خواطر عن المجال العام في مصر..

2006-08-11

العلماء وفتوى تلاميذ ابن جبرين الطائفية.. من الرفض العاطفي إلى الرفض المنهجي



From وجع دماغ.. مدونة وسام فؤاد

لم يكن يتصور مراقب أن يتكرر سيناريو فتوى فضيلة الشيخ ابن باز التي بررت استعانة بعض الدول العربية بقوات الاحتلال الأمريكية للدفاع عنها ضد قوات دولة عربية في عام 1991 (أزمة غزو العراق للكويت)، لكن هذا السيناريو تكرر وبصورة أكثر مأساوية مع فتوى نشرت باسم فضيلة الشيخ عبد الله ابن جبرين في الثاني والعشرين من شهر يوليو/ تموز 2006.

وقد يكون الزلزال الذي شق الأمة العربية والإسلامية في 1991 مُبررًا على استحياء صارم شديد لإصدار فتوى فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز؛ لأن العراق برغم كونها دولة عربية، فإن قيامها بغزو الكويت، مع الميل الجلي لميزان القوة الإستراتيجية لصالحه؛ قد يؤدي إلى عواقب وخيمة مع دخول دول عربية محدودة القدرات والخبرات العسكرية في مواجهة عسكرية مباشرة معها. غير أن الحرب التي تشنها دولة الاحتلال على لبنان لا توفر قاعدة من أي نوع لتبريرها عبر فتوى كتلك المنسوبة لفضيلة الشيخ ابن جبرين، إلا من خلال شق صف الأمة الذي توحَّد وتراص في مواجهة عدوان العدو، حتى إنه من المؤسف أن تنشر صحيفة "يديعوت أحرونوت" الفتوى نقلاً عن قناة "فوكس نيوز" وصحيفة "نيويورك صن" الأمريكيتين خبر الفتوى وصورتها تحت عنوان "رجل دين وهابي في السعودية يصدر فتوى قاسية جدًّا ضد حزب الله"؛ بما يعطي دلالات كثيرة، وبما يحقق أهدافا كثيرة، لن يكون من بينها أية دلالة أو هدف إيجابيين.

ولا يشفع في هذا الصدد ما تردد من أن الفتوى صدرت قبل فترة طويلة من الحرب، وأنه أُعيد تحريرها ثم تصديرها إعلاميًّا لتحقيق تغطية على عدة قرارات سياسية. وبرغم أن الدكتور عبد الرحمن ابن فضيلة الشيخ ابن جبرين قد أوضح أن الفتوى لم تصدر عن والده، وإنما حررها بعض تلاميذه، فإنه مما زاد الطين بلة أن فضيلة الشيخ ابن جبرين لم يواجه خطأ تلاميذه بمعالجة إعلامية بنفس قدر الضجة الإعلامية التي أعقبت نشر هذه الفتوى باسمه، ناهيك عن أنها لم تُعالج أمورا لا يقل أحدها أهمية أو خطورة عن الآخر:

فمن ناحية، يرى بعض المراقبين أن مثل هذه الفتوى أحدثت قدرًا من الشرخ في الوعي الشعبي في اتجاه رفض التعاطف الشعبي مع لبنان بدعوى أن الطرف اللبناني المنخرط في الحرب الدائرة على لبنان إنما هو طرف رافضي وليس سنيًّا، وهذه من المآسي الكبيرة.

ومن ناحية ثانية، فإن صدور فتوى كهذه في توقيت كهذا من شأنها أن تكرس صورة سلبية للتيار الوهابي في علاقته بقضايا الأمة المصيرية، والأسوأ أن تقرن في ضمائر أفراد الأمة بفتوى فضيلة الشيخ ابن باز رحمه الله بخصوص جواز الاستعانة بالأجنبي لمواجهة المعتدي المسلم التي صدرت في عام 1991، وهو ما قد يؤدي تراكمه إلى تكريس صورة ذهنية سلبية عن عموم هذا التيار.

