضد قوات دولة عربية في عام 1991 (أزمة غزو العراق للكويت)، لكن هذا السيناريو تكرر وبصورة أكثر مأساوية مع فتوى نشرت باسم فضيلة الشيخ عبد الله ابن جبرين في الثاني والعشرين من شهر يوليو/ تموز 2006.

وقد يكون الزلزال الذي شق الأمة العربية والإسلامية في 1991 مُبررًا على استحياء صارم شديد لإصدار فتوى فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز؛ لأن العراق برغم كونها دولة عربية، فإن قيامها بغزو الكويت، مع الميل الجلي لميزان القوة الإستراتيجية لصالحه؛ قد يؤدي إلى عواقب وخيمة مع دخول دول عربية محدودة القدرات والخبرات العسكرية في مواجهة عسكرية مباشرة معها. غير أن الحرب التي تشنها دولة الاحتلال على لبنان لا توفر قاعدة من أي نوع لتبريرها عبر فتوى كتلك المنسوبة لفضيلة الشيخ ابن جبرين، إلا من خلال شق صف الأمة الذي توحَّد وتراص في مواجهة عدوان العدو، حتى إنه من المؤسف أن تنشر صحيفة "يديعوت أحرونوت" الفتوى نقلاً عن قناة "فوكس نيوز" وصحيفة "نيويورك صن" الأمريكيتين خبر الفتوى وصورتها تحت عنوان "رجل دين وهابي في السعودية يصدر فتوى قاسية جدًّا ضد حزب الله"؛ بما يعطي دلالات كثيرة، وبما يحقق أهدافا كثيرة، لن يكون من بينها أية دلالة أو هدف إيجابيين.

ولا يشفع في هذا الصدد ما تردد من أن الفتوى صدرت قبل فترة طويلة من الحرب، وأنه أُعيد تحريرها ثم تصديرها إعلاميًّا لتحقيق تغطية على عدة قرارات سياسية. وبرغم أن الدكتور عبد الرحمن ابن فضيلة الشيخ ابن جبرين قد أوضح أن الفتوى لم تصدر عن والده، وإنما حررها بعض تلاميذه، فإنه مما زاد الطين بلة أن فضيلة الشيخ ابن جبرين لم يواجه خطأ تلاميذه بمعالجة إعلامية بنفس قدر الضجة الإعلامية التي أعقبت نشر هذه الفتوى باسمه، ناهيك عن أنها لم تُعالج أمورا لا يقل أحدها أهمية أو خطورة عن الآخر:

فمن ناحية، يرى بعض المراقبين أن مثل هذه الفتوى أحدثت قدرًا من الشرخ في الوعي الشعبي في اتجاه رفض التعاطف الشعبي مع لبنان بدعوى أن الطرف اللبناني المنخرط في الحرب الدائرة على لبنان إنما هو طرف رافضي وليس سنيًّا، وهذه من المآسي الكبيرة.

ومن ناحية ثانية، فإن صدور فتوى كهذه في توقيت كهذا من شأنها أن تكرس صورة سلبية للتيار الوهابي في علاقته بقضايا الأمة المصيرية، والأسوأ أن تقرن في ضمائر أفراد الأمة بفتوى فضيلة الشيخ ابن باز رحمه الله بخصوص جواز الاستعانة بالأجنبي لمواجهة المعتدي المسلم التي صدرت في عام 1991، وهو ما قد يؤدي تراكمه إلى تكريس صورة ذهنية سلبية عن عموم هذا التيار.

ومن ناحية ثالثة، فإن تحرير وتحديث تلاميذ فضيلة الشيخ ابن جبرين للفتوى بهذه الصورة جاء تعبيرا عن غياب الوعي بأمرين بالغي الأهمية، ألا وهما خصوصية فتاوى الأمة من ناحية، وتغير ملابسات الواقعة محل الإفتاء. كنت أتصور أن هذين الخللين الجسيمين سيدفعان الشيخ إلى موقف مراجعة لتكوين تلاميذه، وأن هذا الموقف سيكون سريعا ليرسل رسالة لمن عني بالأزمة بأن الشيخ لم يعالج سطح المشكلة فقط، بل عالج جذورها.

مرت الأيام عقب صدور هذه الفتوى، ولم تحدث معالجة إعلامية على مستوى الموقف، ولم يقف الشيخ وقفة مع تلاميذه بخصوص التمييز بين فتاوى الأمة وفتاوى الأفراد، وفي أول رد له على الجدل الواسع الذي أثارته فتواه أوضح فضيلة الشيخ ابن جبرين أن هذه الفتوى لم تقصد حزب الله بعينه وإنما تحرم نصرة الروافض بشكل عام؟! لقد أضاف الشيخ بأن الأولوية لمواجهة العدوان على لبنان، ولكن.. هل صياغة الفتوى بهذه المعادلة مما يعالج مثل هذا الخطأ؟


فقه الواقع وفتاوى الأمة.. نظرة على تأهيل الفقها
ء

من بين التيارات المتعددة التي تتوزع عليها عقول الأمة الإسلامية يقف تيار واحد وواسع – برغم التعددية الواضحة داخله - موقفًا يتمسك بشدة بالحس الطائفي، رافضًا أن يستوعب أن المصيبة العالمية اليوم -أيًّا كانت- الاقتصادية أو العسكرية أو السياسية... إلخ عندما تحل ببلد مسلم فإنها تصيبه بما فيه من مسلمين وغير مسلمين، وبما فيه من طبقات مختلفة متفاوتة، وبما فيه من اتجاهات ثقافية.

هذا التيار يرفض أيضا أن يستوعب أن المتغيرات العالمية الآن جعلت أمتنا متعددة الاتجاهات والتيارات والثقافات، ولم تَعُد مقصورة على المسلمين أو الإسلاميين، غير أن تدبير الله جعل هذه المكونات تتحالف معًا في وجه القوى المعادية للأمة.

