خواطر عن المجال العام في مصر..

2007-07-15

لمصلحة أمتنا..هل يمكن ترشيد الإقصاء السياسي والثقافي؟


العنوان مستفز قليلا. فكل مهتم لأمر أمتنا – أيا كان تعريفنا لدائرة الهوية وإطارها الثقافي – يعرف أن الإقصاء عملية سياسية وثقافية بغيضة، تبدأ بحالة خلاف غير صحية، وتنتهي بنفي طرف من أطراف العملية الاجتماعية لوجود طرف آخر، ويصل الأمر بهذا المرض إلى أن يقوم الطرف القائم بالنفي بإنكار حقوق الطرف المنفي أو موضوع الإقصاء. وهذا النمط من أنماط نفي الحقوق يتراوح في راديكاليته ما بين الحرمان من حق الحياة نفسه ولا ينتهي بحرمانه من أبسط درجات الحقوق.


الإقصاء سنة فكرية أم عملية اجتماعية؟

لو سألنا عن إمكانية قبول التعامل مع الإقصاء كقيمة اجتماعية فإن الإجابة المطلقة ستكون بالنفي القاطع. ولكن. قبل التعامل المطلق مع هذا السؤال لابد لنا من وقفة حول إطار هذه القيمة بما قد يمكننا من التفصيل في بناء السؤال.

جوهر موضوع المقال يطرح علينا السؤال: هل يمكن أن تكون عملية الإقصاء هذه محل اعتبار يفضي بنا للحديث عن دفعها لحالة الاتزان؟ وقد راجعت نفسي مليا قبل طرح هذا السؤال، وانتهى بي الأمر إلى تذكر ما كان قد أفضى به إلينا أستاذنا الدكتور السيد عبد المطلب غانم – رئيس قسم العلوم السياسية السابق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة – حين كنا طلابا في الدراسات العليا لديه، حيث قال: لا يوجد فكر لا يستبعد (بمعنى الإقصاء)؛ واستدرك قائلا: الديمقراطية وحدها هي التي تبرر الاستبعاد. بعد سنوات رجعت لهذه المقولة وأحسست أنها تحتاج زيادة ربما نسيها أستاذنا، حيث أحسست أن التكملة الطبيعية لهذه الجملة هي أن الديمقراطية وحدها هي التي تبرر الاستبعاد بناء على مبررات تتمتع بدرجة قبول واسعة. وقبل ان يراجعني أحد فقد أحسست بأن التعبير واسع جدا على الممارسات الديمقراطية التي تستبعد وتنفي لاعتبارات غير مقبولة كمثل ما حدث ويحدث مع الفكر اليساري وفكر نسبية الهولوكوست وفكر الإسلام وثقافته. لكني وجدت أن هذا التعبير التبريري أفضل من تعبيرات أخرى أكثر إنسانية وانضباطا أحسست أننا بحاجة إليها ويمكن أن نعتبرها اجتهادات تجديدية من قبيل: أن الديمقراطية المرجوة هي وحدها التي تبرر الاستبعاد والإقصاء استنادا لشيوع روح إقصائية قوية في الفكر موضوع الإقصاء والاستبعاد.

أنا أقول هذا لا لكي نرشد عملية الإقصاء باتجاه قصره فقط على كل من تشيع في فكره روح وقيم إقصائية قوية، بل أقوله لكي ألفت النظر إلى أن الإقصاء قيمة بالغة السلبية وتضر بحيواتنا الاجتماعية، وإن اضطررنا إلى اللجوء إليها - باعتبارها جزءا من بنية أي فكر - فلنخضعها لعملية مراجعة قوية بحيث تصير آلية الإقصاء ملك لدائرة الهوية قاطبة (وطنية قطرية كانت أو قومية أو إسلامية) وليست ملكا لفصيل من الفصائل يمارس عبرها بدون ضابط هدمه لجهود الأمة النهضوية والإصلاحية.

وإلى جانب تنبيهي السابق أنبه أيضا الحالة السياسية الفصائلية في أمتنا إلى ضرورة مراجعة أدبيات اتجاهات فكرها، والقيام بعملية شهادة حقيقية ورصينة فيما يتعلق بحالة الإقصاء داخل هذه التيارات. ومرد ذلك التنبيه من وجهة نظري إلى أن الخاصية الإقصائية لعالم الأفكار في بيئتنا الثقافية هي أحد أسرار أزمة العقل الوطني القطري، والعربي القومي، والإسلامي، التي نكابدها، والتي نغض الطرف عنها حتى نفيق على حين غرة عندما تثار أزمة مثل أزمة رواية وليمة لأعشاب البحر في مصر 2003، أو أزمة الحجاب التي شهدتها مصر في نهاية عام 2006م، وغيرها كثير من الأزمات التي تشهدها دوائر هوياتنا المعتبرة.

فإذا ما كان الإقصاء خاصية من خواص العقل الجمعي العربي، أو إذا كان الاستبعاد كما قال أستاذنا خاصية من خواص أي حالة فكرية، فليس ثمة أقل من أن يسعى حكماؤنا – من كل التيارات – وفي كل دوائر هوياتنا المعتبرة - إلى ترشيد العملية الإقصائية إلى ذلك الحيز الذي لا يهدم ما نبني ولا يهدر ما نكتسب.


هل نحن بحاجة لترشيد الإقصاء؟

إذا كان من خواص الفكر – أي فكر – أن يقصي؛ حينذاك يمكننا الحديث عن إقصاء رشيد وإقصاء مريض. وأول المصادرات على هذه المقولة أن نقول وكيف نميز بين الإقصاء الرشيد وذاك غير الرشيد أو المريض؟ وما موقع معايير التمييز المنشودة على متصل الذاتية والموضوعية فيما يتعلق بكل اتجاه؟ وهل هناك من وسيلة لبناء معيار موضوعي للتمييز بين نوعي الإقصاء هذين؟ وقبل هذا وذاك؛ هل نحن نعاني أزمة إقصاء ونحتاج إلى معالجتها عبر "ترشيد عملية الإقصاء"؟

دعونا نتلمس بعض الاقتباسات التي توصف حقيقة المأساة الإقصائية التي نكابدها، حيث نجد بعضهم يقول: "نقصد بثقافة الإقصاء عدم رؤية الآخر، وعدم تقدير مواقفه وآرائه، والنظر إليه على أنه خائن وعميل، وأنه لا يملك رؤية لحلول أزمتنا، بل والنظر إليه على أنه يتاجر بقضايا أمته لمجد شخصي مع اتهام واضح في النيات، وينفيه أهل ثقافة الإقصاء وكأنه جرثومة يجب وأده واستئصاله". ونرى كاتب آخر يقول في الاستقصاء: "فلا أحد يريد أن يرى أحدا، أو يحاوره، أو يقبله، وكل يدعي العصمة والبراءة والكمال، والحل السحري لكل المشكلات، والويل كل الويل لكل من قدم فكرة أو وجهة نظر لا تروق لفلان أو علان، أو حزب، أو شريحة، أو تيار".

وبعض الاتجاهات في النظر لظاهرة الإقصاء ترى أن الإقصاء ثقافة، ويرى أن "من سمات هذه الثقافة أنها سريعة الغضب، وتتهم الآخرين في نياتهم، وترفض أي حق جاء به الآخر، وتشكك دوما في أفعال ومواقف الآخر، وترى نفسها أحق وأولى بالعمل من غيرها، بل ويسودها اعتبار الآخرين تجار سياسية يبحثون عن مصالحهم الذاتية ويهدرون المصالح العامة للأمة. ويتجمع أفراد هذه الثقافة على شكل شلل تتجادل وفق ثقافة التخوين والاستعداء والتشويه".

وبعض الاتجاهات المنضبطة في النظر لظاهرة الإقصاء ترى أن "كلمة الإقصاء قد تعني لغوياً الاستبعاد، لكنها لم تعد كذلك، في عصر صراع الهويات والعودة إلى أيديولوجيا السطو والاستيلاء بالقوة، فالإقصاء إعدام وحذف، خصوصاً عندما تُختزل الهوية في كونها مجرد النقيض للآخر الذي يهددها".

ويرى د. إبراهيم أبو جابر أن "سياسة الإقصاء هذه تعصف حالياً بالعالمين العربي والإسلامي (..)، وأنها مورست من قبل بأنواعها: الدينية والفكرية والسياسية والعائلية دونما استثناء، ولا تزال تمارس على مستوى الأفراد والحركات والمؤسسات". والأهم أن بعضها نمارسه نحن فيما بيننا، وبعضها يمارسه علينا الآخر الحضاري.

تلك هي أحاسيس الفرقاء على المستويات الذاتية؛ أو مستوى إدراكهم لمعنى الإقصاء. ودعونا نطلع على رأي خبير فيما فعله الإقصاء فعلا في مجهودنا الوطني. يقول الخبير السياسي الفلسطيني د. إبراهيم أبو جابر: "سياسة الإقصاء هذه إن استمرت فستكوي نارها تلك الأنظمة الوصية على الإقصاء والمتعهدة به خدمة لأسيادها في الغرب وداخل بلاد العرب والمسلمين، فالشعوب العربية والإسلامية تعرف تماماً الحريصين على مصالحهم دون غيرهم، تعرف المتآمرين من غيرهم، ممن نهبوا أو باعوا ثروات البلاد، لا بل وسمسروا على أنظمة عربية فأطاح الغير بها فعاثوا فيها قتلاً وتدميراً ونهباً وفساداً". ووصل التقدير بالمراقب هاني صلاح الدين ليبلور القضية في مصر بقوله: " كن فاسداً.. أو مداناً في محاكمة عسكرية".

ويضرب الدكتور سيد يوسف المثال بموقف البعض من "مبادرة سفر عمرو خالد للحوار بالدانمرك عقب أزمة الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، وكيف انهال بعض الناس لتخوينه ولاتهامه بأنه يعمل لرعاية مصالح الغرب وبدعم غربي، وتعدى الأمر إلى الطعن في شخص الرجل ودينه، والمطالبة بعدم الاستماع إليه نهائيا، وذلك كله من دون الاستماع إلى وجهة نظر الرجل وتفهم موقفه سواء اختلف معه المختلفون أم أيدوه".