ومن ناحية ثالثة، فإن تحرير وتحديث تلاميذ فضيلة الشيخ ابن جبرين للفتوى بهذه الصورة جاء تعبيرا عن غياب الوعي بأمرين بالغي الأهمية، ألا وهما خصوصية فتاوى الأمة من ناحية، وتغير ملابسات الواقعة محل الإفتاء. كنت أتصور أن هذين الخللين الجسيمين سيدفعان الشيخ إلى موقف مراجعة لتكوين تلاميذه، وأن هذا الموقف سيكون سريعا ليرسل رسالة لمن عني بالأزمة بأن الشيخ لم يعالج سطح المشكلة فقط، بل عالج جذورها.

مرت الأيام عقب صدور هذه الفتوى، ولم تحدث معالجة إعلامية على مستوى الموقف، ولم يقف الشيخ وقفة مع تلاميذه بخصوص التمييز بين فتاوى الأمة وفتاوى الأفراد، وفي أول رد له على الجدل الواسع الذي أثارته فتواه أوضح فضيلة الشيخ ابن جبرين أن هذه الفتوى لم تقصد حزب الله بعينه وإنما تحرم نصرة الروافض بشكل عام؟! لقد أضاف الشيخ بأن الأولوية لمواجهة العدوان على لبنان، ولكن.. هل صياغة الفتوى بهذه المعادلة مما يعالج مثل هذا الخطأ؟


فقه الواقع وفتاوى الأمة.. نظرة على تأهيل الفقها
ء

من بين التيارات المتعددة التي تتوزع عليها عقول الأمة الإسلامية يقف تيار واحد وواسع – برغم التعددية الواضحة داخله - موقفًا يتمسك بشدة بالحس الطائفي، رافضًا أن يستوعب أن المصيبة العالمية اليوم -أيًّا كانت- الاقتصادية أو العسكرية أو السياسية... إلخ عندما تحل ببلد مسلم فإنها تصيبه بما فيه من مسلمين وغير مسلمين، وبما فيه من طبقات مختلفة متفاوتة، وبما فيه من اتجاهات ثقافية.

هذا التيار يرفض أيضا أن يستوعب أن المتغيرات العالمية الآن جعلت أمتنا متعددة الاتجاهات والتيارات والثقافات، ولم تَعُد مقصورة على المسلمين أو الإسلاميين، غير أن تدبير الله جعل هذه المكونات تتحالف معًا في وجه القوى المعادية للأمة.

المشكلة لدى هذا التيار الذي يمثله محررو فتوى فضيلة الشيخ ابن جبرين مشكلة أيديولوجية ترفض فقه الواقع؛ لأن هذا الفقه سيصطدم حتمًا بالرغبة المسبقة لدى هذا التيار في تقسيم العالم إلى مسلمين وكفار مع التوسع في صياغة مفهوم الكفر بحيث يطال شريحة واسعة يعتبرها فريق من العلماء تقف على أرضية الإسلام وإن اختلفت بعض رؤاها العقدية والفقهية.

ولا يقف الخلل الأيديولوجي عند هذا الحد، بل إن هذا التيار يجعل معيار التمييز هذا هو سقف وأرضية مفهوم الأمة والرابط الجامع لأبنائها والطارد لغيرهم في آن. ويترتب على هذا صوغ مجموعة من النتائج كان من أخطرها تلك الفتوى المنسوبة لفضيلة الشيخ ابن جبرين حيال حزب الله والتي تحرم مناصرته والدعاء له.

