خواطر عن المجال العام في مصر..

2006-10-15

ديمقراطيتنا بعد أن تخلى الأمريكان عنها



شهد النصف الثاني من عام 2006م تراجعا في خطاب الإدارة اليمينية الأمريكية الحاكمة عن التوجه بدعم ورعاية الديمقراطية في المنطقة العربية، والذي انتهجته عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001؛ إثر أيديولوجية سادت أوساط إدارة اليمين الجديد قوامها أن التحالف مع النظم العربية الحالية، وإن كان يحقق أهدافا أمنية أمريكية في الأمدين المنظور والمتوسط، إلا أنه على المدى البعيد يؤدي إلى تصدير هذه الدول أزماتها إلى الخارج؛ ويتسبب في صعود الحركات الإرهابية. ما الذي جرى لهذه الرؤية بعد خمسة أعوام من انطلاق التوجه الراعي لها، وبعد تقديم أكثر من مبادرة في إطارها، لعل أشهرها مبادرة الشرق الأوسط الكبير.. إلخ. وما يلفت النظر مع هذا التوجه أن بعض الحركات السياسية والمظلات الإصلاحية التي نشأت في عالمنا العربي والإسلامي مع هذا التوجه؛ قد بدأ حضورها يتراجع في المشهد السياسي الإصلاحي منذ بدء النكوص الأمريكي. وهذان الملمحان اقتضيا وقفة للمناقشة.


ملامح التراجع ومظاهره


بعد أن كتب مدير قسم التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية: ريتشارد هاس عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر مقالا بعنوان "باتجاه مزيد من الديموقراطية في العالم الإسلامي"، والذي كانت السفارات الأمريكية تحاول توسعة مجال نشره والاطلاع عليه، وبعد أن كتب السياسي الأمريكي: وليام بيرنز عن تشجيع التغييرات البنيوية بعيدة المدى في العالم العربي، وبعد حديث السفير الأمريكي السابق في دولة الاحتلال الصهيونية: مارتن أنديك عن خطأ واشنطن الوحيد في الشرق الأوسط والمتمثل في دعم نظم أخفقت على نحو مستمر في تلبية الاحتياجات الأساسية لشعوبها.


بعد هذا كله نجد مقالا للسياسي الأمريكي ديفيد بروكس في صحيفة النيويورك تايمز يعلن فيه عن ولادة اتجاه داخل المحافظين الجدد عبر عنه باسم الاتجاه التدريجي الذي يدعو إلى الإصلاح والديمقراطية في الشرق الأوسط نعم؛ لكنه يلتزم الحذر إزاء سرعة التغير والتحول، ويرفض فكرة "الديموقراطية الفورية" التي تهدد الاستقرار السياسي في المنطقة، ويصنف الرئيس الأمريكي بوش الابن ووزيرة خارجيته كونداليزا رايس باعتبارهما من رؤوس هذا الاتجاه الجديد.


وعلى اعتبار أن الديمقراطيين ليسوا من أنصار المسارعة بتعميق الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي، فقد خلص المراقبون إلى أن النتيجة لن تتغير؛ سواء بقي المحافظون الجدد في منصب الإدارة التنفيذية الأمريكية أو استبدل الناخب الأمريكي بهم الديمقراطيين بمنصب الرئاسة بعد الفوز الكبير الذي أحرزه الديمقراطيون بانتخابات مجلسي الكونجرس، حيث يشير الأستاذ محمد أبو رمان إلى انتهاء الدعوة الأمريكية للإصلاح إلى حيث بدأت بعد تخلي اليمين المحافظ عنها، مشيرا إلى تنفس النظم العربية الصعداء، وتجديدها تحالفها التاريخي مع الإدارة الأمريكية على حساب الوضع الداخلي، وينعي على من أملوا في الضغوط الأمريكية الخير ظنهم هذا.


التراجع الأمريكي نعمة أم نقمة


والواقع أن هذا الموقف الأمريكي لا يمكن اعتباره إلا نعمة سياسية كبرى. وتقدير الوضع السياسي بأوطاننا العربية والإسلامية يقودنا لهذا المنطق المتفائل في التعامل مع هذه الأزمة. ومرد تلك الرؤية عدة اعتبارات عملية يمكن أن نتبصرها في النقاط التالية:


أ – كان من المنطقي والضروري أن نعي أن الاتجاه المحافظ الجديد في الولايات المتحدة لم يكن ليستطيع تحمل نتائج الانتخابات الحرة التي كانت الشعوب العربية تترقبها، وبخاصة مع وصول الإسلاميين للحكم بهذه الدرجة من القوة للحكم في الدول التي واربت الباب لنزاهة سير العملية الانتخابية، وكانت الخبرة الفلسطينية من أكبر الخبرات التي ما كان طرح أمريكي متزن (غير متطرف) ليقبلها بالنظر لما سببته الحكومة الحمسوية من التهاب للوضع في المنطقة، ومن تداعيات على الصورتين الذهنيتين الأمريكية والإسرائيلية على السواء. هذا فضلا عن توقع هزيمة المحافظين الجدد في الانتخابات الرئاسية القادمة، ومن ثم مجئ الديمقراطيين أصحاب النظرة الواقعية في التعامل مع موضوعات السياسة الخارجية. إضافة لما يورده الخبراء من احتمال دخول الولايات المتحدة في طور انعزالي – وهو دأبها كل ثلاثة عقود من الزمن؛ مما يعني أن السلطات الأمريكية جميعها ستحتاج لعالم مستقر؛ لتتمكن من التفرغ لهمومها الداخلية التي لا يخلو محفل أمريكي من الحديث عن تفاقمها.


ب – من المهم أيضا أن نشير لاعتبار الخصوصية في المستقبل الديمقراطي لمجتمعاتنا. وقبل أن نطرق تفاصيل طرحنا أود أن أنبه إلى أن الخبرات السابقة لاستعمال المصطلحين (الديمقراطية والخصوصية) متجاورين تعني حدوث قدر من التآكل لقيمة الديمقراطية، وهو ما نرفضه بتاتا. وطرحنا يتجاوز هذه العلاقة غير الصحية سعيا وراء عرف استقر أكاديميا منذ دراسة برتران بادي (الدولة المستوردة)؛ حيث هدفنا الإشارة إلى أن ضغوط الولايات المتحدة من أجل ديمقراطية مجتمعاتنا السياسية سوف تجلب للعالم العربي والإسلامي؛ ولأي دولة كانت، ستجلب لها قالبا جاهزا من قوالب الممارسة التي لن تتمتع بالحساسية العالية للخصوصيات السياسية التي تتسم بها مجتمعاتنا، ومنها الحضور القوي للتيار الإسلامي من ناحية، والحاجة لإحداث قدر من المواءمة السياسية يرتبط بهذا الحضور. بالإضافة إلى وجود حالة من التربص والقلق العلمانيين من هذا الحضور السياسي الإسلامي الطاغي؛ وهو القلق الذي يرتبط بتركيبة معقدة من الشد والجذب تحاول به التيارات العلمانية الاستفادة من القدرة التعبوية للتيار الإسلامي مع محاولة تقليم أظافره في الوقت نفسه، وربما تسلقه والاستفادة منه سياسيا. هذا فضلا عن وجود مؤسسات عسكرية ليس لديها استعداد لتبني عقيدة سياسية داخلية ديمقراطية، بل مجرد مساندة حالات الاستبداد السائدة في عالمنا العربي (باستثناء الخبرة الموريتانية التي لم تكتمل ملامحها بعد، وكذا خبرة المشير عبد الرحمن سوار الذهب في السودان).


ج – الأمر الثالث الداعي للتفاؤل بالانسحاب الأمريكي من فرض الديمقراطية أن أمتنا العربية والإسلامية – في صورتها القطرية – في حاجة لأن تبني ديمقراطيتها الخاصة. ولا عجب في ذلك؛ حيث إن تعريفات الديمقراطية تكاد تتجاوز الثلاثمائة تعريف – بحسب دراسات علمية في مجال الفكر السياسي. وبخلاف حديثنا السابق عن ضعف حساسية القالب الخارجي لهمومنا ومشاكلنا؛ فإننا في هذا المقام نقصد أن قدر التدافع والجهاد والنضال والحوار والتوافق الذي ستخوضه مجتمعاتنا – كل على حده – من شانه أن يبني ما هو أكثر من نموذج ديمقراطي يلبي طموحنا واحتياجاتنا، فهذا الجهد المبذول سيبني معه فرز شديد لصف العمل الوطني، وبناء واع لأجندة العمل السياسي في أوطاننا وأولوياتها، وحرص وتشديد على ألا ينهار معمار الحركة السياسية بسبب طيش فصيل سياسي أو نزق فصيل آخر ولا مبالاته (ونخص الفصائل الانتهازية وبعض الفصائل اليسارية وبعض أجنحة التيار الإسلامي). فالإسلامي سيتعلم أنه في حاجة لشبكة عمل مدني تسانده في إنهاض الجماهير بدلا من أن تتوجه لمحاربته ومعاونة النظم الحاكمة عليه، والليبرالي سيتعلم أنه يمكن البدء بمشروع ليبرالي ذي أولويات لضمان تلاحمه مع التيار الإسلامي الوسطي في الأجندة الوطنية. وسيتعلم اليسار أن يعود لأصل وجوده السياسي - الاقتصادي - الاجتماعي؛ بدلا من إشعال الفتن والحرائق حول الإبداع الملحد والتطورات الاجتماعية التي يشذ أغلبها. وستتناسى الفصائل المختلفة ركامات صراعاتها التاريخية على خلفية تغليب الوعي الوطني على الوعي الفصائلي. هذه الآليات أكبر أهمية من حصول ديمقراطية شكلية تفاقم الصراعات أو تكبتها لحين الانفجار.