ويصف الدكتور علي عبد العال العلاقة بين الجمهور والحكومة في مصر قائلا: "عانى المصريون كثيراً ــ خلال الأعوام الماضية ــ من وطأة "استبداد" سياسي و"قمع" أمني و"فساد" اجتماعي واقتصادي استشرى على جميع الأوساط ، و"قهر" و"تهميش" أو قل "إقصاء" للشريحة الكبرى من أبناء المجتمع. فكانت وظلت تدار الأمور في البلاد دون أن يعلم أبناؤها عنها شيء، أو حتى أن يكون من حقهم الاستفسار عن حقيقة ما يجري في بلادهم، حالهم كما قال القائل: "ويُقضى الأمرُ حين تغيب تيمُ ولا يُستشهدون وهم حضور".

أما عن الإقصاء العلماني للإسلاميين فحدث ولا حرج. ويحضرني موقف طريف عندما قام وزير الثقافة المصري بإثارة أزمة الحجاب في نهاية عام 2006، وذهب إلى إحدى الحفلات الخاصة بالفنانين المصريين، فإذا بفنانة تقول له: "الله عليك يا فاروق يا كايدهم"!؟. ولا يمكن إنكار العلاقة الإقصائية بين الإسلاميين وبعض فصائل اليسار، استنادا على رسوخ التصور القديم بكفر اليساريين.

ما سبق يمثل نماذج من إقصاء الحكومة للمعارضة ثم للشعب، وإقصاء الإسلاميين لبعضهم البعض، وإقصاء العلمانيين للإسلاميين والعكس، ثم إقصاءات تمارس عبر المستوى عبر القومي من الحكومات الأجنبية ضد قوى سياسية بعينها لدينا، والضحية بخاصة هم الإسلاميون أولا واليساريون ثانيا. والآن لدينا مشروع مؤسسة راند لقائمة الإسلاميين المعتدلين، وهو محاولة طريفة لإعادة المنطقة لأجواء الاستقطاب.

لقد وصلنا لحالة حرب الجميع ضد الجميع في بلادنا. فلا عجب إذا أن يتسلط أصحاب القوة (الثروة والسلطة) على الأفراد ولا يجدون من يردهم. ولا غرو في أن يتسلط الخارج علينا من الخارج فلا يجد لدينا مقاومة. فنحن لا وقت لدينا لتقدير مصالحنا لأننا منغمسون في سلسلة إقصائية لا تريد أن تتوقف، وكلما حاولنا وقفها تدخلت حكومة عربية أو أجنبية أو شركة متعدية الجنسية أو رأسمالي محلي ذو يد ملوثة، يتدخل أي من هؤلاء او تحالف من بينهم لمنح عجلة الإقصاء المرضي دفعة قوية جديدة. لكل هذا لابد من ترشيد ظاهرة الإقصاء.


الحركة الإسلامية ومعايير الإقصاء

إذا ما سلمنا بأن الإقصاء هو خاصية لكل فكر لا لأي تيار فكري أو ثقافي أو سياسي بعينه، فعندما أنظر - برؤيتي القاصرة - في الحركة الإسلامية أجد أن المشكلة الأساسية فيما يتعلق بالإقصاء تتمثل في أن الحركة الإسلامية وقعت في مأزق قادته حركة التقوي في مواجهة المشروع الاستعماري الغربي، حيث رأت الحركة الإسلامية التي قاومت الاستعمار أن أحد أوجه الصراع تتمثل في تقوية المناعة لدى الشخصية القومية ضد الاستعمار بالاستناد للعقيدة، لكي تدفع المسلمين للاعتزاز بثقافتهم وهويتهم التي كان الإسلام آنذاك المكون الرئيسي ذو الثقل الأكبر فيها.

وتطور الأمر بعد انشقاق حركة الإصلاح التي قادها أئمة الإصلاح؛ ومن بينهم الإمام محمد عبده في مصر، فاتخذ جناح من الإصلاحيين - في مصر كمثال - منحى التقليد الأعمى للغرب وعلى رأسهم الأستاذ أحمد لطفي السيد، واتخذ جناح آخر رؤية سلفية وعلى رأسهم الشيخ رشيد رضا، واتخذ الجناح الثالث رؤية وسطية وكان على رأسهم العقاد ومحمد حسين هيكل. وفي هذا الإطار قامت الحركة الإسلامية المقاومة للاستعمار بمد التعريف الثقافي للمستعمر (الكفر) ليطال أولئك الإصلاحيين المستغربين، ومن هنا بدأت الوقيعة الوطنية التي نجد لها ما يبررها من تطرف المستغربين.

وبدلا من المراجعة، ومعاودة الإطلالة على التوجيهات الأصولية بالقرآن والسنة، وبدلا من معاودة قراءة فقه سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، استمرت الحركة الإسلامية حتى عهد قريب في حمل ذلك الموروث الثقافي في إلحاق المستغربين بالمشروع الاستعماري الغربي. وهو ما نظنه أمر يحتاج لمراجعة.

أنا لا أنوي إجراء تحليل منهجي صارم للسيرة النبوية وأصول الدين في هذا الصدد، لكني أفتح الباب لأية محاولة جادة للمراجعة والتأمل، لكن السيرة لم تجعل أبدا من العقيدة معيارا للإقصاء. وليتأمل المتأمل نص وثيقة المدينة، وليزيد تأملا آية عدم الإكراه، وليزيد تأملا بالتمعن في أثر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي. إن حادث رهن الدرع ليس سوى رسالة تشريعية. فالرسول كان يمكنه أن يأتي بما يريد من مال من صحابته أو بيت مال المسلمين، لكنه أبى إلا أن يترك لنا هذه الرسالة. ولا تخفى على القارئ الفطن خصوصية رهن الدرع عند اليهودي، فقبائل اليهود صاحبة وقائع محاربة المسلمين ي ثلاث مواقع حرجة؛ كانت أشدها غزوة الأحزاب، لكن هذا لم يؤثر في الموقف النبوي من الآخر وحقوقه حتى ولو كان معاديا.

كان معيار الإقصاء مدنيا إذا في فكر الرسول ولم يكن عقديا. كان معيار الإقصاء مدنيا يطال مسلمين ويطال يهودا؛ وكان داعي الإقصاء مدنيا يعزى إلى تهديد أمن الجماعة البشرية التي كانت تسكن المدينة. هذه الجماعة البشرية التي كانت تسكن المدينة لم تكن جماعة مسلمة، بدليل رهن الدرع عند يهودي. بل أزيد على ذلك أن واقعة فتح مكة نزلت بها آية تشدد على عدم إقصاء الكافر. فحادثة أخذ علي بن أبي طالب مفاتيح الكعبة من عثمان بن مظعون تبعها قول الله تعالى "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها"، وكان أهل الأمانة في هذه الآية هو القرشي الكافر عثمان بن مظعون الذي لم يكن قد أسلم آنذاك. وكان معيار دخوله في عهد الأمان وعدم الإقصاء هو أمانته التي أداها وهو كافر في حادث إخراج أمي: أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها من مكة، والحادثة معروفة لكل قارئ.

من المهم أن تستوعب الحركة الإسلامية هذا المعيار، وأن تراجع أدبياتها في إطاره، وحتى تلك الجماعات الوسطية التي لا تقصي الآخر بسبب عقيدته نجدها بحاجة إلى أن تؤكد على الأساس المدني للإقصاء، وأن تنافح عن المعيار المدني للإقصاء، وأن تعلن رفضها القاطع والمنهجي للإقصاء على أساس عقدي، وأرشح أن تكون مصلحة الجماعة الوطنية هي المعيار الأساسي للمحاباة والإقصاء، والمصلحة العامة يعرف الجميع أنها مصدر من مصادر التشريع الإسلامي. من الضروري ألا نعاود قياس مفهومي المحاباة والإقصاء على مفهومي الولاء والبراء؛ فكلاهما من طبيعة مختلفة. ومن الضروري ألا تحاول بعض القوى إشعار البعض الآخر بالاغتراب الوطني، فهذا مما يعطل اقتراب الأفق.


رؤية في ترشيد الإقصاء

هناك مقولة أعجبتني للكاتب الأستاذ سيد يوسف، حيث سبق أن كتب بموقع الحوار المتمدن يقول: "يتجمع أفراد الثقافة الإقصائية على شكل شلل فكرية؛ تتجادل وفق ثقافة التخوين والاستعداء والتشويه والإقصاء؛ مما يعزز من مساحة الاختلاف الإقصائي بديلا عن الاختلاف الإثرائي الضروري الذي يحتاجه المجتمع لإثراء البيئة الثقافية بالتنوع في الطرح الفكري اللازم لمناقشة القضايا الاجتماعية المختلفة".

ومصدر الاعتزاز بهذه المقولة أنها أردفت طرح الإقصاء الرشيد والإقصاء المريض بتقسيم طيب لأنواع الاختلاف بين اختلاف إثرائي واختلاف إقصائي. أو بين اختلاف إيجابي وآخر سلبي. فهناك اختلاف يؤدي لبروز رؤى واجتهادات جديدة وتجديدية، وهناك اختلاف يقمع الآراء العميقة ويكبت الآراء البناءة. النوع الأول من الاختلاف: أو الاختلاف الإيجابي اعتبره الله تعالى مصدرا لتعزيز الإيمان به والتدليل على حكمته، والنوع الثاني: الاختلاف السلبي اعتبره الله شقا لتعاضد الصفوف الاجتماعية كذلك الذي اقترفه اليهود ضد وثيقة المدينة حين تحالفوا مع العدو الخارجي في موقعة الأحزاب.

القصد من وراء هذا أن الاختلاف سنة الله في عباده، وليس المطلوب أبدا محاربتها، بل تعزيزها والحرص على استمرارية قوامة مجراها لتستمر في طريقها الطبيعي ذي الإيجابية، والثراء.

