خواطر عن المجال العام في مصر..

2006-01-24

السؤال المشبوه: هل ينقلب الإسلاميون على الديمقراطية؟


حتى متى ستظل النخبة المثقفة المصرية تعاود المربع "صفر" في أحاديث السياسة وبناء التوافق حول الديمقراطية مضحية في هذا الإطار بمصالح وطن لن تقتصر إيجابيات بنائه على قطره فحسب، بل على عموم أمتنا العربية وعمقها الإسلامي. لقد تابعت خلال الفترة الماضية ذلك السجال الذي أعقب الانتخابات النيابية المصرية، وبخاصة الهواجس التي أعقبت تزايد الحضور النيابي للتيار الإسلامي، تلك الهواجس التي أعادتنا لأجواء مناخ الاستقطاب الثمانيني الذي شهد حالة تكفير علماني وإسلامي، حرص فيها كل فريق من فصائل العمل الوطني على تكفير خصمه استنادا لمعيار متميز، وكانت الديمقراطية ذلك المعيار الذي اتخذه المعسكر العلماني ليقيس عليه كفر التيار الإسلامي، وكانت الحاكمية وتقبلها بمثابة معيار التيار الإسلامي لفرز أنماط التحالف والعداء المحتملين.


من الإقصاء إلى التوافق

اليوم، وبرغم أن كتلة لا بأس بها من الحالة الوطنية -بما فيهم شريحة واسعة من الإسلاميين، علاوة على الليبراليين والحقوقيين واليساريين والقوميين- يقدمون طرحا مدنيا لبناء التوافق على الديمقراطية والمصلحة الوطنية الحقيقية في مصر أملا في تعزيز الحالة الديمقراطية التي تكفل عدم تهميش آراء الجماهير العريضة قبل تجاهل مصالحها لصالح اعتبار مصالح نخبة حاكمة ضيقة وتقدير تطلعات هذه النخبة للسلطة والمال، برغم هذا فلا تزال ثمة شريحة تصر على منع الأمة أو طليعة هذه الأمة من بناء التوافق حول تكريس الديمقراطية، مع تورعنا عن سرد دوافع قد تفسر هذا المسلك الذي لا يصب إلا في صالح نظام تآكلت شرعيته.

وقد يبدو للقارئ منذ الوهلة الأولى أن هذا التخوف العلماني مشروع. إلا أنه ليس كذلك، على الأقل من وجهة نظري؛ فخريطة القوى السياسية المركزية تقاسمها قسمان: الحزب الوطني بإمكانيات الدولة، وجماعة الإخوان بإمكانياتها الذاتية وبأنماط تحالفاتها الشعبية البسيطة، وبين هذا وذاك انتفى وجود القوى العلمانية بدرجة قوة تمثل "5% المعتبرة" من مقاعد مجلس الشعب.

وعندما يقرأ الفريق العلماني الرافض للوجود السياسي الإسلامي حالة القوتين السياسيتين المركزيتين سيجد أن الحالة الإسلامية عكست مجموعة من السمات الإيجابية دفعت قطاعات من الجماهير للالتفاف حولها في انتخابات بعد أخرى، كما دفعت شريحة عريضة من النخبة العلمانية المثقفة للعمل معها على بناء هذا المشروع التوافقي، وكان من بين هذه السمات سمات إيجابية للتيار الإسلامي مثل: عمليات تطوير وإنضاج الخطاب السياسي والثقافي في اتجاه أكثر مدنية وأكثر نضالية وأكثر تقديرا لمصالح الناس وابتعادا عن إيثار المصالح الذاتية، في حين لم تتوافر الكثير من هذه السمات للقوة المنافسة والمتمثلة في الحزب الوطني الحاكم.

ودوافع القوى العلمانية الوطنية للتوافق المزمع مع التيار الإسلامي تتمثل في حاجة القوى العلمانية لأن تتحرك بهذه القوة المركزية باتجاه بناء توافق عام يعلي مصلحة الوطن، وأن تبذل قصارى جهدها في إنضاج النموذج الإسلامي مادامت تراه يحتاج لمزيد نضج، وأن تنمي نفسها وقوتها في إطاره وبالتعاطي معه وفي حمايته، وأن تشترك معه في صياغة وعي عام ذي طبيعة جماهيرية يرعى هذا الوفاق ويصونه.