المشكلة لدى هذا التيار الذي يمثله محررو فتوى فضيلة الشيخ ابن جبرين مشكلة أيديولوجية ترفض فقه الواقع؛ لأن هذا الفقه سيصطدم حتمًا بالرغبة المسبقة لدى هذا التيار في تقسيم العالم إلى مسلمين وكفار مع التوسع في صياغة مفهوم الكفر بحيث يطال شريحة واسعة يعتبرها فريق من العلماء تقف على أرضية الإسلام وإن اختلفت بعض رؤاها العقدية والفقهية.

ولا يقف الخلل الأيديولوجي عند هذا الحد، بل إن هذا التيار يجعل معيار التمييز هذا هو سقف وأرضية مفهوم الأمة والرابط الجامع لأبنائها والطارد لغيرهم في آن. ويترتب على هذا صوغ مجموعة من النتائج كان من أخطرها تلك الفتوى المنسوبة لفضيلة الشيخ ابن جبرين حيال حزب الله والتي تحرم مناصرته والدعاء له.

وإذا كان الدكتور عبد الرحمن ابن فضيلة الشيخ عبد الله ابن جبرين قد أوضح حقيقة الموقف، ودور تلاميذ الشيخ في نشر هذه الفتوى بعد تنقيحها الظرفي لتجاوز قدم تاريخها الذي يرجع إلى الوراء أربع سنوات، وأن والده يعكف على إصدار فتوى جديدة، فإنه تجدر الإشارة إلى أن هذه المعالجة غير المسئولة لا تمثل كارثة واحدة (التصرف باسم فضيلة الشيخ من دون علمه) بل تمثل كارثتين. وتتمثل الكارثة الثانية في إسقاط نص فتوى "قديمة" على واقعة جديدة مع تنقيح الفتوى فقط بملابسات الواقعة الجديدة من دون إعادة تقويم الملابسات والظروف ودلالتها، مع العلم بأننا لا يمكن أن نسوّي بين الإفتاء في الوقائع العادية والإفتاء في قضايا الأمة، الأمر الذي يجعل صدور هذه الفتوى غير مقبول، وقد نقول جريمة.

إلا أن ما رواه فضيلة الدكتور علي بن حمزة العمري عن ابن فضيلة الشيخ ابن جبرين لا يصحح سوى الحديث عن ملابسات الفتوى، فهو لا يصحح صورة التيار، فعوضًا عن فضيلة الشيخ ابن جبرين؛ هناك جيل من تلامذته يحملون لواء هذا التيار الذي أصدر وعيه مثل هذه الفتوى التي أعلن الدكتور عبد الرحمن أن والده سيغيرها.

ولو تجاوزنا تلاميذ فضيلة الشيخ ابن جبرين، فقد دخلت إلى موقع عدد من العلماء المنتمين لنفس التيار، وكان أبرزهم موقع فضيلة الدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي في الرابع من أغسطس/ آب فوجدته يتضمن (POP UP) يدعو فيه لتقديم كل الدعم للفلسطينيين، ولم يأت بكلمة أو إشارة للوضع في لبنان. ولن أوسع تعميم الحكم، لكن هناك مواقع سلفية متعددة ترتبط فكريًّا بهذا التيار العقدي، معنية بالشأن السياسي، ولم تكتفِ بالسكوت حيال أزمة كهذه، بل هاجمت حزب الله هجومًا ضاريًا، ومنها موقع مفكرة الإسلام. هذه الفتوى، وملامح الصورة التي عرضناها، جميعها مثلت لحظة كاشفة لأزمة فكر وأزمة تيار.

والواقع أن فتوى كهذه تمس أوضاع المسلمين في أنحاء الكوكب، أو على الأقل تمس مشاعرهم، بل إنها تجاوزت مشاعر المسلمين لتمس مشاعر أناس لا ينتمون للأمة الإسلامية لا بمفهومها العقدي ولا بمفهومها الجغرافي (يمكن في هذا الصدد تقييم موقف فنزويلا التي سحبت سفيرها من إسرائيل احتجاجًا على الحرب الإسرائيلية هناك)؛ فتوى كهذه لا ينبغي أن يتصدى لها فقيه واحد؛ مهما علا قدره بين الفقهاء، ومهما بلغ علمه، ومهما اتسع أفقه؛ ليصبح قادرًا على تفهم تعقيدات فقه الواقع. بل يمكنني القول بأن فتوى كهذه لا ينبغي أن تتصدى لها مؤسسة تعرف أحادية الاتجاه، ولو كانت بوزن وثقل العلم المتوفر لهيئة كبار العلماء بالمملكة السعودية، وهي المؤسسة التي تحكمها نفس الأيديولوجية مما سيؤدي لعين النتيجة.

ففتوى تخص مقاومة العدوان الصهيوني هي من قبيل "فتاوى الأمة" التي ينبغي على الفقيه -قبل التصدي لها- أن "يتعرف على مقتضيات ومتطلبات ومكنونات مفهوم الأمة، من حيث مصالحها وقضاياها والأدوار المنوطة بها والخطاب المتوجة إلى فئاتها، ووعي الأمة وتكوينه والمقاصد المتعلقة بالأمة، والنظر المتكامل لقضاياها المتنوعة وتحدياتها الكلية؛ فالأمة في فتواها يجب أن تكون إستراتيجية وحضارية ومستقبلية بما يعبر عن ضرورات تأسيس علوم للتدبر والتدبير بما يتعلق بعناصر الأمة الجامعة بما يحرك دافعيتها" (راجع على صفحات إسلام أون لاين.نت: أ.د. سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل، نحو منهجية لبناء وفهم "فتاوى الأمة"). وبنفس القدر من الإستراتيجية والحضارية والمستقبلية ينبغي أن تكون الفتوى.

ففتاوى الأمة حالة تحرك عموم الأمة، ولا ينبغي أن ينبري للتصدي للإفتاء فيها فقيه واحد مهما كان قدره، ولا تيار واحد تحكمه نفس الرؤية.