كنا قد طرحنا من قبل تساؤلات حول موقع معايير التمييز بين الإقصاء المريض والإقصاء الرشيد على متصل الذاتية والموضوعية فيما يتعلق بكل اتجاه فكري؟ وهل هناك من وسيلة لبناء معيار موضوعي للتمييز بين نوعي الإقصاء هذين؟

ومع الشبهة التي تلبست بمصطلح الموضوعية يمكنني الإشارة إلى أن بدائل بناء الحالة القيمية الموضوعية ليست فقط من خلال التمركز حول الموضوع. بل يمكن بناء رؤية قيمية موضوعية استنادا للتفاوض حولها والتعاقد عليها، والخلوص بالمنتج التفاوضي التعاقدي لحالة من الوفاق الاجتماعي الصلب. إن شيوع الروح الإقصائية جعلت الجميع يفقدون الثقة في مفهوم الوطن، باستثناء بعض النخب المتميزة. وضعف الثقة هذا ولد حالة هشاشة في بنية المجال الاجتماعي العام. وهو ما نريد استرداده؛ لتسترد أوطاننا عافيتها.

وسام فؤاد

2007-05-27

عمرو خالد.. دبلوماسية الدعوة ومقتضياتها



قد تختلف مع الداعية عمرو خالد.. لكنه داعية فعال

تابعت الخلاف الذي نشب بين الأخين الفا
ضلين أ. حسام تمام وأ. مصطفى عاشور في أعقاب حوار عمرو خالد الذي نشرته صحيفة المصري اليوم في عدد الاثنين 21 مايو 2007، وهو الحوار الذي جرى تسجيله إثر اختيار مجلة التايم الداعية عمرو خالد ضمن أكثر مائة شخصية تأثيرا في العالم، ثم رحلة أ. عمرو خالد إلي أمريكا لحضور حفل المجلة لتكريم الشخصيات المختارة.

وبقدر ما أعرف وثاقة صلة الطرفين: مصطفى وحسام، بقدر ما استنتجت أهمية السجال بينهما؛ سواء أهميته لكليهما أو أهميته لأمتنا أو أهميته للأستاذ عمرو خالد نفسه. خاصة وأني أيضا – كما أ. حسام تمام – اهتممت بظاهرة الدعاة الجدد لفترة ليست باليسيرة، ولي فيها أدبيات منشورة وغير منشورة تجعلني أسمح لنفسي بالخوض في هذا الحدث وما أعقبه من سجال بروح المتفق مع الطرفين والمختلف معهما في آن، بحكم رؤيتي المختلفة عنهما للظاهرة: ظاهرة الدعاة الجدد.


دبلوماسية الدعوة.. الجيل الرابع

الحقيقة أني عندما تصديت لظاهرة الدعاة الجدد وجدت كثيرا مما يجمع عمرو خالد بأترابه من الدعاة الجدد من سمات الشبابية والعملية والتركيز على التخصص. وبقدر ما نقدت دراسة الدكتور باتريك هاني حول عمرو خالد بسبب رؤيتي لمنهجه الذي يؤدي عمليا لاختزال ظاهرة الدعاة الجدد في شخص عمرو خالد فقط، بقدر ما أميل في نهاية المطاف لتمييز عمرو خالد ضمن دائرة الدعاة الجدد، أو لتمييزه خارج دائرة الدعاة الجدد لما تفرد به عمرو خالد من خصائص سنقص أبرزها فيما يلي.

كنت في البداية في حيرة من وضع معيار لتصنيف الدعاة الجدد مع بداية الاهتمام بهذه الظاهرة، واعتمدت معيار جدة الخطاب؛ فوجدت الدعاة مختلفين من نواح متعددة، ولم يكن يجمعهم سوى الحالة الهوليوودية التي كانوا يعيشونها. ثم طورت معيار الإدراك والتصنيف مع بدء اتضاح خطاب التنمية البشرية لدى شريحة من هؤلاء الدعاة الجدد، وبدا لي أن النجومية ظاهرة دعوية عامة اليوم مع انتشار الإعلام التليفزيوني الفضائي، وأن سر تميز الدعاة الجدد الحقيقي هو اهتمامهم بخطاب التنمية البشرية. ومع هذا أصر عمرو خالد على التفرد باتجاه وحده. وأنا لا أنزعج من هذا التفرد كباحث؛ إذ بغيتي التعرف على ما يجري كما هو؛ لا كما أريد له أن يكون من خلال تنظيراتي البحثية.

كنت قد رصدت من قبل في حوار مع المهندس فاضل سليمان ما أسميته بالجيل الرابع من المنظمات الدعوية، ورؤيتي أن الجيل الأول من الحركة الإسلامية في العصر الحديث كان جيلا ذا هدف ثقافي إحيائي، ثم تطورت الحركة الإسلامية – بخاصة في مصر – في اتجاهين؛ أولهما مثل الجيل الثاني من تنظيمات الحركة الإسلامية، وكان اتجاه الدعوة اتجاها سياسيا كانت فاتحته حركة الإخوان المسلمين، وثانيهما ما اعتبرته يمثل الجيل الثالث من مؤسسات الحركة الإسلامية؛ وتمثل في ذلك الاتجاه الإغاثي الذي أخذ على عاتقه إصلاح السلبيات الاقتصادية الاجتماعية التي خلفتها الحركة الساداتية وما تلاها، وهذه الحركة شاركت فيها تيارات متعددة، منهم الإخوان والجمعية الشرعية وأنصار السنة.. إلخ.

أما ما أسميته بالجيل الرابع من مؤسسات الحركة الإسلامية فكانت تلك التي تباشر الدبلوماسية الدعوية. ومؤسسات الدبلوماسية الدعوية مؤسسات نشأت في أعقاب حادث 11 سبتمبر الأليم، وأخذت على عاتقها القيام بنوع جديد من الدبلوماسية هدفه التعريف بصحيح الإسلام ومحاربة تكريس الصورة السلبية عن هذا الدين، ومنها مؤسسة بريدج التي يترأسها المهندس فاضل سليمان.

وأكثر الملامح بروزا في خطاب عمرو خالد أنه يباشر هذا النوع من الدبلوماسية الآن، لكنه يباشره إلى جانب نمطين آخرين من الدعوة أولهما نمط الوعظ الكلاسيكي، وثانيهما حمل خطاب التنمية البشرية. وهذا التعقيد فيما يتعلق بالحركة التي يباشرها عمرو خالد سبب تميزه وسبب الحيرة لدى كثير من المراقبين في فهم خطابه، وإن كنت أميل في النهاية إلى تضمينه المرحلة الرابعة للدعوة: مرحلة الدبلوماسية الإعلامية، وهذه المرحلة مهمة جدا وخطيرة جدا، ولابد لها من رجال كأمثال عمرو خالد يتصدون لها؛ ولكن.. هل عمرو خالد فعلا مؤهل للتصدي لمثل هذه المهمة؟ أظن أن مقال أ. حسام تمام كانت فكرته الأساسية تدور حول هذه المسألة.

والواقع أن عمرو خالد ضمن هذه المرحلة يتحرك بأسلوب كاريزمي تقليدي يعتمد على شعبيته التي دشنها عبر خطابه الوعظي التقليدي وخطاب التنمية الذي يهتم به، لكنه لا يصلح وحده، بل لا يصلح مطلقا للتحرك على صعيد الدبلوماسية. إن تحرك عمرو خالد على صعيد الدبلوماسية يحتاج لشعبية عمرو خالد الداعية لكي تعطي لتحركه مشروعية من خلال تمثيله الفعلي للظاهرة الإسلامية وقياداتها، لكنها لا تصلح تأسيسا فكريا لهذه الظاهرة. والواقع أن هذا ليس رأيي وحسب. بل هو رأي مجموعة من الخبراء المهتمين برصد الحالة الإسلامية مثل الدكتور عمرو الشوبكي الخبير بمركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية، ورأي أ. عبد الله السناوي رئيس تحرير صحيفة العربي المصرية، ورأي المهندس أحمد بهاء الدين شعبان أحد أبرز قادة اليسار الجديد في مصر والمهتمين بالحركة الإسلامية.

وأذكر عندما كنت أحاور الأستاذ أنس التكريتي أحد أبرز قيادات الحركة الإسلامية في بريطانيا فحدثني عن تضمين الإسلام ضمن العقد الاجتماعي الغربي، وأدركت مدى تعقيد القضية، قضية مواجهة الحملة على الإسلام في الغرب، وهو ما جعلني أتفق مع طرح أ. حسام تمام الذي ينظر بعين المرتاب لفاعلية مكوكية عمرو خالد وجولاته. فهذه القضية: قضية صورة الإسلام في الغرب تحتاج لفهم الطبيعة التبشيرية للمنظمات الإنجيلية والكاثوليكية بأوروبا وأمريكا وبقية العالم وطبيعة علاقتها بالدعوة الإسلامية، ثم تحتاج لفهم طبائع حركة اليمين العلماني الغربي واتجاهاتها وتأثيرها، وهي حركة يتنامى حضورها الثقافي والسياسي، ثم نحتاج فهم آليات إدارة المشكلات الاجتماعية في الغرب، ثم نبني حركتنا على أساس تصور ثقافي عميق. ولهذا أدعو عمرو خالد إلى أن يركز على هذه المساحة ضمن خريطة قراءاته ودراساته، لكي لا نجد فجأة أن الغرب يستهلك عمرو خالد ويوجهه وجهة لا يدري أبعادها برغم "حسن نيته".

وعندما أرسل لي أ. حسام تمام مقاله المنشور في صحيفة المصريون الإليكترونية لكي أفيده برأيي أوضحت له رؤيتي المتمثلة في أن الأستاذ عمرو خالد يدير العلاقة بين الإسلام والغرب بمنطق الحسابات (باعتباره محاسبا)، ويعتبر سوء الفهم بين العالم الإسلامي والغرب محض مشكلة محاسبية يمكن تسويتها بقيد محاسبي (صورة سلبية فنصححها وانتهى الأمر)؛ والحقيقة خلاف ذلك. الإسلام في الغرب يدخل ضمن حركة اجتماعية يتراوح محلها بين القبول والرفض؛ ولابد لكي نحسن فهمها أن نقترب منها بمنظور العلوم الاجتماعية لا بمنظور علم المحاسبة.