أما القوى التي تصر على منع بناء هذا التوافق، وتضيف لذلك انتقادها الذي لم يتغير منذ الثمانينيات للحالة الإسلامية، هذه القوى تصر أولا على الزج بنفسها في قائمة من يحتاجون مراجعة أنفسهم ومواقفهم السياسية والثقافية وفق مبادئهم الأساسية أولا قبل مراجعة هذه المبادئ نفسها، كما تصر ثانيا على تكريس الوضع الراهن الذي يعاني منه الوطن: مصر وأهلها.
غير أن الأخطر فيما يترتب على سلوك القوى التي تصر على منع بناء التوافق أن هذه القوى تستعدي الدولة بإمكانياتها على التيار الإسلامي لتتم تصفيته؛ لتدور الحالة العلمانية الكلية في حلقة مفرغة.. فلا التيار الإسلامي يثق في الحالة العلمانية، ولا يسمح بالتحاور معها وتقوية حضورها، ولا هو نفسه يتنامى بصورة مضطردة لتضع حدودا لتغول الدولة وعدوانها على المجتمع وطلائعه السياسية، ولا خاسر إلا الوطن: مصر وأهلها.


هل ينقلب الإسلاميون على الديمقراطية؟

لا شك في أن بعضا من الاستفسارات والارتيابات التي يطرحها بعض العلمانيين الوطنيين مشروعة، ومن بينها: السؤال الذي طرحه خبير التنمية السياسية أ. ضياء رشوان حول كيفية الانضمام للإخوان، موضحا أن التنظيم الإخواني لا يزال مبنيا على أساس غير مدني: يقصد اعتبار السرية وخلفياته، وهو رأي معتبر جدا.

وثمة غيره من الآراء والاستفسارات والارتيابات المعتبرة التي تؤدي إثارتها ليس فقط إلى استيعاب الإسلاميين في الحياة العامة في مصر - وهم القوة الأكبر فيها- فقط، بل ستؤدي أيضا لترشيد رؤاهم وأدائهم المدني والسياسي.

غير أن ما نراه من أولويات العمل الوطني الآن هو ضرورة أن نوصد باب التكفير العلماني المطروح بقوة في هذه الآونة لنفتح الباب على مصراعيه أمام القوة الإيجابية للإسلاميين، التي قد يكون فوز مصر الأساسي من ورائها هو فتح الباب على مصراعيه أمامها، لدفع الجماهير للتنحي عن قرار السلبية، ومعاودة اقتحام الشأن العام بعد غياب امتد منذ مطلع خمسينيات القرن الماضي وحتى اليوم.

ولكن هل ينقلب الإسلاميون فعلا على الديمقراطية عندما ترجحهم الإرادة الشعبية؟.. الحقيقة أن الإجابة في علم الله، غير أني أتفق مع شريحة المثقفين الذين ذهبوا إلى أن التعرض لهذه القضية شق عما في الصدور، واستمرار لمسلسل التكفير على الطريقة العلمانية.

لكن هذا لا يعني إهمال القضية، كما أن تركيز القوى العلمانية الكلاسيكية في مصر على احتمال انقلاب الإخوان لا يعني تغييب إمكان انقلاب أية قوة سياسية أخرى على الديمقراطية، ولا شك في أن مثقفي مصر يتفقون في أن المنظومات العلمانية أفرزت خبرات سياسية شمولية عصيبة كثيرة بقدر ما أن المنظومات الدينية أنتجت خبرات شمولية عصيبة عديدة أيضا.

وفي المقابل، يمكننا التأكيد على قاعدة أنه لا توجد منظومة فكرية لا تستبعد خصومها، بما في ذلك المنظومات الديمقراطية؛ إلا أن الطرح الديمقراطي هو الطرح الوحيد الذي يبرر استبعاد الخصوم وفق شيوع معايير إقصائية غير مقبولة في فكرهم. ولكن، هل تقترف الديمقراطية نفس الإثم الذي تعيب به الأطروحات غير الديمقراطية؟


التوافق حالة ثقافية

المراقب لمشروع التوافق الذي بسبيله لفرض نفسه في مصر يجد أن ثمة اتجاها عاما فيه لرفض أي مبرر يسوقه أي أحد لتعميق "ثقافة الإقصاء" أو "ثقافة الشق عن الصدور". والفكر السياسي الرصين يسعى لتقديم مناعة أو حصانة مجتمعية ضد كل ما يهدد الملكية العامة سواء أكانت هذه الملكية قيما مادية أو معنوية، وسواء أكان التهديد يتمثل في تكريس هذه القيم العامة أو تغييرها عبر سبل الفساد أو الاستبداد أو الإقصاء. فكيف تكون الوقاية؟ وما الأطروحة التي ينبغي الإصرار عليها في هذا الصدد؟