وقد يرى البعض أن التعدد في الفتاوى يوسع على الناس، وهذا صحيح ولا يخالف فيه أحد، لكني أظن أن فتاوى الأمة يجب أن يكون لها وضع خاص. هذا الوضع يجب أن يكون في إطار بناء سياق إجماعي للفتوى، هذا السياق الإجماعي يعبئ الأمة، ويمنع تفتت إرادتها تحت مسمى السعة وتعدد الآراء. قد يكون هذا الرأي محل جدال وفحص ورد، ولكن المهم أن يضع علماء الأمة خصوصية فتاوى الأمة على قائمة القضايا التي تحتاج فحصا جديا.

أنا لا أريد أن أدخل في متاهة مناقشة الفتوى من ناحية، فضلاً عن أني لست متخصصًا في الفقه من ناحية ثانية، فضلاً عن أن هذه الفتوى تقع ضمن نطاق فتاوى الأمة، مما يجعل مناقشتها حملاً ليس هنا محل النوء به من ناحية ثالثة، لكن لنضرب الأمثلة على ما لم تنتبه إليه فتوى تلاميذ ابن جبرين ولا استدراكه عليها، ولنسأل أسئلة بديهية: هل حق مقاومة الاحتلال حق للمسلمين السنة فقط أم حق لعموم الإنسان؟ وهل يحق لنا كأمة أن نتحالف مع حزب الله -مهما اختلفنا معه- في سبيل نصرة أوطاننا والحفاظ على كرامتها كما تحالفت الأنظمة العربية من قبل مع بعض الدول الغربية في الحرب على العراق؟... إلخ، وهل يمكننا كأمة متعددة الأديان واللغات واللهجات والثقافات أن نبني تصورا لمستقبلنا بدون التفاعل الإيجابي البناء بين هذه المكونات من جماعات دينية وعرقية ولغوية وثقافية؟ ويمكننا - بالنظر لخلاصات ونتائج أطروحات الفكر الإسلامي والفقه الإسلامي والتيارات الثقافية الإسلامية - أن نضع لائحة طويلة من الأسئلة أمام تلاميذ فضيلة الشيخ ابن جبرين ليجيبوا عليها قبل أن تؤهلهم الأمة لقبول الفتوى منه.

لن أطيل أكثر من هذا القدر بخصوص ذلك الصدع الذي جعل شريحة من شباب الأمة الناشطين في مجال التطوع الإلكتروني يكرسون جهودهم لتسمية حزب الله بالرافضة الكفرة، بالرغم من أن حزب الله يواجه العدو الأشرس والأكثر غدرًا في التعامل مع الأمة العربية والإسلامية، ويخذلون الناس عن مناصرته، بدون أي نظر لفقه الأولويات أو المآلات أو مقاصد الشريعة، حتى في مثل هذه القضية التي تمس مصالح المسلمين وكرامتهم.


رفض الفتوى.. بين العاطفية والمنهجية

يمكن القول بأن ثمة مكونين هامين حكّما رفض شريحة عظيمة من فقهاء العالم لفتوى فضيلة الشيخ ابن جبرين، ومن بينهم علماء سعوديون أجلاء كفضيلة الشيخ سلمان بن فهد العودة وفضيلة الشيخ محسن العواجي وفضيلة الشيخ محمد بن يحيى النجيمي، ويمكن الإشارة لمكوني رفض هؤلاء العلماء لفتوى ابن جبرين فيما يلي:

المكون الأول مكون يتعلق بالاقتراب المقبول من ملامح صورة فقه الواقع؛ وذلك في إطار الثقافة الذاتية للفقهاء. ويمكن اعتبار الثورة الاتصالية المحرك الأكبر وراء تنامي مساحة الوعي هذه. حيث أضحت الفضائيات أسرع وسيلة لنقل الحدث، كما أن التعددية في الفضائيات حالت دون غسل العقول بتيار واحد من التدفق الإعلامي، مما لم يجعل عذرًا لمعتذر إلا العذر بالجهل الذي لا يمكن إعذار الفقهاء به.

المكون الثاني يتعلق بمدى اقتراب هؤلاء العلماء والمشايخ بالشرائح الجماهيرية الواسعة نتيجة دروسهم ومحاضراتهم، مما رفع وعيهم باتجاهات الإرادة المكبلة للأمة وهمومها ومشكلاتها، وهو ما حال دون ترددهم في إصدار حكمهم برغم أن المواقف السياسية لنظم الحكم العربية تريد تغطية فقهية تبريرية، وكانت تنتوي العصف بأي صاحب فتوى تسير عكس الاتجاه، وبرغم أن بعض هؤلاء المشايخ كان قد غادر المعتقل لتوّه كفضيلة الشيخ محسن العواجي. لكن الرأي العام العربي وفر تغطية مناسبة لهؤلاء العلماء حالت دون اللعب معهم.

غير أننا إذا أشرنا إلى الفتوى المتهمة التي ألصقت بفضيلة الشيخ ابن جبرين بأنها في بنيتها وخصائصها، وفي تحيزها الأيديولوجي، لا يمكن أن تكون ضمن صف فتاوى الأمة، فإن نفس الحكم ينطبق على فتاوى العلماء الرافضين لفتوى ابن جبرين كذلك، لكن انطباق الحكم لا يعني التسوية في الرفض. ففتاوى رفض فتوى ابن جبرين فتاوى مقبولة ظرفيًّا، لكنها لو صدرت وفق منهجية منضبطة تخص فتاوى الأمة لكان وقع هذه الفتاوى اختلف، ولكان أسلوب إخراجها أفضل من زاوية بث الروح في جسد الأمة المنهك لدرجة الموت، ولكان وقعها أشد على أعداء هذه الأمة.

ومن الطبيعي بعد قولتنا هذه أن تُثار تساؤلات من قبيل: لماذا نتجه إلى مزيد ضبط للفتوى؟ وكيف نحقق هذا الضبط لكي يأتي ضمن ما يمكن أن نعتبره فتاوى الأمة، إذا ما تأكدنا من المصلحة الحقيقية الداعمة لهذا الضبط؟ هذه التساؤلات نحاول أن نقدم بعض إجابة عنها في السطور القادمة.