وإذا كان الدكتور عبد الرحمن ابن فضيلة الشيخ عبد الله ابن جبرين قد أوضح حقيقة الموقف، ودور تلاميذ الشيخ في نشر هذه الفتوى بعد تنقيحها الظرفي لتجاوز قدم تاريخها الذي يرجع إلى الوراء أربع سنوات، وأن والده يعكف على إصدار فتوى جديدة، فإنه تجدر الإشارة إلى أن هذه المعالجة غير المسئولة لا تمثل كارثة واحدة (التصرف باسم فضيلة الشيخ من دون علمه) بل تمثل كارثتين. وتتمثل الكارثة الثانية في إسقاط نص فتوى "قديمة" على واقعة جديدة مع تنقيح الفتوى فقط بملابسات الواقعة الجديدة من دون إعادة تقويم الملابسات والظروف ودلالتها، مع العلم بأننا لا يمكن أن نسوّي بين الإفتاء في الوقائع العادية والإفتاء في قضايا الأمة، الأمر الذي يجعل صدور هذه الفتوى غير مقبول، وقد نقول جريمة.

إلا أن ما رواه فضيلة الدكتور علي بن حمزة العمري عن ابن فضيلة الشيخ ابن جبرين لا يصحح سوى الحديث عن ملابسات الفتوى، فهو لا يصحح صورة التيار، فعوضًا عن فضيلة الشيخ ابن جبرين؛ هناك جيل من تلامذته يحملون لواء هذا التيار الذي أصدر وعيه مثل هذه الفتوى التي أعلن الدكتور عبد الرحمن أن والده سيغيرها.

ولو تجاوزنا تلاميذ فضيلة الشيخ ابن جبرين، فقد دخلت إلى موقع عدد من العلماء المنتمين لنفس التيار، وكان أبرزهم موقع فضيلة الدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي في الرابع من أغسطس/ آب فوجدته يتضمن (POP UP) يدعو فيه لتقديم كل الدعم للفلسطينيين، ولم يأت بكلمة أو إشارة للوضع في لبنان. ولن أوسع تعميم الحكم، لكن هناك مواقع سلفية متعددة ترتبط فكريًّا بهذا التيار العقدي، معنية بالشأن السياسي، ولم تكتفِ بالسكوت حيال أزمة كهذه، بل هاجمت حزب الله هجومًا ضاريًا، ومنها موقع مفكرة الإسلام. هذه الفتوى، وملامح الصورة التي عرضناها، جميعها مثلت لحظة كاشفة لأزمة فكر وأزمة تيار.

والواقع أن فتوى كهذه تمس أوضاع المسلمين في أنحاء الكوكب، أو على الأقل تمس مشاعرهم، بل إنها تجاوزت مشاعر المسلمين لتمس مشاعر أناس لا ينتمون للأمة الإسلامية لا بمفهومها العقدي ولا بمفهومها الجغرافي (يمكن في هذا الصدد تقييم موقف فنزويلا التي سحبت سفيرها من إسرائيل احتجاجًا على الحرب الإسرائيلية هناك)؛ فتوى كهذه لا ينبغي أن يتصدى لها فقيه واحد؛ مهما علا قدره بين الفقهاء، ومهما بلغ علمه، ومهما اتسع أفقه؛ ليصبح قادرًا على تفهم تعقيدات فقه الواقع. بل يمكنني القول بأن فتوى كهذه لا ينبغي أن تتصدى لها مؤسسة تعرف أحادية الاتجاه، ولو كانت بوزن وثقل العلم المتوفر لهيئة كبار العلماء بالمملكة السعودية، وهي المؤسسة التي تحكمها نفس الأيديولوجية مما سيؤدي لعين النتيجة.

ففتوى تخص مقاومة العدوان الصهيوني هي من قبيل "فتاوى الأمة" التي ينبغي على الفقيه -قبل التصدي لها- أن "يتعرف على مقتضيات ومتطلبات ومكنونات مفهوم الأمة، من حيث مصالحها وقضاياها والأدوار المنوطة بها والخطاب المتوجة إلى فئاتها، ووعي الأمة وتكوينه والمقاصد المتعلقة بالأمة، والنظر المتكامل لقضاياها المتنوعة وتحدياتها الكلية؛ فالأمة في فتواها يجب أن تكون إستراتيجية وحضارية ومستقبلية بما يعبر عن ضرورات تأسيس علوم للتدبر والتدبير بما يتعلق بعناصر الأمة الجامعة بما يحرك دافعيتها" (راجع على صفحات إسلام أون لاين.نت: أ.د. سيف الدين عبد الفتاح إسماعيل، نحو منهجية لبناء وفهم "فتاوى الأمة"). وبنفس القدر من الإستراتيجية والحضارية والمستقبلية ينبغي أن تكون الفتوى.