د – الأهم من ذلك كله أن هذا الجهد المبذول من أجل تحقيق "الديمقراطية الملائمة" التي تحقق من وجهة نظري قدرا لا بأس به من مقاصد الشريعة؛ هذه الديمقراطية ستثبت أقدام الفصائل السياسية في عالمنا العربي والإسلامي في أرضية الكتل الاجتماعية الجماهيرية التي ترتبط بها ارتباطا فكريا أو اجتماعيا أو اقتصاديا؛ مما يعني أن الحركة لن تهمش الجماهير، بل ستلتحم بالجماهير، وتبصرها بعواقب نومها طيلة الفترة الماضية، وما حاق بأوطاننا من خراب وانحطاط وإذلال إثر ذلك النوم، على نحو يجعل هذه الجماهير تعي مصلحتها العامة التي تكاد تطابق مصلحتها الخاصة في آن في بعض الدول اليوم ومن بينها مصر، وتعمل على تحقيقها، ومن ثم تعمل على صيانتها وضمانها بعد تحقيقها. فمن الغريب أن نجد اليسار – كمثال - في عالمنا العربي والإسلامي واهن الحضور في الأوساط العمالية والفلاحية، بل نجد هذه الشرائح الاجتماعية تلتحق بالنظم الحاكمة التحاقا انتهازيا يقضي على مصالحها في النهاية، لكنها لا تبصر ذلك. هذا هو دور الحركات الوطنية في ثوبها الجديد؛ أن تعمل على إلحاق الجماهير بالأيديولوجيا الوطنية التي ستكون من منظور اليسار أكثر مراعاة للعدالة الاجتماعية، وستكون من منظور الحالة الليبرالية أكثر احتراما للتركيبة الحقوقية القانونية الديمقراطية، وستكون نفس الديمقراطية من وجهة نظر الإسلاميين خطوة في اتجاه تحقيق مقاصد الشريعة بعيدا عن ركام الاستبداد الذي فاق ركام الجاهلية على حد تعبير الأستاذ سيد قطب، ومنع الأمة من التكتل خلف مصالحها الحقيقية.


الدور الأمريكي المعوق لديمقراطيتنا


انسحاب الإدارة الأمريكية بهذه الصورة عن الضغط على النظم العربية والإسلامية لتحقيق إصلاحات سياسية لن يعني أن الإدارة الأمريكية قررت أن تترك شعوب أمتنا العربية والإسلامية لمصيرها السياسي وبقدر اجتهادها. فبرغم أن المنظر الإستراتيجي الأمريكي المعروف زبيجنيو بريجينسكي قد أشار - عوضا عن رؤية اليمين المحافظ لفرض الديمقراطية - إلى تبني ما أسماه: الواقعية التقدمية؛ إلا أن هذا الطرح تحدث فيه بريجينسكي عن الانتقال التدريجي للديمقراطية، بالترغيب وليس بالإجبار والضغط. ولا تزال ضغوط الخبرات الإسلامية ذات النزوع للتحرر من القبضة الاستعمارية الأمريكية تقلق الولايات المتحدة، بما يفسر لنا عودة التحالف الأمريكي مع النظم العربية والإسلامية منزوعة الشرعية.


غير أنه ينبغي تسليط الضوء على حقيقة مفادها أن الضغوط الأمريكية ليست مطلقة القدرة في قصف إرادات الشعوب صاحبة الحق، حيث فشلت في فيتنام ولبنان والصومال، كما لم تتمكن من فرض أجندتها في أفغانستان والعراق حتى تاريخ كتابة هذه السطور بالرغم من مرور قرابة السنوات الأربع على وجودها ف أفغانستان والثلاث على وجودها في العراق.


والمقصود أن على نخبنا أن تبني أيديولوجيتها الوطنية الخاصة بها، وأن تتحرك بها وسط جماهيرها دون خوف من أن تنكسر إرادتها يوما أمام هذه الموجة الاستعمارية.

والله أعلم