لا شك في أن الهالة الهوليوودية هنا في حالة الداعية المنتمي للجيل الرابع من المراحل الدعوية أمر مهم، بل هي أحد أدواته الرئيسة في أداء مهمته، لكن ما نريد لفت نظر الأخ الفاضل أ. عمرو خالد إليه ضرورة معاودة استحضار النية باستمرار. غير أننا على الصعيد الثاني نتحفظ حيال شق صدر عمرو خالد واتهامه بالرياء، وإن كنت أرى أن أ. حسام تمام لم يفعل هذا بقدر ما أكد على نرجسية عمرو خالد الشديدة، وهو ما لا يخالفه فيه أحد لا أنا ولا أ. مصطفى عاشور؛ فضلا عن كثيرين.


دعوة عمرو خالد.. قضية الجزئية

وإن كنت قد طرحت رأيي بين أ. حسام وأ. مصطفى في قضية فهم أ. عمرو خالد لحركته وأبعادها، فلابد وأن ننصف أ. عمرو في النهاية من زاوية خطابه وواقع الجزئية الذي اتفق عليه كثيرون، تلك الجزئية التي دفعت الأخ والصديق حسام تمام لوصفها بالدعوة الإسلامية مكيفة الهواء، وكان من قبل يدعوها أستاذنا الدكتور صلاح عبد المتعال بنمط التدين اللذيذ؛ لأنه لا يلقي أعباء على معتنقيه ومريديه. ولي حيال هذه المساحة وقفة.

كنا – كإسلاميين - قديما عندما نرى خلافا بين الحركات الإسلامية نقول إن الحركات الإسلامية لا يجب أن تعادي بعضها بعضا، وكنا نرى ذلك لأمرين؛ أولهما لأن تحديات العالم الإسلامي تقضي بأن نرتب أولويات مواجهاتنا بحيث لا تنصب جهودنا في نقد بعضنا البعض بدلا من تطوير خطاباتنا والوصول للناس والتعبير الحقيقي عن آلامهم وآمالهم، وهذا لا ينطبق طبعا على جهود النقد الذاتي الموضوعية التي نحتاجها بشدة في هذه الآونة. ولا زلنا اليوم في واقعيتنا نؤمن بضرورة ترتيب الأولويات هذا.

وثاني دواعي عدم معاداة بعضنا البعض أننا كنا في رومانسيتنا الإسلامية نرى أن الحركات الإسلامية التي يكمل بعضها بعضا حتى وإن اختلفت في عمق خطابها على اختلاف مستوياته. كنا آنذاك نرى السلفية تحرص على تنقية الاجتهادات وتوفير نقد بناء لها في ضوء الشرع، والتبليغ تقوم بدور الدعوة الفطري، والإخوان يقوموا بدور الدعوة بما لها من شمول يطال الشأن السياسي، وكنا نرى في هذا تكاملا ينظمه الله في سنته برغم الاختلافات العميقة بين تراكيب الحركة الإسلامية. بمعنى آخر: كان منطق رومانسيتنا يؤكد أنه ليس ثمة أحد كامل، وأن البعض يسد نقص البعض الآخر. وهذا أيضا مما تبقى لنا حتى اليوم. ولا يخرج عمرو خالد عن هذه الدائرة.

إن إدراك الباحثين غير الإسلاميين للخطابات الإسلامية إدراك أحادي أو بأفضل التصورات هو إدراك موازي بمعنى أن أولئك يتصورون أن كل خطاب متكامل في ذاته، له بعده الدعوي المستقل وبعده الفكري المستقل وبعده الوعظي المستقل وبعده السياسي المستقل، وهذه أيضا مشكلة الباحثين الإسلاميين الذين يرجعون إلى المنهج المغترب في فهم الظاهرة الإسلامية. ولا شك في أن المتدينين الجدد الملتفين حول الدعاة الجدد يتسم تدينهم بطابع الجزئية التي تصل إلى رتبة الإخلال في كثير من الأحيان، ولكن سؤالنا هو: هل نلزم عمرو خالد كشخص بأن يغطي في خطابه الوعظي كل مستويات الخطاب التي يحتاجها أي خطاب إسلامي تجديديا كان أو تقليديا؟ والإجابة هي النفي قطعا.

السؤال الذي يثور لدينا هنا هو: هل خطاب عمرو خالد يمتنع عن التواصل مع الأصول؟ وهل خطاب عمرو خالد يعزف بمريديه عن التواصل مع سائر الخطابات الإسلامية الوسطية؟ وهل يحظر عمرو خالد على أتباعه استكمال القصور في تدينهم؟ والإجابة على كل هذه التساؤلات بالنفي قطعا.

أخيرا، أود أن أوضح أنه قد ساءني إلى حد كبير أن نكون بهذا المستوى من الذبح لبعضنا أثناء إدارة خلافاتنا. وأود أن أوجه عناية إخوتي لضرورة أن يكون نقدهم لبعضهم على ذلك القدر الذي ننزل به من كوننا منتمين لطرح أخلاقي أولا، ومنتمين لنخبة تعرف بعضها وتعرف كيف تداوي جراحاتها فيما بينها أو علنا على الملأ.
وسام فؤاد

2007-04-15

قضية حقوق الإنسان في خطاب شبكة إسلام أونلاين.. قراءة


عقدت في الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ورشة عمل لمناقشة دراسة تنجزها الشبكة حول حقوق الإنسان في الإنترنت العربية، وكانت شبكة إسلام أونلاين إحدى دراسات الحالة التي اعتمدت عليها الدراسة؛ جنبا إلى جنب مع مواقع إعلامية أخرى كموقع الجزيرة، وموقع العربية وموقع محيط، بالإضافة إلى مجموعة من المواقع الحقوقية المتميزة موضوعا؛ حتى وإن كان بعضها غير مميز من زاوية قدرات العرض وعدد الزوار والمشاهدات.

وبقدر ما كانت فرضيات الدراسة طيبة، وبقدر ما كانت الأدوات المنهجية مشروعة في إطار بحوث ودراسات الإنترنت في العالم العربي الذي لا تزال بحوث الإنترنت فيه لا تزال تحبو، بقدر هذين الأمرين؛ إلا أن الدراسة الاستطلاعية لم تكن قادرة على استيعاب كل ما تناولته شبكة إسلام أونلاين ضمن الحالة الحقوقية. وكانت مشاركة وحدة البحوث والتطوير بشبكة إسلام أونلاين ضمن الورشة محاولة لإضاءة الطريق أمام باحث متميز، وبحث هام، على الأقل نضيئه فيما يتعلق بشبكة إسلام أونلاين؛ بقدر ما حاول كل مشارك إضاءة الطريق أمام البحث فيما يتعلق بموقعه أو شبكته.


إسلام أونلاين والحالة الحقوقية


لم تكن شبكة إسلام أونلاين – حتى تاريخ الدراسة الاستطلاعية التي يقود فريق العمل فيها الباحث المتميز محمد حاكم – قد عنيت بتقييم خطابها حيال القضايا الحقوقية. ومع نتائج الدراسة الاستطلاعية التي أرسلتها لنا الشبكة لتكون أساسا لإدارة النقاش؛ والتي اختلفنا معها كما وكيفا، كان من الطبيعي أن تعمد وحدة البحوث والتطوير بالشبكة إلى إجراء دراسة سريعة عن وضع الحالة الحقوقية في خطابها، فضلا عن تقديم موجز لرؤية الشبكة حيال هذه القضايا. وقد قامت الوحدة بإنجاز دراسة أعدتها الباحثة الإعلامية هبة ربيع، فضلا عن قيام كاتب هذه السطور بتقديم قراءته لواقع هذه القضية ضمن مساحات الخطاب المتعددة المجالات والمستويات التي تقدمها شبكة إسلام أونلاين. وكان المنطلق من وجهة نظري تقديم مقاربة فكرية تعكس خصوصية خطاب شبكة إسلام أونلاين فيما يتعلق بتعاملها مع القضايا الحقوقية بصفة عامة.

بداية، خلصت دراسة الأستاذة هبة ربيع إلى معارضة الرصد الكمي للقضايا الحقوقية بشبكة إسلام أونلاين ضمن الدراسة الاستطلاعية التي تجريها الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان. وكانت الدراسة قد أشارت إلى أن معدل إنتاج الشبكة ضمن الحالة الحقوقية كان 1.1 مادة يوميا خلال عام 2006. وخلصت الدراسة التي أجرتها وحدة البحوث والتطوير بشبكة إسلام أونلاين إلى أنه خلال الفترة من 1 مايو 2005 وحتى أخر أبريل 2006 تم نشر 292 موضوع يهتم بقضايا الحريات، استأثرت صفحة (أخبار وتحليلات) منهم بـ 206 موضوع، بينما نشرت صفحة (الإسلام وقضايا معاصرة) 4 موضوعات، 4 موضوعات في (النطاق الدعوي)، 39 موضوع في (تحليلات وآراء)، 15 موضوع في (ثقافة وفن)، موضوع واحد في صفحة (مجاهيل ومشاهير)، موضوعين في نطاق (حواء وآدم)، موضوع في صفحة (علوم وصحة)، 4 موضوعات في (مفاهيم و مصطلحات)، موضوع في نطاق (التزكية)، 6 موضوعات في (نماء)، 9 موضوع في وثائق وبيانات. وكانت الموضوعات عن الحريات تمثل نسبة 4.8 % من إجمالي المادة المنشورة (5971) في الموقع خلال نفس الفترة، تقفز النسبة في نطاق مصر الجغرافي عن الحريات إلى 8.3% من إجمالي الموضوعات المنشورة عن مصر.

أما إذا استعرضنا المادة المنشور عن (حقوق الإنسان) في نفس الفترة لوجدنا أنها 846 موضوع منها 620 موضوع في صفحة (أخبار وتحليلات)، 20 في نطاق (الإسلام وقضايا معاصرة)، 18 في (النطاق الدعوي)، 70 موضوع في (تحليلات وآراء)، 23 موضوع في (ثقافة وفن)، 29 موضوع في صفحة (حواء وآدم)، 3 موضوعات في (علوم وصحة)، موضوع في صفحة (مجاهيل ومشاهير)، موضوع في (مشاكل وحلول)، 4 موضوعات في (مفاهيم و مصطلحات)، 10 موضوع في ملفات وصفحات خاصة، 19 موضوع في (نطاق التزكية)، 8 موضوعات في صفحة (نــمــاء)، 20 موضوع في (وثائق وبيانات)، وهو ما يعني أن نسبة الموضوعات التي تتناول حقوق الإنسان في الموقع تبلغ 14% من نسبة الموضوعات في الصفحة، وتقفز النسبة لتصل إلى 17.4% في حالة التركيز على مصر فقط.