الواقع أن أية مدرسة تعمل على تقديم الوعي الوطني على الوعي الفصائلي بحاجة لتكريس درجة عالية من التوافق العام حول مصلحة ذلك الوطن الذي أدى الوعي الفصائلي/التنافسي/الإقصائي إلى نهبه وإهدار مصالحه. وهذا التوافق حالة ثقافية عامة كتلك التي في خطواتها الأولى بسبيل الاستقرار في الوعي السياسي المصري، هذه الحالة الثقافية تمثل اتفاقا على ما لا يمكن مخالفته من قواعد وآداب وأخلاقيات وطنية في ممارسة العمل العام.

إلا أن الأهم من ذلك كله أن تسعى القوى الوطنية لأن يتسلل هذا الحس التوافقي بمنظومته الأخلاقية لقلب وعقل رجل الشارع، وأن يستقر في وجدانه وإرادته في صورة عرف مستقر قادر على توفير إطار معنوي يردع من يحاول انتهاكه. فأي مشروع للإصلاح لن يكتب له النجاح حتى يتوفر له أمران؛ أولهما: كتلة اجتماعية وسياسية شعبية تؤمن به، وثانيهما: استعداد هذه الكتلة لدفع ثمن الإصلاح والتغيير.

والمشكلة في تفاصيل هذا التوافق أنه لا بد من أن يتضمن قيما مهمة يحتاج الخاصة والعامة لاستيعابها، لعل أهمها ضرورة أن يميز الناس بين الحكومة والدولة، وأن يتيقنوا من أن الشرطة والجيش والتليفزيون العام هي أدوات للدولة وليس لحزب مسيطر على الحكومة، وعلى النخبة المثقفة في الفترة القادمة أن تستكمل رصد وكتابة وغرس هذه القيم، وأن تصوغ وصفا وميثاقا للعمل السياسي النزيه.

فلابد من أن يتعلم الناس ثقافة رفض التسلط، وأن تتكرس بداخلهم ثقافة مقاومة الاستبداد، وقد رأينا من خلال "موقع تغيير" كيف أن آليات رفض الاستبداد بدون عنف عديدة، حيث رصدوا منها 110 آليات.

ولهذا كان من المهم رصد ظاهرة تكرار تظاهرات حركة كفاية التي لا يكمن منتجها النهائي في تجميع أصحاب المواقف والرؤى الإصلاحية في تظاهرات تحاول التواجد في الشارع وبين الناس وليس فقط في الصالونات وما شابهها، بل إن منتجها النهائي يتمثل في تحقيق اعتياد الناس على ممارسة الحقوق المدنية المعترف بها عالميا، وعلى رأسها حق التظاهر ورفض الاستبداد ومحاولة تقويم اعوجاج الممارسات السلطوية التي تضرب بإرادة الأمة ومصلحتها ووجدانها عرض الحائط.. إن بقي حائط.


الوقاية خير من الاستبداد

أنا أرى أن التساؤل حول إمكانية انقلاب أية قوة سياسية على الديمقراطية ليس سبيلا لطرح علاج، بل لمنح الفرصة لاستشراء الداء. والحقيقة أن الحديث عن علاج بدون الحديث عن استعداد لدفع الثمن هو حديث عبث. وأرى أن هذا المقام ليس مقام الحديث عن علاج، بل هو حديث عن وقاية، هو حديث عن مصر القادمة برغم أنف مصر الحاضرة التي يرى المتفائلون أنها حبلى ببشائر الارتحال.

المقام من وجهة نظري أن مصر القادمة تحتاج وقاية. والوقاية ليست في الاستسلام للسؤال الذي تم طرحه بصيغة الإقصاء: هل ينقلبون على الديمقراطية، بل في وضع القضية في وضعها الصحيح، الوضع الذي يمكن تحويله لرصيد ثقافة اجتماعية عامة تتولى التعبير عن رفضها للفساد، وتتجاوز التعبير إلى محاسبة وتقويم السلطة.

وليتذكر كل وطني محب لبلاده أن دوره الإصلاحي ليس فقط في أن يقول لا، بل في أن يحافظ على الحياة وينشطها في جسد تحاول الممارسات الاستبدادية أن تميته وتسلبه الحياة. بهذا فقط لن تجرؤ أية قوة على التنكر للديمقراطية.