تغيير تكنيك الفتوى.. داعي تعقيدات الواقع

بالنظر إلى فتوى تلاميذ فضيلة الشيخ ابن جبرين يمكننا أن نتوقف عند مجموعة محطات نستفسر منها عن مشكلات تقنية الإفتاء. وقد يكون تعبير "تقنية الإفتاء" تعبيرًا غريبًا يحتاج لتحرير دلالته قبل التصدي عبره للإفتاء في قضايا الأمة، لكنه تعبير بسيط جدًّا يتعلق بكيفية الإفتاء. فهل تستوي عملية الإفتاء في قضايا الوضوء والغسل والحيض بعملية الإفتاء في قضية تتعلق بحياة مسلم واحد أو موته؟ كلا، فهناك فارق نوعي بين القضيتين. وهل تستوي عملية الإفتاء في قضايا الغسل والوضوء والحيض بعملية الإفتاء في قضية تتعلق بحياة مسلمي بلد واحد أو موتهم وإبادتهم؟ كلا، هناك بون شاسع بين المجالين يستدعي دراسة قوية. فهل إذن تستوي عملية الإفتاء في قضايا الغسل والوضوء والحيض بعملية الإفتاء في قضية تتعلق بحياة ومستقبل الأمة الإسلامية؟

ولننظر بمقاربة مخالفة. القرار الذي تتخذه دولة ما اليوم ليس صنيعة أو وليد أفكار زعيم هذه الدولة أو رئيسها. فقرار دولة (أ) بالرد الدبلوماسي حاد اللهجة على دولة أخرى (ب) لا بد أن يسبقه عدة أمور، منها على سبيل المثال ما يلي:

أ - دراسة استثمارات الدولة (ب) لدى الدولة (أ) لبيان مدى تأثير سحب الاستثمارات على معدل البطالة والتضخم والسيولة... إلخ.

ب - دراسة ودائع الدولة (أ) لدى مصارف الدولة (ب)؛ لبيان مدى حجم الضرر الذي سيحدث لرؤوس الأموال هذه.

جـ - دراسة عدد الجاليات من الدولة (أ) لدى الدولة (ب) لبيان إمكانية الضرر الذي قد يقع على مواطني الدولة (أ) في حال حدوث تصاعد سلبي لردود الأفعال.

د - دراسة العلاقات الاقتصادية لرجال الأعمال بين الدولتين للتعرف على مقدار الضرر الذي قد يُصيب شركات الدولة (أ) في حال حدوث تصاعد سلبي لردود الأفعال.

هـ - دراسة وضع الدولة (أ) لميزانيتها وميزانية الدولة (ب) وإمكانيات الدخول في اشتباك بين الطرفين، وتأثيره.

و - قائمة الحلفاء والأعداء المحتملين وتأثيراتهم.

ز - الموازين الدولية واتجاهات مواقف الدول الكبرى.

هذه الخطوات غيض من فيض من القرارات التي ينبغي على دولة ما اتخاذها قبل أن تفكر في رفع درجة حدة الخطاب في المعترك الدولي. وكل خطوة من هذه الخطوات يقف وراءها خبراء ومستشارون متخصصون لدعم خطوة كهذه. والغريب أن فقهاءنا لا يبالون أن يتخذوا تدابير تبلغ معشار هذه التدابير حين يتصدون للإفتاء في فتوى قد يترتب عليها أن تحيا هذه الأمة أو تموت، أن تحيا عزيزة أو تموت في رداء الصغار والذلة.

قضايا الأمة تحتاج مؤسسة لا جهدًا فرديًّا، مؤسسة تضم خبراء في العلوم المختلفة غير الشرعية، مؤهلين لاستنتاج احتياجات الفقهاء. كما تضم مفكرين إسلاميين في مختلف مساحات الفكر الإنساني. وأخيرًا تضم مجموعة كبيرة من الفقهاء؛ كل مجموعة منهم مؤهلة للتعاطي مع نتاج مجموعة معينة من العلوم، وتقوم هذه الأقسام الثلاثة بدور المراجعة على بعضها، حتى يخرج القرار في النهاية معبّرًا عن رؤية ثاقبة ومتزنة للتضاريس الكاملة للقضية التي نتصدى لها ضمن فتاوى الأمة، وأن نفرع عنها سيناريوهات العمل وبدائل التصرف على المستويات: الأهلي والمدني ثم الرسمي لكل قضية فرعية من البناء الأكمل للقضية، وأن نغرس الحكم الشرعي لهذه الأعمال والتصرفات في عمق أحلام الأمة ورغبتها في كشف هذه الغمة وفي صلب إرادتها. هنا يكون لهذه الفتوى معنى متميز، ويتبع ذلك أن تصير الدعوة لاستفتاء بين عموم الفقهاء المعتبرين عليها، حتى تتدفق الحياة في أوردة هذه الفتوى، فتضخها بالتالي لقلوب أبناء الأمة وإراداتهم وعزائمهم.

أظن أنه قد آن الأوان لندير العدوان على فلسطين ولبنان بتقنية إفتائية تختلف عن التقنية التي أدار بها أجداد أجدادنا العدوان على نفس البلدين مع الفرنجة.

2006-04-14

الإعجاز العلمي.. بين الدعوي والثقافي


الحديث عن الإعجاز العلمي حديث عن آلية دعوية فعالة نشأت كاستجابة لمحاولة افتعال وقيعة بين الإسلام والمكتشفات العلمية. هذه الوقيعة من شأنها أن تجعل القرآن منتج تاريخي غير قادر على استيعاب التطور على الصعيد العلمي. وفي هذه الحالة يفقد القرآن حجيته في مواجهة عالم تتطور منتجاته العلمية بمتتالية متسارعة. وهذا ما يدعونا للوقوف على دور هذه الآلية في الدعوة ولماذا تجد هجوما على منهجها في الآونة المعاصرة، سواء حمل هذا الهجوم غيرة على الدين أو غيرة منه من ناحية أخرى. هذا ما نحاول استكشافه في هذه الورقة.