وإذا بحثنا خلال عام 2006 فقط من 1 يناير 2006 إلى أخر العام في 31 ديسمبر 2006 كانت إجمالي المادة المنشورة في الموقع كله عن حقوق الإنسان 718 موضوع من إجمالي 5944 مما يعني أن المادة المنشورة عن حقوق الإنسان في كل الصفحات في كل النطاقات الجغرافية تبلغ 12%.

غير أني أضيف إلى نتائج دراسة الأستاذة هبة ربيع أن البحث ضمن الخط الإعلامي بالشبكة (الصفحات المتخصصة) يختلف إلى حد كبير عن البحث ضمن خط الاستشارات الذي يضيف للشبكة بعدا يتسم بكونه أكثر فردية؛ إذ يتعامل مع أسئلة أفراد وليس مجرد موضوعات عامة. وقد يكون إسهام صفحة مثل الاستشارات الصحية منعدما بصورة مباشرة كدال في التناول الحقوقي، لكنه قائم على فكرة حق الفرد في خدمة صحية تتجاوز العلاج لصالح مفاهيم التوعية والتوجيه للتخصصات الأكثر مواءمة للشكوى.. إلخ. لكن صفحات الاستشارات الشبابية والاستشارات التربوية والاستشارات الدعوية والاستشارات الإيمانية لم تخل من معالجات مباشرة لقضايا حقوقية، فضلا عن استيعابها لمعدل لا يستهان به من المعالجات غير المباشرة. وهو ما أردنا أن نلفت نظر فريق البحث في الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان إليه.

ولم ينظر كاتب هذه السطور لضرورة استحضار موقع إسلام أونلاين الإنجليزي ومحتويات خط الإعلام وخط الاستشارات به فيما يتعلق بالحالة الحقوقية، وإنما اكتفى بالتنبيه إلى أن دراسة شبكة معلومات حقوق الإنسان لم تتعرض إليه، وربما كان هذا مبررا بالنظر لتركيز البحث المشار إليه على الإنترنت العربية.

وواضح من نتائج دراسة أ. هبة ربيع وحدها أن معدل نشر المادة الحقوقية على الشبكة خلال فترة الدراسة التي اعتمدتها دراسة الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان تتجاوز 1.8 مادة يوميا؛ وذلك إذا بحثنا بكلمة حقوق الإنسان فقط، وتدلنا إحصاءات الدراسة على أن كلمة حقوق الإنسان ليست الكلمة المفتاحية الوحيدة التي يمكن بها البحث عن حضور الحالة الحقوقية في شبكة إسلام أونلاين كما في غيرها من المواقع الإعلامية. ولقد ضربنا مثلا بقضايا الحريات، وهي جزء لا يتجزأ من القضايا الحقوقية، وكانت النتيجة المنشورة فيها خلال عام تتم بمعدل نشر بلغ 0.7 مادة يوميا وحدها من دون حضور مفردة حقوق الإنسان التي لا يشترط حضورها لاعتبار الموضوع متعلق بالقضايا الحقوقية.

وبعيدا عن الدراسة، التي سيتسنى لجميع زوار إسلام أونلاين الاطلاع عليها، فقد قمت بإجراء مقابلة مع رئيس قسم نظم المعلومات بشبكة إسلام أونلاين، وذلك بهدف منح الباحث قائد فريق العمل بمشروع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان مؤشرات قوية الدلالة والصدقية، وكانت نتيجة المقابلة أن اختلاف المصنفين للمادة بقسم نظم المعلومات قد يكون سببا لتفاوت الكلمات المفتاحية التي يتم التعامل مع المادة المنشورة، فالحالة الحقوقية تندرج تحتها كلمات مفتاحية متعددة قد يرى كل مصنف أنها تحتاج لتعبير أكثر ضيقا من حيث الدلالة، لكي ييسر على الزائر العثور على مبتغاه.

وهذا الطرح يفسر سبب تفاوت نتيجة البحث عندما نبحث ضمن محتوى شبكة إسلام أونلاين باستخدام كلمات مفتاحية مثل "حقوق المرأة" أو "حقوق الطفل" أو "الديمقراطية" أو "الحريات" على نحو ما رأينا. وبخلاف هذا المبدأ الكمي الهام في الرصد، إلا أن كاتب هذه السطور كان له رؤية يستشعر أنها أكثر عمقا بعض الشئ، مما جعلني أقدر معدل المادة الحقوقية المنشورة ضمن محتوى شبكة إسلام أونلاين بأكثر من 10 مواد لليوم الواحد. وهذا ما سنتعرف على مرده ضمن السطور القليلة القادمة.


خصوصية الطرح الحقوقي بإسلام أونلاين


كان من المهم بداية أن نقف على خصوصية الطرح الحقوقي بشبكة إسلام أونلاين من زاويتين. الزاوية الأولى تتمثل في خصوصية رؤية هيئة تحرير الشبكة للمساحة الحقوقية، والزاوية الثانية تمثلت في خصوصية المرجعية الإسلامية في طرح مفاهيم حقوقية ربما كانت تغيب عن المنظومة الحقوقية التي صدرتها الحضارة الغربية للعالم ضمن رؤيتها العولمية.

أ – تحيز الدراسة وخصوصية الشبكة:

أما عن الزاوية الأولى، فقد لمست وجود مستويين من التحيز ضمن مشروع الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان في بحثها عن الحالة الحقوقية في الإعلام العربي على الإنترنت، أول هذين المستويين يتمثل في التحيز لما هو سياسي، وثانيهما يتمثل للتحيز فيما هو سلطوي.

ففيما يتعلق بالتحيز لما هو سياسي، فقد كان واضحا من محكات الرصد التي اعتمدتها دراسة الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان أنها تتحيز للمجال الحقوقي السياسي، وكان جديرا بالذكر لفت النظر إلى أن المساحة الحقوقية ضمن شبكة إسلام أونلاين تتجاوز السياسي لصالح شيوع اقترابها الحقوقي في عرض محتواها الإعلامي في كافة نطاقات (أقسام) الشبكة بلا استثناء. وقد ذكرت من قبل أن نطاق "حواء وآدم بالشبكة يهتم بمساحات حقوقية لا يمكن اعتبارها ضمن المجال السياسي بحال. فملف مثل التحرش بالأطفال هو ضمن حق الطفل كإنسان في حياة آمنة ومستقبل خلو من العقد والمخاوف، وهو جزء أكبر من مجموعة من حقوق الطفل حرص هذا النطاق الاجتماعي على استحضارها وتكثيف الوعي بها. ولن نتحدث أكثر من هذا عن خوض نفس النطاق في مجالات مثل حقوق المرأة كزوجة، وحقوقها كأم، وحقوقها كابنة. ولن نمنع النطاق الدعوي من مناقشة حقوقها كداعية تحضر في المساحات العامة الإعلامية أو الإنسانية بعامة. وعندما يناقش النطاق الدعوي حقوق الداعية على الناس وحقوق الناس على الداعية، بل وعندما يناقش حقوق عضو حركة إسلامية ضمن الترتيب الهيراركي لحركة إسلامية ما؛ بالنظر لما يفرضه هذا الترتيب من حقوق وما يرتبه من التزامات. وقل نفس الأمر بالنسبة لنطاق الفتوى ونطاق التزكية والنطاق العلمي والنطاق الاقتصادي.

إن ما أريد أن أخلص إليه هنا هو أن المنظور الحقوقي كان منظورا سائدا لدى كافة نطاقات إسلام أونلاين، فهو كما يراه البعض درجة من درجات المرجعية الوضعية الاجتهادية ذات الأساس الشرعي الذي يمثل المرجعية الكبرى لإسلام أونلاين، وترى فيه هيئة تحرير الشبكة منظورا يمكن من خلاله تقييم أية علاقة في أي مساحة من مساحات الحياة الاجتماعية.

وأما عن الزاوية الثانية لتحيز بحث الشبكة العربية فقد كانت التحيز لمستوى علاقة السلطة بالمجتمع المدني، سواء كمنظمات أو كأفراد. وهنا كنت في حاجة للإشارة إلى أن الحالة الحقوقية - كما رصدتها – تتميز براديكالية حميدة حقوقيا، تتجاوز مركزية السلطة باعتبارها الطرف المركزي ضمن العلاقة الحقوقية لصالح مستويات مختلفة من العمل العام والخاص. وقد ذكرت طرفا من هذه المستويات من قبل. فملفا التحرش بالأطفال أو النساء يتضمن بعدا حقوقيا يكون الفرد فيه هو المركز لا السلطة. وعندما نتحدث عن تنظيمات المجتمع المدني ومن ضمنها بعض الحركات الإسلامية كطرف يسهم في تآكل الحالة الحقوقية أو تعزيزها فنحن نتحدث عن تجاوز لمركزية السلطة. ويبدو تفهم إهمال الحديث عن الحالة الحقوقية ضمن معترك السياسة الدولية تحصيل حاصل، لكن نشير ضمن هذا لحقوق كتقرير المصير والاستقلال وازدواجية معايير مساندة المجتمع الدولي للحالة الحقوقية المواجهة للتعسف والاستبداد.. إلخ، من قبيل التدليل المؤشر.

ب – خصوصية المرجعية وتميز الشبكة

في شبكة إسلام أونلاين تعلمت من الجميع عدم التباهي بحقيقة أن الرؤية الإسلامية كانت سباقة في المجال الحقوقي أو غيره من المجالات من قبيل التواضع لله أولا، ثم من قبيل احترام إسهامات الحضارات المختلفة في مجال دعم الإنسان كفرد أو دعمه ضمن الأطر الجمعية التي يرتاد عضويتها. لكني هنا في مقام الشاهد الذي لا يمكنه إخفاء الشهادة، ولا يمكنه كتمان ما أضافته الشريعة للحالة الحقوقية ضمن مفهوم أوسع وأكثر تراحمية وخصوصية.