ففتاوى الأمة حالة تحرك عموم الأمة، ولا ينبغي أن ينبري للتصدي للإفتاء فيها فقيه واحد مهما كان قدره، ولا تيار واحد تحكمه نفس الرؤية.

وقد يرى البعض أن التعدد في الفتاوى يوسع على الناس، وهذا صحيح ولا يخالف فيه أحد، لكني أظن أن فتاوى الأمة يجب أن يكون لها وضع خاص. هذا الوضع يجب أن يكون في إطار بناء سياق إجماعي للفتوى، هذا السياق الإجماعي يعبئ الأمة، ويمنع تفتت إرادتها تحت مسمى السعة وتعدد الآراء. قد يكون هذا الرأي محل جدال وفحص ورد، ولكن المهم أن يضع علماء الأمة خصوصية فتاوى الأمة على قائمة القضايا التي تحتاج فحصا جديا.

أنا لا أريد أن أدخل في متاهة مناقشة الفتوى من ناحية، فضلاً عن أني لست متخصصًا في الفقه من ناحية ثانية، فضلاً عن أن هذه الفتوى تقع ضمن نطاق فتاوى الأمة، مما يجعل مناقشتها حملاً ليس هنا محل النوء به من ناحية ثالثة، لكن لنضرب الأمثلة على ما لم تنتبه إليه فتوى تلاميذ ابن جبرين ولا استدراكه عليها، ولنسأل أسئلة بديهية: هل حق مقاومة الاحتلال حق للمسلمين السنة فقط أم حق لعموم الإنسان؟ وهل يحق لنا كأمة أن نتحالف مع حزب الله -مهما اختلفنا معه- في سبيل نصرة أوطاننا والحفاظ على كرامتها كما تحالفت الأنظمة العربية من قبل مع بعض الدول الغربية في الحرب على العراق؟... إلخ، وهل يمكننا كأمة متعددة الأديان واللغات واللهجات والثقافات أن نبني تصورا لمستقبلنا بدون التفاعل الإيجابي البناء بين هذه المكونات من جماعات دينية وعرقية ولغوية وثقافية؟ ويمكننا - بالنظر لخلاصات ونتائج أطروحات الفكر الإسلامي والفقه الإسلامي والتيارات الثقافية الإسلامية - أن نضع لائحة طويلة من الأسئلة أمام تلاميذ فضيلة الشيخ ابن جبرين ليجيبوا عليها قبل أن تؤهلهم الأمة لقبول الفتوى منه.

لن أطيل أكثر من هذا القدر بخصوص ذلك الصدع الذي جعل شريحة من شباب الأمة الناشطين في مجال التطوع الإلكتروني يكرسون جهودهم لتسمية حزب الله بالرافضة الكفرة، بالرغم من أن حزب الله يواجه العدو الأشرس والأكثر غدرًا في التعامل مع الأمة العربية والإسلامية، ويخذلون الناس عن مناصرته، بدون أي نظر لفقه الأولويات أو المآلات أو مقاصد الشريعة، حتى في مثل هذه القضية التي تمس مصالح المسلمين وكرامتهم.


رفض الفتوى.. بين العاطفية والمنهجية

يمكن القول بأن ثمة مكونين هامين حكّما رفض شريحة عظيمة من فقهاء العالم لفتوى فضيلة الشيخ ابن جبرين، ومن بينهم علماء سعوديون أجلاء كفضيلة الشيخ سلمان بن فهد العودة وفضيلة الشيخ محسن العواجي وفضيلة الشيخ محمد بن يحيى النجيمي، ويمكن الإشارة لمكوني رفض هؤلاء العلماء لفتوى ابن جبرين فيما يلي:

المكون الأول مكون يتعلق بالاقتراب المقبول من ملامح صورة فقه الواقع؛ وذلك في إطار الثقافة الذاتية للفقهاء. ويمكن اعتبار الثورة الاتصالية المحرك الأكبر وراء تنامي مساحة الوعي هذه. حيث أضحت الفضائيات أسرع وسيلة لنقل الحدث، كما أن التعددية في الفضائيات حالت دون غسل العقول بتيار واحد من التدفق الإعلامي، مما لم يجعل عذرًا لمعتذر إلا العذر بالجهل الذي لا يمكن إعذار الفقهاء به.