وبرغم الفعالية التي تحظى بها هذه الآلية في مجالات محددة سنراها تاليا، إلا أن هذه الآلية الدعوية تواجه بحملة فكرية تحمل على عاتقها رهاب مرضي اسمه تسكين العقل. يقوم هذا الرهاب على اعتبار أن هذا المنهج يضمن نوع من التفوق الافتراضي للدين الإسلامي، يعمل كمخدر للوعي، ويدفع المسلمين للاستسلام بواقع التعويض، ومن ثم يتقاعسون عن إعمال العقل وبذل الجهد لمواجهة الفجوة العلمية بين العالم الإسلامي والعالم الغربي. ومع تقديري لوجهة النظر هذه إلا أن توقف العقل عند حضور منهج دعوي بديل كهذا هي مشكلة تعكس رغبة في الخلود إلى الأرض لدى من يريد التقاعس، ولا تعكس خللا في قدرة هذه الآلية على معالجة احتياجات دعوية محددة سنراها تاليا.


الإعجاز.. استجابة أم رد فعل

قلنا أن آلية الإعجاز العلمي مثلت نوعا من المواجهة للحالة التي تعلو بالنظريات العلمية النسبية على مطلق الوحي رافضة أن ترتكن إلى الوحي كمصدر من مصادر المعرفة، فضلا عن أن تؤمن به. ولهذا يمكن القول بأن اللجوء لآلية الإعجاز العلمي ضمن أساليب الدعوة لم تتجه نحو التبلور الذي نلمس نتائجه اليوم إلا في إطار استيعاب الوعي الإسلامي لمحورية دور العلم في إدارة العلاقة مع الغرب المستعمر (نموذج الشيخ طنطاوي جوهري)، كما شهد اتجاها نحو مزيد من التبلور مع نشأة اتجاهات التغريب التي تقرن بين المذاهب الاجتماعية الحداثية كالاشتراكية وغيرها وبين العلم استنادا إلى ما دعاه البعض: وحدة المنهج في العلوم. وهذا المنهج في فلسفة العلم حاول أن يفرض إمكانية استخدام المنهجية العلمية المستخدمة في العلوم الطبيعية على العلوم الاجتماعية والإنسانية، وكانت النتيجة المحتمل ترتبها على ذلك المنهج تتمثل في القول بعدم صلاحية القرآن للتعاطي مع واقع علمي طبيعي يمكن سحبها على واقع القرآن كشريعة تنظم الحياة الاجتماعية.

وفي هذا الإطار تمثلت استجابة العلماء المسلمين تطوير آلية لاكتشاف استيعاب المنهجية الإسلامية لمكتشفات العلوم الحديثة وعدم تناقضها معها. والواقع أن التاريخ الإسلامي شهد من قبل استجابات إسلامية كثيرة لضغوط الواقع على الدعوة الإسلامية والعقيدة، لعل أبرزها علوم الحديث التي نشأت بسبب الوضع والتدليس وتجريح وتزكية رواة الأحاديث، وعلم الكلام في صورته الاعتزالية ثم تطورها نحو التوجهين الأشعري والماتريدي. وعلم أصول الفقه، وغير ذلك من الأمثلة الكثير.

فارق كبير بين اللفظين: "الاستجابة" و"رد الفعل". الاستجابة طرح منظم مدروس مبني على تقدير للحال والمآل بما فيهما من ظروف وتركيبات، أما رد الفعل فيغلب عليه الارتجال والتخبط والرغبة في فعل شئ مضاد من دون ضبط للبوصلة في اتجاه يراه أصحاب رد الفعل صحيحا. كما تجدر الإشارة إلى أن تاريخ التحولات الحضارية ومسيرة التاريخ كما يرى المؤرخ أرنولد توينبي هي سلسلة منهجية من المثيرات والاستجابات، ولا نطنب إذا ما أشرنا إلى أن رسالات الله بالإسلام في ثوبه اليهودي أو المسيحي أو المحمدي إن هي إلا قدر وضع له الله تعالى صورة الاستجابة لانحراف البشر عن الفطرة والغاية من الخلق.

وحين نتحدث عن تخوفات مشروعة لبعض المثقفين المسلمين من أن يكون اللجوء للإعجاز العلمي أمر من قبيل الفرار واللواذ بالنص القرآني المغلف بغلاف الإعجاز العلمي كنوع من التعويض النفسي عن حالة التراجع أمام مد الغرب، هذا التخوف "المشروع" على الدعوة مرده مراجعة المفكرين لـ "حضور الغرب والمواجهة معه في الخطاب الدعوي الإسلامي" وأثره هذا الحضور وتوجهه وطبيعته سلبا على الخطاب الإسلامي لدرجة التأثير على القرآن نفسه، حيث إن مفردة العلو الإسلامي المستخدمة في الخطاب الدعوي لا تستقيم من دون تحقير الغرب اجتماعيا وأخلاقيا وتعويض الفقر التكنولوجي و"ردم" الفجوة العلمية بين الذات والغرب باللجوء للإعجاز العلمي والمغالاة فيه والاستغراق به بصورة غير صحية، وهو ما قد يعني في النهاية حرمان الأمة من عدة أمور مهمة لمستقبلها، منها ما يلي:

أ – عدم رؤية الجانب الجيد من منجزات الغرب العلمية والاجتماعية. وعدم إبصار التعددية الحقيقية داخل الغرب وتقاطع هذه التعددية مع آمال أمتنا وطموحاتها.

ب – استمرار الهروب من الواقع ثقافيا والعيش في حالة وهم ظاهرها الإحساس بالاستعلاء على الغرب بالإعجاز العلمي وباطنها تكريس عقدة تفوق الغرب في باطن وعي الأمة.

جـ- - عدم مراجعة مناهج الكثير من الحركات الإسلامية التي تكلست وعجزت عن مواجهة تطورات الواقع الاجتماعي بالتركيز على قائمة من القضايا الهروبية، ومن بينها قضايا بالغة الأهمية لكن ساء توظيفها.