هذه الشهادة تجعلني أشير إلى مصدرين لتميز الرؤية الإسلامية، وأدعو النخب العلمية المسلمة للتحرك لإضافتها لجملة الموروثات الحضارية الإيجابية التي أسهمت بها الحضارات المختلفة فيما يتعلق بالحالة الحقوقية. ومصدرا التميز هي أولا: منظور دعم الحقوق بمفهوم الواجب الشرعي، وثانيا: تلك الصور الحقوقية الخاصة بالشريعة.

أولا: فلو نظرنا للنطاقات التي تتعامل مع نصوص الشريعة سنجد ما لفت النظر إليه المستشار طارق البشري في كتاباته بالنظر إلى مفهوم الواجبات في الرؤية الإسلامية مقارنة بطرح الحقوق في الرؤية الغربية. فإذا كانت الرؤية الإسلامية قد اعتبرت المنظور الحقوقي وعنيت به؛ إلا أن ذلك لم يمنع من وجود اقتراب آخر للظاهرة الحقوقية يتمثل في الاقتراب الوجوبي، وهو اقتراب يرتبط بالواجبات التي ألقتها الشريعة على عاتق المسلم حيال دوائر الإنسانية المحيطة به. وقد أوضح المستشار البشري إلى أن أحد مصادر تميز شريعة الإسلام أنها قدمت الحقوق بصورتين؛ أولهما وجه الحق وتعريف صاحب الحق به لكي يطالب به، لكنها قدمته أيضا من منظور كونه واجبا أيضا على المسلم. فحق الإنسان على أخيه الإنسان، أو حق الإنسان على المسلم هو في نفس الوقت واجب على المسلم تجاه أخيه الإنسان؛ وهذا ما يحقق من وجهة نظر المستشار البشري ميزة مطلق للشريعة. فالنظر للحق باعتباره حقا قد يرتب صورة صراعية للتفاعل الإنساني بسبيل استرداد الحق، أما أن تصوره الشريعة باعتباره واجبا يدخل به الإنسان في رحمة ربه فهذا ما جعل المسلم يستبق إسداء الحقوق وردها أملا في تجنب العقوبة الدنيوية وتجنب عذاب الله في الآخرة.

ويمكنني أن أضيف أن الرؤية الإسلامية تقرن الحقوق بالواجبات لأن الواجبات قد لا تصبح عبئا على الضمير ما لم يكن الإنسان ملتزما بتعاليم الله، ولهذا فإن وجود الحق لا يتأثر بوجود الواجب، بل يتعزز به ولا يغيب بغيابه.

وقد سؤلت في التعقيبات عن مفهوم الإنسان في المنظومة الحقوقية المسلمة بالنظر لمحورية مفهوم المسلم، وأوضحت أن الحالة الحقوقية من وجهة نظر الشريعة ليست كالحالة الغربية في نسبيتها. فدوائر الحقوق في الرؤية الإسلامية متعددة، حيث رتب الله لكل الإنسان على المسلم حقوقا، لكنه زاد في حقوق بعض الفئات. فقد جعل الله للابن على أبيه حقوق تزيد عن حقوق/واجبات أي إنسان على إنسان، وكذا جعل للأب على ابنه مزيد حقوق/واجبات، بل وجعل للأقارب حقوقا على بعضهم أكثر مما رتب من حقوق الناس على بعضهم. كما رتب الشارع جل وعلا حقوقا للجيران على بعضهم مهما اختلفت دياناتهم، ورتب لأهل الكتاب حقوق أكثر من حقوق الإنسان العامة، ورتب للمسلم على أخيه المسلم حقوقا أكثر من غير المسلم. لكن لابد من أن نشير إلى أن حقوق المسلم تختلف عن حقوق غير المسلم في أمور بسيطة وشخصية وليست عامة كبعض أمور الزواج والميراث وحقوق الأموات. فكل دائرة علاقة إنسانية لها حقوق تخصها، وكل منظومات الحقوق محترمة.

ثانيا: أما المصدر الثاني للتميز الذي أردت الإشارة إلى غيابه عن النموذج الإدراكي الذي استند إليه مشروع الدراسة القيمة للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان فيتمثل في تلك المصطلحات الحقوقية الخاصة بالشريعة، والتي تغيب عن مدركات كثير من راصدي المحتوى الحقوقي في دوائر الإعلام الإسلامي المختلفة. وهذا شأن الدراسات الغربية قاطبة إذ عجزت عن رصد مصطلحات حقوقية بالغة الثمانة والنفاسة التي تتفاوت مستوياتها بين الآداب والأخلاق والحقوق، ولن أضرب أمثلة كثيرة إذ سأكتفي بنماذج مثل العقوق والغيبة والنميمة والمناجاة وعيادة المريض؛ بل والحق في التحية وردها التي هي ضمن تعاليم الإسلام واجب يأثم تاركه. هذه المستويات الحقوقية لا تدركها المنظومة التعاقدية الحقوقية بصورتها كحقوق، لكن الإسلام اعتبرها وثمنها ورتب على جلها عقوبات دنيوية كما رتب عليها كلها مكافآت وعقوبات أخروية.


معالم من الطرح الحقوقي بإسلام أونلاين

من بين ما أريد التوقف عنده مما تم التعرض له بشكل مباشر في مداخلات الورشة أو في الدراسة الاستطلاعية يتمثل في عدة أمور أظن أنه لابد من التعرض لها ببعض الحديث. ومن هذه الأمور أريد أن أتحدث عن طبيعة الاتجاه الفكري التجديدي بإسلام أونلاين، وكذا حضور الآخر.

فأولا: فيما يتعلق الاتجاه الفكري فأنا أريد أن أميز خط إسلام أونلاين باعتباره خطا نشأ وترعرع داخل منظومة فكرية كان أحد أعلام الخوض فيها الأستاذ محمد بلقاسم حاج حمد الذي صاغ مشروع "العالمية الإسلامية الثانية"، والذي كان أن على المسلم الواثق في دينه العارف به أن يتحرك منفتحا على إسهامات الحضارات المختلفة بغير تلك الحساسية التي سادت تفكير مشايخ المسلمين وعلمائهم التي تدعو للتحفظ حيال الإنتاج الحضاري للآخر. وبرغم أن اتجاهات التجديد في الآونة المعاصرة عديدة لعل أبرزها الإطار السلفي بتياراته التي تتراوح بين التيار الوهابي في أقصى اليمين برؤيته العقدية ونقيضه الإخواني التجديدي برؤيته التي يغلب عليها السياسة، ثم تيار إسلامية المعرفة الذي صاغه المعهد العالمي للفكر الإسلامي، إلا أن عدم نضج المراكمات العلمية التيار الثاني: تيار الإسلامية، فضلا عما أنتجه التيار السلفي بمدارسه من صدام عقيدي أو سياسي، هذا ما جعل تيار العالمية أو تيار المسلم المعاصر أكثر إيجابية وأكثر قابلية لإتاحة الفرصة للتجديد الثقافي والسياسي مع الوعي بإطار الخصوصية.

وقد أدى هذا الاتجاه بتأثيراته في وعي هيئة تحرير إسلام أونلاين بدوائرها المختلفة إلى منح مرونة فكرية عالية استوعبت الإسهامات العالمية المختلفة للحضارات المختلفة، وأعادت قراءتها بشكل يستوعب غالبها ضمن أصولها الفكرية حتى يضمن لها الفاعلية ضمن الخطاب الذي تحمله الشبكة. تلك المرونة التي تجاوزت فاشية بعض الخطابات الإسلامية وساهمت في تجديد منهج النظر للأفكار الاجتماعية البناءة في عالمنا العربي والإسلامي. وبعد أن كانت فكرة الديمقراطية في أوائل التسعينات من قبيل الأفكار محل التحفظ التي يستعاض عنها بمفهوم لم ينضج داخل الممارسة الإسلامية العامة: الشورى؛ إذ بالديمقراطية "مما يحقق مقاصد الشريعة" وذلك عبر ضمانها وقاية المجتمع من الاستبداد والانحراف بالمنصب العام عن مقاصده وضمان محاسبة ومسؤولية المنحرف بالسلطة. وليست فكرة حقوق الناس ببعيدة عن نفس مجال التأثير.

وعلى صعيد ثان، يمكنني الإشارة لحيوية مفهوم الأوطان القومية في رؤية هيئة التحرير. ولعلها تكون قراءة خاصة بي، لكني ألمس مردوداتها عبر آليات المعالجات الإعلامية. ورؤيتي أن خطاب إسلام أونلاين تطور تلقائيا باتجاه منح دوائر الهوية الوطنية في عالمينا العربي والإسلامي وزنا مساويا لغيرها من دوائر الهوية، بل أظن أن تفسير هذا أنه ربما تولد عن العقل الجمعي التجديدي أن إيلاء الخطابات الإسلامية الاهتمام الأكبر لدائرة العالمية أو دائرة العالم الإسلامي قد جعلا الحركة الإسلامية بمختلف أطيافها غير قادرة على مراكمة أدبيات نهضة على المستوى القطري، مما جعل الخطاب الإسلامي دوما بعيدا عن الساحة القطرية التي تفردت بها قوى أغلبها ليس بالكفاءة الوطنية أو الفكرية التي تمكنه من حمل مشروع نهضة واستقلال قادر على إحداث نقلة نوعية إيجابية ضمن مساحة الهموم الوطنية العربية والإسلامية.

إن تلك الروح هي ما يميز الخط الوطني عن مفهوم القطرية، إذا يتمركز مفهوم القطرية على تقديم ساسة كل قطر مصالح هذا القطر على ما عداها من أحلام الوحدة والروح الجمعية العربية أو الإسلامية. أما مفهوم الوطنية فكان يعني استرداد دائرة الهوية الوطنية ورفع حالة الاغتراب التي وسمت علاقة الخطابات الإسلامية بها، مما يسمح لحملة هذه الخطابات ببناء وتحقيق طموحات أقطارهم في إطار السعي لبناء الإطار الجمعي الأكبر: العربي والإسلامي القادر على تعزيز العمق الإستراتيجي لكل قطر على حده.