المكون الثاني يتعلق بمدى اقتراب هؤلاء العلماء والمشايخ بالشرائح الجماهيرية الواسعة نتيجة دروسهم ومحاضراتهم، مما رفع وعيهم باتجاهات الإرادة المكبلة للأمة وهمومها ومشكلاتها، وهو ما حال دون ترددهم في إصدار حكمهم برغم أن المواقف السياسية لنظم الحكم العربية تريد تغطية فقهية تبريرية، وكانت تنتوي العصف بأي صاحب فتوى تسير عكس الاتجاه، وبرغم أن بعض هؤلاء المشايخ كان قد غادر المعتقل لتوّه كفضيلة الشيخ محسن العواجي. لكن الرأي العام العربي وفر تغطية مناسبة لهؤلاء العلماء حالت دون اللعب معهم.

غير أننا إذا أشرنا إلى الفتوى المتهمة التي ألصقت بفضيلة الشيخ ابن جبرين بأنها في بنيتها وخصائصها، وفي تحيزها الأيديولوجي، لا يمكن أن تكون ضمن صف فتاوى الأمة، فإن نفس الحكم ينطبق على فتاوى العلماء الرافضين لفتوى ابن جبرين كذلك، لكن انطباق الحكم لا يعني التسوية في الرفض. ففتاوى رفض فتوى ابن جبرين فتاوى مقبولة ظرفيًّا، لكنها لو صدرت وفق منهجية منضبطة تخص فتاوى الأمة لكان وقع هذه الفتاوى اختلف، ولكان أسلوب إخراجها أفضل من زاوية بث الروح في جسد الأمة المنهك لدرجة الموت، ولكان وقعها أشد على أعداء هذه الأمة.

ومن الطبيعي بعد قولتنا هذه أن تُثار تساؤلات من قبيل: لماذا نتجه إلى مزيد ضبط للفتوى؟ وكيف نحقق هذا الضبط لكي يأتي ضمن ما يمكن أن نعتبره فتاوى الأمة، إذا ما تأكدنا من المصلحة الحقيقية الداعمة لهذا الضبط؟ هذه التساؤلات نحاول أن نقدم بعض إجابة عنها في السطور القادمة.


تغيير تكنيك الفتوى.. داعي تعقيدات الواقع

بالنظر إلى فتوى تلاميذ فضيلة الشيخ ابن جبرين يمكننا أن نتوقف عند مجموعة محطات نستفسر منها عن مشكلات تقنية الإفتاء. وقد يكون تعبير "تقنية الإفتاء" تعبيرًا غريبًا يحتاج لتحرير دلالته قبل التصدي عبره للإفتاء في قضايا الأمة، لكنه تعبير بسيط جدًّا يتعلق بكيفية الإفتاء. فهل تستوي عملية الإفتاء في قضايا الوضوء والغسل والحيض بعملية الإفتاء في قضية تتعلق بحياة مسلم واحد أو موته؟ كلا، فهناك فارق نوعي بين القضيتين. وهل تستوي عملية الإفتاء في قضايا الغسل والوضوء والحيض بعملية الإفتاء في قضية تتعلق بحياة مسلمي بلد واحد أو موتهم وإبادتهم؟ كلا، هناك بون شاسع بين المجالين يستدعي دراسة قوية. فهل إذن تستوي عملية الإفتاء في قضايا الغسل والوضوء والحيض بعملية الإفتاء في قضية تتعلق بحياة ومستقبل الأمة الإسلامية؟