هذه التخوفات مشروعة، ومن حق أي غيور على الخطاب الإسلامي إعادة فتحها لوضع سقف لأي توظيف خاطئ لآلية دعوية هامة، تماما كما أدت سجالات المنهج السلفي مع المنهج الاعتزالي إلى بروز المنهج الأشعري الغالب على العالم الإسلامي التعاطي به اليوم. لكن الفارق بين سجالات السلفية والمعتزلة وما بين الهجمة على الإعجاز العلمي أن الأولى كانت بين منظومتين واضحتي المعالم لا بين منظومة مستقرة وأخرى قيد التشكل.

لكن لا يزال التحفظ على الإعجاز العلمي حاملا أزمة أخرى منهجية، سيرد الحديث عنها لاحقا.


الإعجاز والدعوة.. الدعوة النخبوية

مئات من العلماء والمفكرين والفلاسفة مست تطبيقات مفهوم الإعجاز العلمي قلوبهم. ولعل حصرهم مسألة تحتاج لوقت غير الوقت ومقام غير المقام، لكن حسبنا في ذلك الإشارة لذلك الكتاب الطيب: لماذا أسلمنا الذي جمعه ورتبه عبد الحميد السحيباني، ليعرض لنا شهادات عدد كبير من العلماء الطبيعيين: الفيزيائيين والفلاسفة والأطباء الذين تحولوا للإسلام بعد أن تعرضوا لمؤثرات من دعاة مسلمين ركزت على قضايا الإعجاز العلمي والرحلات إلى بلاد الشرق.

ومن بين هؤلاء المئات نأخذ مثالا الفيلسوف الفرنسي البارز رينيه جينو، والعضو في مجلس النواب بفرنسا، حيث قال عن سبب إسلامه: "لقد تتبعت كل الآيات القرآنية ذات الارتباط بالعلوم الطبية والصحية والطبيعية، التي درستها من صغري، وأعلمها جيداً، فوجدت هذه الآيات منطبقة كل الانطباق على معارفنا الحديثة، فأسلمت لأني تيقنت أن محمداً أتى بالحق الصراح من قبل ألف سنة. ولو أن كل صاحب فن من الفنون، أو علم من العلوم، قارن كل الآيات القرآنية المرتبطة بما تعلم مقارنة جيدة كما قارنت أنا لأسلم بلا شك، إن كان عاقلاً خالياً من الأغراض".

وغير جينو هناك المئات، نذكر منهم المفكر السويسري روجيه دوباكييه، والمفكر الفرنسي روجيه جارودي، والمفكر النمساوي ليوبولد فايس، والأديب والفيلسوف الإنجليزي مارتن لينجز، و الدكتور الفرنسي موريس بوكاي، وعالم الرياضيات الكندي جاري ميلر ، و أحد أكبر علماء التشريح والأجنة في كندا كيث مور، والبروفيسور تيجاتات تيجاسون رئيس قسم علم التشريح في جامعة شيانك مي بتايلاند، و أستاذ الرياضيات الأمريكي جيفري لانج. ولن نتحدث عن علماء أكثر، ولن نتحدث عن قساوسة تحولوا إلى الإسلام بسبب أزمة المسيحية الحقيقية مع العلم، لكن هذا العدد الكبير من العلماء مؤشر على أهمية هذه الآلية الدعوية.

ولو عدنا لرينيه جينو – كمثال - لوجدناه في ممارسته للدعوة الإسلامية، وقد أطلق على نفسه بعد إسلامه اسم الشيخ عبد الواحد يحيى، وبدأ يركز في أفكاره على المرجعية الإسلامية لحضارة الغرب وثقافته، والفضل الكبير الذي كان للمعطى الإسلامي على الغرب في مضامير الطب والهندسة والفلك والرياضة والفنون والعلوم الأخرى، ولم يكتف بذلك، بل أخذ يُظهر عظمة القرآن وإعجازه العلمي بعد أن وجد ارتباطاً بين الآيات القرآنية وما جاءت به الكثير من العلوم الطبية والطبيعية والعلمية بوجه عام.

والحق أننا عندما نتحدث عن إسلام هؤلاء العلماء فإن هذا الحديث لا يعني هروبا، ولا يعني اتكال على الإعجاز، لكنه تقدير للمسؤولية حيال نخبة من العلماء الطبيعيين أو غيرهم، رفيعي التكوين الثقافي، مؤهلي القدرة البحثية النقدية، وهو ما يثير مسؤولية دعوية على مستويين،الأول: هل أضحى هؤلاء البشر الذين سيسألنا الله عنهم يوم القيامة بمعزل عن الدعوة الإسلامية متترسين بالعلم، والثاني: هل انعدمت لدينا القدرة على مواجهة ما قد يثيره هؤلاء من شبهات علمية في وجه الدين؟ والإجابة على هذين السؤالين تعني أن الإعجاز العلمي كآلية دعوية نجحت في التعامل معهم على عدة مستويات في المجال، منها:
أ – تدشين آلية قادرة على الاستجابة لقدراتهم التمحيصية المتجاوزة لقدرة الإنسان العادي، وهو ما يعكس استجابة فعالة للمسؤولية عن أمرين أولهما: الاطمئنان إلى القدرة على دعوة هذه الفئة المتعالية من البشر، وثانيهما: الاطمئنان على القدرة على مواجهة تحديات قد يثيرونها في مواجهة الإسلام.

ب - توفير مرجعيات قطرية أو أكاديمية للدعوة في الدول الغربية. فالدعوة الإسلامية في العالم غير المسلم تحتاج إلى توفير رموز لتمثل قدوة أو مرجعية للاستشارة أو معيار للمقارنة الدعوية أو نموذج للاستشهادات الدعوية أو سابقة يتم تقديرها بقدرها.

جـ - تجديد دلالات الألفاظ العربية المستخدمة قرآنيا من خلال عدم قسرها على التاريخ وفتح الباب أمام دلالتها لتتطور وتستوعب المستجدات. وهو ما يتيح استخدامها بما اكتسبته من حيوية وثراء دلالي في الدعوة إلى الله للانتقال بآلية الإعجاز من حيز التعامل مع النخبة إلى حيز تثقيف المسلم العادي.