وقد سرت روح الوطنية هذه في تناول إسلام أونلاين لكل قطر اهتمت بأجندته، بما كان يعنيه ذلك من دعم مراسلي الشبكة وحسن انتقائهم بعيدا عن ذوي الخطوط الإقصائية أو غير المبالية لدائرة الوطنية.

ولو نظرنا لحالة مصر كأنموذج أو دراسة حالة سنجد لهذا التوجه ملامح عديدة، كان من أهمها محاولات بناء التوافق العام بين التيارات المختلفة في هذا البلد حول أجندة قوامها ما لا يمكن غض الطرف عنه من آمال هذا البلد. وقد رصدت أن كل الاتجاهات الثقافية قد حضرت بخطابها، وكذا كل المذاهب والطوائف، وأعني هنا الطائفة المسيحية بقدر من التنويع داخلها. وقد كنت حريصا على أن أنظر في حضور كل هذه الأطراف وطبيعة هذا الحضور وأن أعمل على تقييم هذا الحضور، وكان سؤالي الأساسي: هل حضور هذه التيارات كان لنقدها أم لإسهامها في خطاب إسلام أونلاين أو في بناء تيار الوعي بالأجندة الوطنية التي أسلفت الحديث عنها؟ وكانت الإجابة أن الغالبية الكاسحة مما نشر لهذه الاتجاهات كان إسهاما في تيار الوعي الوطني وليس لنقد هذه الاتجاهات.


خاتمة

وبقدر ما حاولت أن أنير الطريق أمام هذا البحث بالغ الأهمية، فقد كنت حريصا على أن ألفت نظر الباحث إلى ضرورة التمييز بين المواقع الإعلامية ذات الخطاب وتلك المواقع ذات الجدوى الاقتصادية على نحو ما عرف ممثل موقع العربية موقعه باعتباره موقعا قائما على دراسة جدوى اقتصادية. حيث رأيت أن المواقع ذات الخطاب تحتاج إلى أدوات بحثية أكثر عمقا تحاول تقديم رؤية أكثر وضوحا وصدقية عن خطابها ومحمولاته وتطبيقاته.

كما أكدت على الباحثين أن وحدة البحوث والتطوير بشبكة إسلام أونلاين تهتم بتقديم المعونات البحثية المعلوماتية والتقنية لكل المشروعات البحثية المتعلقة باجتماعيات الإنترنت. وهي دعوة مفتوحة للاستعانة بنا وقتما تعوزهم الاستعانة.

2007-03-12

معضلة تعديل الدستور المصري وأولويات الأجندة الوطنية


وأنا أتجول اليوم: الحادي عشر من مارس 2007، جولتي الصحافية قبل بدء مسيرة العمل اليومي، وجدت خبرين بصحيفة المصري اليوم المصرية يتعلقان بالعلاقة ما بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية، وكانت فحوى الخبر الأول أن "وزير العدل يحيل قاضياً إلي مجلس الصلاحية بتهمة إهانة الرئيس تمهيد لفصله". أما الخبر الثاني فكانت فحواه "مبارك يتدخل لعلاج قاضي مجلس الدولة الشاب". وكان المنكر في الخبرين أبلغ من أن أمر به مرور الكرام.

أنا اعلم ابتداء أن ما سأطرحه في السطور التالية يعتبر سباحة ضد كل التيارات، لكن إحساسي بحاجة المسرح المصري العام لبعض التجديد السياسي يجعلني أجازف بالسباحة، فإن غرقت فما ذاك بجديد علي، فأنا سياسي مصري غريق. وسؤالي هو: هل قضية استقلال القضاء أولى أم قضية تعديل الدستور؟ وهل الاهتمام بالثانية لصالح الأولى يعد هدرا لموارد العمل الوطني أم لا؟ قد أكون مخطئا في اجتهادي، لكني كنت ولا زلت مصرا على أن الإدارة المصرية لا تحترم القانون ولا الدستور. فكم من قوانين صنعت وأهملت؟ وكم من دستور كان موجودا ولم تحترم مواده؟ فلم إذا كل هذه الضجة على مادة دستورية لم يحترمها أيا من الرئيسين الذين أقرها أحدهما ولم يحترمها ولم يحترمها الآخر بتاتا وإن فكر في إلغائها؟ فهلا أعدنا طرح سؤال الأولويات؟


قراءة في تطويق القضاء بالخبرين


كان قوام الخبر الثاني أن رئاسة الجمهورية أبلغت المستشار يحيي دكروري رئيس نادي قضاة مجلس الدولة أمس، بقرار الرئيس لحل أزمة القاضي الشاب الذي رفض وزير العدل تحمل نفقات إجرائه عملية جراحية لاستئصال ورم بالمخ في ألمانيا تصل تكاليفها إلي ٤٠ ألف يورو. وعندما يقارن القارئ هذا الخبر بالخبر الأول يجد الملاك الرحيم يحارب الشيطان الرجيم الذي يريد منع القاضي العادل من العلاج. أما الخبر الثاني فهو نموذج آخر للشيطان الرجيم الذي يأمر بإحالة قاض إلى مجلس الصلاحية ليبت في صلاحيته لمباشرة مهام القاضي بدعوى إهانة هذا القاضي للملاك الرحيم الذي ورد في الخبر الثاني!؟

ألعاب لا يصدقها عقل سليمة نواياه مستقيمة أهواؤه، نتساءل معها عن الذي يحدث عقب وقفة القضاء الجادة الشامخة خلال الانتخابات: هل هي محاولة لكسب القاضي الشاب لصالح مسيرة الحكم المنتظر توريثها؟! أم هي محاولة غير مباشرة لتقديم هدنة بين السلطتين إبان الحرب المفتوحة التي قرر النظام أن يخوضها ضد أكبر القوى السياسية في مصر، والتي كانت على وشك تعبئة الشارع كله في هبة اجتماعية سياسية؟ أم هي رغبة في تحييدهم قبل دخول التعديلات الدستورية مراحلها الأخيرة فيما قبل الإقرار؟

من حق السيد رئيس الجمهورية أن يفعل الخير، لكني لا أرى من حقه أن يتزلف للقضاة أو يضحك على أذقانهم. ولا أظن أن مصريا يمكنه في إطار علاقة السلطة القضائية بالسلطة التنفيذية أن ينسى ما كتبه سيادة المستشار يحيى الرفاعي في 2003 في نعيه لاستقلال القضاء، وتوصيفه لكيفيات التحرك لتطويق القضاة ومحاولة تطويعهم، وهو ما حدث لقلة منهم هداهم الله.
لا أنسى كذلك ذلك التقرير الذي أصدره المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة حول: "واقع استقلال القضاء ومهنة المحاماة وإهدار حقوق الإنسان في مصر"، وكفى عارا أن نقرأ أن مثل المكتوب في هذا التقرير يحدث بدولة كمصر. ولا أنسى مقالتي الدكتور محمد سليم العوا في المصري اليوم بعنوان "القضاء إلى أين؟": قراءة في مشروع قانون السلطة القضائية، وتعديلات تبعية التفتيش القضائي لمجلس القضاء الأعلى شكلية والحكومة تعاملت بمبدأ أن ليس في الإمكان أبدع مما هو كائن. ولا أنسى تقرير نادي القضاة المصري حول استفتاء تعديل الدستور يوم 25-5-2005 يوضح أن النسبة الحقيقية للمشاركة كانت ما بين 3-5% وليس 54% كما تدعي الحكومة. كما ولا أنسى نَصُّ شهادة المستشارة نهى الزيني عن التزوير في نتائج دائرة قسم شرطة دمنهور، كما نشرتها صحيفة المصري اليوم يوم الخميس 24-11-2005، كما لا أنسى المواجهة الحادة التي أدارتها السلطة التنفيذية مع القضاة الذي رفضوا بيع ضميرهم وضمير أمتهم. كذلك لم أنس كتاب المستشار طارق البشري: "القضاء المصري.. بين الاستقلال والاحتواء"، ودعوته لتبصر حقيقة وضع القضاء المصري وما يجري له من تدابير تدجين للقضاء على دوره الوطني في الإصلاح.
لم أنس هذه الكتابات كلها، وهي كتابات أصدق عند كل ذي عقل وطني مصري من محاولات الإدارة المصرية الحاكمة غسل صورتها أو تضليل القضاة بمسحة حنان يتم قبلها التنبيه على الوزير المطواع برفض معالجة القاضي الشاب على نفقة الدولة، وهو ما لا يرضاه الأب الحاني فيسارع إلى كل الصحف والمجلات والنشرات والإذاعات والقنوات التليفزيونية معلنا أنه سيعالج القاضي الشاب على نفقة الدولة. واليوم أرى استمرار المحاولات للالتفاف على القضاة مستمرة.. وهنا؛ أعيد طرح سؤال الأولويات.


التعديل الدستوري ودولة القانون

خلال الفترة الماضية قرأت اتجاهات طيبة علمانية إسلامية واتجاهات غير طيبة علمانية وإسلامية حول قضية تعديلات الدستور، بكل موادها، وجل هذه الآراء موضع احترام وتقدير، وشريحة من هذه الآراء موضع استفهام أو اتهام لابد من تقديره واعتباره.

والحقيقة أننا لن نتعاطى مع تلكم الآراء التي نراها موضع شبهة وافتقار للاتزان، بل سنعمد للتعاطي مع تلكم الآراء الوقورة التي أعلت مقام مصلحة الوطن، وسنعرض لتقدير الآراء محل الاتهام في حينه. وسؤالنا للقوى ذات الآراء المعتبرة يتمثل في سبب هذا الاهتمام – المبالغ فيه - بالحالة القانونية الرسمية المؤطرة لحياتنا السياسية. وبداية؛ أظن أن كل من شارك في الكتابة بهذا الصدد يعلم يقينا أن الحياة السياسية المصرية تدور بغير إطار، ولا يحكمها قانون أو حتى شبح قانون، ولا تلجأ الدولة لمثل هذا الإطار القانوني إلا متى كان في مصلحتها هذا. بل إن قوانين عديدة سنت ولم يكن لها مردود، لا عند المعارضة ولا عند الإدارة الحاكمة.