ولننظر بمقاربة مخالفة. القرار الذي تتخذه دولة ما اليوم ليس صنيعة أو وليد أفكار زعيم هذه الدولة أو رئيسها. فقرار دولة (أ) بالرد الدبلوماسي حاد اللهجة على دولة أخرى (ب) لا بد أن يسبقه عدة أمور، منها على سبيل المثال ما يلي:

أ - دراسة استثمارات الدولة (ب) لدى الدولة (أ) لبيان مدى تأثير سحب الاستثمارات على معدل البطالة والتضخم والسيولة... إلخ.

ب - دراسة ودائع الدولة (أ) لدى مصارف الدولة (ب)؛ لبيان مدى حجم الضرر الذي سيحدث لرؤوس الأموال هذه.

جـ - دراسة عدد الجاليات من الدولة (أ) لدى الدولة (ب) لبيان إمكانية الضرر الذي قد يقع على مواطني الدولة (أ) في حال حدوث تصاعد سلبي لردود الأفعال.

د - دراسة العلاقات الاقتصادية لرجال الأعمال بين الدولتين للتعرف على مقدار الضرر الذي قد يُصيب شركات الدولة (أ) في حال حدوث تصاعد سلبي لردود الأفعال.

هـ - دراسة وضع الدولة (أ) لميزانيتها وميزانية الدولة (ب) وإمكانيات الدخول في اشتباك بين الطرفين، وتأثيره.

و - قائمة الحلفاء والأعداء المحتملين وتأثيراتهم.

ز - الموازين الدولية واتجاهات مواقف الدول الكبرى.

هذه الخطوات غيض من فيض من القرارات التي ينبغي على دولة ما اتخاذها قبل أن تفكر في رفع درجة حدة الخطاب في المعترك الدولي. وكل خطوة من هذه الخطوات يقف وراءها خبراء ومستشارون متخصصون لدعم خطوة كهذه. والغريب أن فقهاءنا لا يبالون أن يتخذوا تدابير تبلغ معشار هذه التدابير حين يتصدون للإفتاء في فتوى قد يترتب عليها أن تحيا هذه الأمة أو تموت، أن تحيا عزيزة أو تموت في رداء الصغار والذلة.

قضايا الأمة تحتاج مؤسسة لا جهدًا فرديًّا، مؤسسة تضم خبراء في العلوم المختلفة غير الشرعية، مؤهلين لاستنتاج احتياجات الفقهاء. كما تضم مفكرين إسلاميين في مختلف مساحات الفكر الإنساني. وأخيرًا تضم مجموعة كبيرة من الفقهاء؛ كل مجموعة منهم مؤهلة للتعاطي مع نتاج مجموعة معينة من العلوم، وتقوم هذه الأقسام الثلاثة بدور المراجعة على بعضها، حتى يخرج القرار في النهاية معبّرًا عن رؤية ثاقبة ومتزنة للتضاريس الكاملة للقضية التي نتصدى لها ضمن فتاوى الأمة، وأن نفرع عنها سيناريوهات العمل وبدائل التصرف على المستويات: الأهلي والمدني ثم الرسمي لكل قضية فرعية من البناء الأكمل للقضية، وأن نغرس الحكم الشرعي لهذه الأعمال والتصرفات في عمق أحلام الأمة ورغبتها في كشف هذه الغمة وفي صلب إرادتها. هنا يكون لهذه الفتوى معنى متميز، ويتبع ذلك أن تصير الدعوة لاستفتاء بين عموم الفقهاء المعتبرين عليها، حتى تتدفق الحياة في أوردة هذه الفتوى، فتضخها بالتالي لقلوب أبناء الأمة وإراداتهم وعزائمهم.

أظن أنه قد آن الأوان لندير العدوان على فلسطين ولبنان بتقنية إفتائية تختلف عن التقنية التي أدار بها أجداد أجدادنا العدوان على نفس البلدين مع الفرنجة.