وأيا ما كان الأمر، فإن مواجهة هذه الاعتبارات جميعها تحتاج لمعالجة هذه الآلية على أعلى مستوى من الإحساس بالمسؤولية العلمية، تحملا لتبعة دعوة هؤلاء، وحمل امانة مصداق قوله تعالى: "سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِى الآفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ" (فصلت: 53).


الإعجاز العلمي ومشكلة المنهج

قبل فترة أثيرت ضجة حول منهج الإعجاز العلمي ومدى لياقته كمنهج ومدى صلاحيته لتقديم صورة عن القرآن في علاقته بالمنجزات والمكتشفات العلمية، حيث أثيرت مقولات حول عدم لياقة منهج تفسير القرآن بالاستناد لمعطيات نتاج العلوم الطبيعية. وهو ما أرى فيه تكلف وتعسف بعض الشئ في التعامل مع هذه الآلية العظيمة. ويمكن أن نلحظ هذا من خلال معالجة حجج المتشككين في لياقة منهج الإعجاز في التعامل مع القرآن.

يميز العالم الجليل الدكتور زغلول النجار بين مفهومين هامين في مجال العلاقة بين القرآن ودلالات ألفاظه وبين العلم، وهما:

أ - مفهوم التفسير العلمي: ويقصد به فضيلة الدكتور زغلول النجار توظيف كل المعارف العلمية المتاحة لحسن فهم دلالة الآية القرآنية. ويميز فضيلة الدكتور في هذه المعارف بين ما يعتبر حقائق وقوانين مستقرة، وبين الفروض والنظريات قيد الفحص، والمتعاملين في هذا المستوى من منهجهم أن يقوموا بتوظيف الحقائق والقوانين كلما توفرت بسبيل تحقيق الهدف، فإن لم تتوفر الحقائق والقوانين فليس ثمة حرجًا من توظيف النظريات لأن التفسير بصفة عامة "جهد بشري"، وتبقى إسهامات الباحث في الإعجاز العلمي "محاولة بشرية" لحسن الفهم، فإن أصاب المفسر فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد، ولا ينسحب خطؤه علي جلال القرآن الكريم.

ب - مفهوم الإعجاز العلمي: فيرى فيه فضيلة الدكتور زغلول النجار موقفا من مواقف التحدي الذي يراد من خلاله أن نثبت به للناس كافة أن القرآن – الذي نزل قبل 1400 سنة علي النبي صلي الله عليه و سلم في أمة كان غالبيتها الساحقة من الأميين – يحوى من حقائق هذا الكون ما لم يستطع العلماء إدراكه إلا منذ عشرات قليلة من السنين، وهذا السبق يستلزم توظيف الحقائق، ولا يجوز فيه توظيف الفروض والنظريات إلا في قضية واحدة وهي قضية الخلق والإفناء وإعادة الخلق (خلق الكون و الحياة و الإنسان و إفناء ذلك كله و بعثه من جديد) لأن هذه القضايا لا تخضع لأدراك المباشر للإنسان، ويبقى للمسلم نور من كتاب الله أو من سنه رسوله (صلي الله عليه وسلم) يعينه علي أن يرتقي بإحدى تلك النظريات إلي مقام الحقيقة، ونكون بذلك قد انتصرنا للعلم بالقرآن الكريم أو بالحديث النبوي الشريف.

وتعليقي الأولي على هذين المفهومين أنهما مستويين لتطبيق منهجي واحد، لكل مستوى منهما وظيفة وجمهور محدد، وهو ما رتب الاختلاف الجزئي للمنهج بين المستويين. لكنني برغم إدراكي لأهمية المستويين أرفض اعتبار الأمر تفسيرا، ولا أجده في الحقيقة تفسيرا، وهي القضية التي لاقت رفضا واسعا وتعليقا كبيرا. أنا أراه خواطر لغوية تستفيد من المنجز العلمي في مجالين هما اللغة والدعوة. ويجب أن أؤكد مرة أخرى على أن رفضي للاسم لا يعني رفضي للمسمى، فأنا واع بأهميته وقيمته، لكن المسمى "تفسير" دال له حقله الدلالي المختلف الذي قد يستوعب الإعجاز العلمي من باب اتساع الدلالة اللغوية للمفردات القرآنية استنادا لمكتشفات العلم.

ونظرا لأن المفهومين أضحيا – من وجهة نظري – مفهوما واحدا؛ ونظرا لارتباط هذا المفهوم بعلاقة اليقيني المطلق بالنسبي الظني؛ فإن المشكلة التي أثارها البعض في مواجهة الإعجاز العلمي على صعيد المحتوى يمكن الوقوف على أساسها متمثلا في قول الأستاذ سيد قطب – رحمه الله – في الجزء الرابع من كتابه القيم "في ظلال القرآن": "إن القرآن الكريم ليس كتاب نظريات علمية، ولم يجئ ليكون علمًا تجريبيًا كذلك، إنما هو منهج للحياة كلها، منهج لتقويم العقل ليعمل وينطلق في حدوده، ولتقويم المجتمع ليسمح العقل بالعمل والانطلاق، دون أن يدخل في جزيئات وتفصيليات علمية بحتة، فهذا متروك للعقل بعد تقويمه وإطلاق سراحه، وقد يشير القرآن أحيانًا إلي حقائق، ونحن نستيقن هذه الحقيقة لمجرد ورودها في القرآن ونتقبل النظريات التي لا تخالف هذه الحقيقة المجملة التي قررها القرآن، ولكننا لا نجري بالنص القرآني وراء أي نظرية ولا نطلب تصديقًا للقرآن في نظريات البشر وهو الحقيقة المستيقنة!!". كما أنه ضمن هذا الرأي أيضا في كتابه هذا الدين.

وعند تجريد المشكلة نجد أن الرأي المتوجس من الإعجاز العلمي يخشى من نتائج توقيف صدقية القرآن الكريم على نظريات علمية لا ترقى لمستوى اليقين والإطلاق الذي يتسم بهما القرآن الكريم وقطعي الدلالة من السنة النبوية المشرفة على قائلها أطيب الصلاة وأزكى السلام. وهذه الغيرة محمودة، ولكنها جزء من التاريخ. ومصدر هذه الغيرة النظر إلى أن العلم حقق طفرة كبيرة بموجب قوانين نيوتن الثلاثة. ثم جاءت النظرية النسبية لترفض ما ترتب على هذه القوانين من نظريات وأبدعت منظورا جديدا وتطبيقات أحدث في مجال الفيزياء والرياضيات البحتة والتطبيقية وغيرها من المجالات. ثم جاءت نظرية الكوانتم لتثبت وجود أخطاء جسيمة بالنظرية النسبية، وقدمت مشروعا لعلاجها، وفندت النظريات التي بنيت على تلك الأخطاء واستبدلتها بالجديد، وهكذا يسير العلم دواليك. فهل هذه النظريات تصلح لأن نقيم صدقية وصلاحية القرآن بالاستناد إليها.

والحقيقة أن منهج أداة الإعجاز العلمي – مثله مثل أي منهج – له مسلماته. فلو نظرنا لتفسير القرآن بالأثر نجد أن من مسلماته مثلا صحة الأثر، ثم أولوية القرآن على السنة في حالة التعارض وعدم إمكان التوفيق.. إلخ. كما أن كل من مناهج المعتزلة (الكشاف للزمخشري)، والأشاعرة (زاد المسير لأبي الفرج الجوزي)، وهكذا تختلف تأثيرات المنهج في النظر للقرآن الكريم بحسب مسلمات كل منهج. وتكمن صلاحية المنهج الذاتية في التزامه بمسلماته، وتكمن صلاحيته في الاستخدام في القبول بالمنهج ومسلماته.

وفي هذا الإطار نجد أن من مسلمات منهج الإعجاز أنه لا يوقف صحة وصلاحية النص على نتائج النظر العقلي. فهو ليس تفسيرا أو استشهادا على خطا المنهج المعتزلي، بل إن الخط الأساسي لهذا المنهج يعتبر القرآن هو المركز، وتخدمه الحقائق والنظريات العلمية طالما أنها لا تؤدي للي عنق النص/تأويله. ومع اختلاف مستوى الإعجاز تتفاوت المسلمات على نحو ما أوضحنا في تعريف مفهومي الإعجاز والتفسير. كما أن لغة القرآن من إعجازها أنها استوعبت التطور العلمي داخلها من دون الحاجة لقهر مفردات القرآن. فقوله تعالى: "والأرض بعد ذلك دحاها" (النازعات: ) حملت لدى الإعرابي البسيط في زمن النبوة معنى الاستواء والتمهيد، وحملت في القرن العشرين معنى جعلها كالبيضة أي شبه كروية. ففي إطار اتساع اللغة العربية ومفردات القرآن لمثل هذا التحول هو المقصود بالإعجاز. فهذا القرآن حمل هذه المعلومة منذ 14 قرنا في مفردة لغوية اتسعت لكلا الدلالتين. وفي هذا الإطار أختم بثلاث ملحوظات بالغة الأهمية.

الملحوظة الأولى أن هناك معلومات مستقرة ومتفق عليها علميا الآن من قبيل أن الأرض كروية ومن قبيل صدع الأرض، فهذه المعلومات والحقائق مؤكدة بشهادات العلماء، ولن تتغير. فلن نستيقظ يوما لنجد أن الأرض قد صارت مربعة. لكن التغير في الفرضيات والنظريات العلمية التي لم ترق لمستوى الحقائق والمعلومات وتلاحق هذه النظريات وتعاقبها على نحو ما أوضحنا من قوانين نيوتن إلى النظرية الكمية.. وغيرها من المجالات، فهذه النظريات الظنية لا تتوقف عليها صحة القرآن. فهذا ليس من مسلمات منهج الإعجاز. فما وافق منها القرآن استوعبته النظرية كاحتمال لغوي يعجز القرآن، وما خالف القرآن اعتبرناه ظنيا وتعاملنا معه باعتباره مجرد نظرية طالما لم يرق لمستوى المعلومة. وقد أثبت التاريخ، وتحولات العلماء باتجاه الإسلام أن هذا المنهج سليم وفعال طالما تم الالتزام بمسلماته.

الملحوظة الثانية: اللغة اجتماعية. والعلاقة بين الدال والمدلول في اللغة: أي بين المفردة ومعناها علاقة ذات بعد اجتماعي. فلو نظر احدنا لدلالة كلمة معينة سيجد في القواميس والمعاجم المحترمة أنها لها دلالات عديدة، بعضها ترقى أو انحط بسبب الاستعمال، وبعضها تراجع في دلالته على المفردة إلى رتب دنيا نتيجة الهجر وسوء الاستعمال. بل إن بعض المفردات نشأت واستحدثت في إطار عمليات التعريب والترجمة واختلافات المذاهب والاكتشافات العلمية. في هذا الإطار يمكن استيعاب التطور العلمي وعلاقته بالإعجاز. فاكتشاف كروية الأرض هو إضافة للحقل الدلالي لمفردة "الدحية" التي استخدمها القرآن للدلالة على تسويته لهيئة كوكب الأرض، وهكذا.

الملحوظة الثالثة: لا يمكن عندما نعالج هذا الموضوع أن ننكر أننا نتحدث عن مجال بحثي يخضع لفحص مجتمع بحثي مؤهل للتعامل مع هذه المساحة، ويعلم المؤاخذات التي تترتب على تجاوز هذا المنهج لمسلماته. وفي هذا الإطار نشير إلى إسهامات العلماء الأجلاء مسلم شلتوت وأحمد شوقي إبراهيم والباحثين الجادين أمثال علي أسعد وغيره في تأصيل وتطوير ضوابط المنهج ومسلماته وفي مراقبة تشغيل هذا المنهج، وهكذا كانت الثقافة المسلمة دوما.. إبداع على مستوى المنهج ثم تشغيل هذا المنهج وتلقي الاستجابات عليه وتطويره.