وأصدق حديث في هذا المقام قول الرئيس المصري إبان صدور قانون الصحافة أن الصحافيين ما لم يجترئوا على المحرمات فإن القانون "ينام من نفسه". هي رسالة واضحة. الإدارة المصرية لا تضع قانونا إلا ليكون زيادة في فرصها وتقليلا لخسائرها، وما لم يتخذ الناشطون موقفا يهدد تلكم المكاسب أو يعظم تلكم الخسائر فإن القانون لا قيمة له عند الطرفين. تلك هي حقيقة وضع القانون في مصر بصفة عامة، وباعتباره إطارا للحياة السياسية بصفة خاصة.

الحيثية الثانية التي أنصبها هنا حكما بيني وبين من يستمر في إثارة الفزع المبالغ فيه من جراء تلكم التعديلات أن علماء السياسة هجروا منذ الحرب العالمية الأولى معالجة العلوم السياسية ضمن الإطار الرسمي أو ما يسمى الإطار القانوني للحياة السياسية كمحدد أساسي لدراسة النظم السياسية، وسبقهم في ذلك فقهاء القانون الدولي حين ميزوا في مجال الاعتراف بالدول بين الاعتراف القانوني والاعتراف الواقعي باعتبار أن كثيرا من الدول لا تعترف بغيرها قانونيا لكنها تباشر هذا الاعتراف فعليا. فالإطار القانوني لا يرتبط بطبيعة النظام السياسي ولا يكون دالا في تحليله تحليلا قويما متزنا إلا في حالة احترام القانون. فأين ذلك الاحترام؟ بل أين ذلك القانون المحترم؟

فما سر هذا الولع بمواجهة تعديلات القانون إذا؟ والإجابة عندي أنها تلك المساحة الوحيدة التي أتاحتها الإدارة المصرية لكي تلعب بها المعارضة وتتسلى في لعبتها السياسية.

الناظر إلى المسرح السياسي الحقيقي يجد قائمة من القضايا الحيوية التي إن تجمع المهتمون بمصالح وطننا حولها سيجدها أشد أهمية، وسيجد العمل فيها وحولها جبرا للانكسار السياسي الذي نعيشه. ولن أطرح من بين هذه القائمة قضية العدوان على الفصيل السياسي الهام المتمثل بجماعة الإخوان، ولا غيره من قضايا العراك السياسي ذات المنحى الفصائلي برغم أهمية هذه القضايا وحيويتها، ولكن هنا أطرح قضية كالعدوان على مؤسسات الدولة المصرية نفسها عبر العدوان المستمر الحثيث على مؤسسة القضاء، ومحاولات اختراقها والهيمنة عليها. وسؤالي للنخبة السياسية المصرية هو: لماذا ذلك التهافت على كل ما تلقيه الإدارة من فتات مما يلفت الانتباه بعيدا عن الأجندة الوطنية الحقيقية بأطياف قضاياها المتنوعة بالغة الأهمية؟


السياسة الواقعية المفتقدة

بمنطق السياسة الواقعية، فإن ضمان استقلال مؤسسة القضاء وحمايتها سيجعل من تعديلات الدستور معادلة واهية؛ لا تضيف قوة للإدارة الحاكمة، وستكون تعديلات القوانين أوهى وأوهن. فالقضاء الإداري القوي سيكون مضطلعا بمهام عدم قانونية القرارات المبنية على تجاهل قوانين مستقرة وملبية لمطالب عموم المجتمع. والمحكمة الدستورية العليا القوية ستضطلع بمهام تفسير المواد الدستورية تفسيرا واسعا قد نحترمه، وستقضي وفق هذه التفسيرات على أي قانون يخنق الإرادة الوطنية. كما أن محكمة النقض قد تفسر وقد تمنح سوابق قضائية منصفة للحالة الوطنية العامة. لكنها حال المجتمع السياسي المصري المولع بالسياسة المنضبطة محل الرضا السامي.

بل حتى تلك التعديلات الدستورية المرفوضة من الجميع ستتحلى بإرادة القضاء إن كان قويا مستقلا. لقد جاء في نص مسودة الدستور المزمع: "تتولى لجنة عليا تتمتع بالاستقلال والحيدة الأشراف على الانتخابات على النحو الذي ينظمه القانون". ألا يمكن للجنة كهذه أن يكون قرارها محل مراجعة من قبل القضاء الدستوري أو الإداري. كما أن النص الذي يحظر على المستقلين من الترشح لانتخابات الرئاسة هل يتسم بالجدوى الفعلية؟ ثم إن تجاوز عقبات نظام الانتخاب يحتاج لمؤسسة سياسية أو جماعة سياسية قوية، وجماعة الإخوان نفسها تعلم أنها كسرت رغبة النظام في إقصائها عبر تعديل النظم الانتخابية. ثم إن الحديث عن انتخابات اليوم الواحد وإجراء الانتخابات الماضية على ثلاث مراحل؛ لعدم وجود عدد كاف من القضاة للإشراف على جميع مراكز الاقتراع في وقت متزامن، ومخاطر عدد من القضاة بوظائفهم في انتخابات عام 2005، أليس هذا مدعاة لتوثيق عمل منظمات المجتمع المدني ومنحها الشرعية السياسية الواقعية بل والمشروعية القانونية عبر منحها توكيلات قانونية موثقة أو حتى توكيلات عرفية سياسية.

برأيي أن العملية الاعتراضية بأكملها تتم تحت الخط المنضبط بلا إبداع سياسي حقيقي، وبلا ترجمات ميدانية عملية للإرادات السياسية الوطنية. كنت أنتظر أن تقف المعارضة متهكمة على ما يجري وتجرده من المشروعية القانونية والسياسية أمام العالم أجمع بدون ذلك الحديث الورع خشية مزيد بطش بمن يتعرضون للبطش.

يلحق بما سبق سؤال عن ذلك الاضطراب في الصف الوطني تأسيسا على نوعية القضايا محل الاختيار أو محل التعديل. وهو اضطراب يلحق بسابقه الذي خالط قضية مهمة وحيوية كقضية مهاجمة وزير الثقافة المصري للحجاب. وأنا أتفق مع كل علمائنا ورموزنا الكرام الذين يقدرون أهمية النص على دين الدولة الرسمي باعتباره مصدرا سماويا لإسناد كل ما ورد بالدستور من ثوابت كالمساواة بين المواطنين المسلمين والمسيحيين، وكما عتبت على الإسلاميين من قبل أعتب على العلمانيين هنا: ألم ينكر زعماء مسيحيون ذوو ثقل تأثير حضور تلك المادة الدستورية على أوضاع المسيحيين؟ وهل كان النص يحول دون المساواة بين المسلمين والمسيحيين فعليا أم أن الموقف كان رهن بمزاج الإدارة الحاكمة؟ وهل سيرتاح قادة علمانيي مصر لإلغاء مادة تمس وجدان الغالبية الساحقة من المصريين وهي في نفس الوقت مادة لم تمنع المساواة يوما؟ لكن: ما مساحة النقاش الذي أجراه الإسلاميون والعلمانيون حول هذه المادة وفاعليتها؟ وهل خرجوا بإعلانات سياسية وميثاق عام حولها؟ الإسلاميون لم يقوموا بإثارة حالة حوارية حول القضية، بل مجرد حالة عراك غير ناضجة.

قد يغضب مني العلمانيون بعدما قلته وأنا متمسك به إلى نهاية المطاف. وسيغضب الإسلاميون لو قلت لهم إنهم يهتمون بلافتة الشريعة اهتماما قانونيا أكثر من اللازم برغم أن إسلامية أي طرح اجتهادي قانوني أو سياسي أو مدني؛ بل أي اجتهاد اجتماعي عام يمكن أن يلتزم الشريعة دون وضع اللافتة التي تثير حفيظة الحالة العلمانية. إن الأطر العرفية يمكن أن تمثل مساحة بديلة لحضور اللافتة الإسلامية، وكثيرا ما كان هذا حاضرا في تاريخنا القريب والبعيد. وللأسف فأنا أرى أن هذا أنسب البدائل في مواجهة إدارة سياسية حاكمة عمياء لا تميز بين ما يهدد السلام الاجتماعي وبين ما يهدئه. ولعل تصرفات هذه الإدارة إبان قضية وفاء قسطنطين لا تزال حاضرة بالأذهان.

2007-02-04

فلسطيننا والحرب الأهلية.. آخر الدواء الكي


أكتب هذه السطور بينما الفرقاء الفلسطينيون – الإخوة سابقا - يتوجهون لبلد الله الحرام لأجل التفاوض لإنهاء الاقتتال البيني الفلسطيني – الفلسطيني، وهذه أولى المفارقات بين يدي. وثاني المفارقات أننا سمعنا عبارات حلول سياسية كثيرة، منها الإسلام هو الحل، ومنها الديمقراطية هي الحل، لكننا لم نسمع مجنونا قال بأن الحرب الأهلية هي الحل. والأكثر مفارقة أننا لم نر أي مجازف سياسي فضلا عن مجنون يقول بأن الحرب الأهلية بين الفلسطينيين هي الحل في ظل وجود احتلال يتربص بالشعب الفلسطيني. ولكني للأسف، ومن خلال متابعات المواجهة الحمسوية الفتحوية على الساحة الفلسطينية منذ فوز حركة حماس بأغلبية قوية في المجلس التشريعي الفلسطيني، خلصت إلى أن حالة فتح التاريخية الآن لن يشذبها، ولن يقيم معها المجتمع الفلسطيني إلا حرب بينها وبين الفصائل الفلسطينية ذات الوعي الوطني بعيد الأفق.

وقبل الاستطراد أنا لا أقول إن الحرب الأهلية هي الحل وأقف. بل أقول إنني لا أعني ما أقول، وكلي أمل أن ينجح الإخوة الفلسطينيون – الفرقاء سابقا – في التوصل لاتفاق تضامن وتفاهم وليس تسوية.


حقيقة ما كنت تفعله فتح

لابد أولا من أن نشير إلى أن فتح ليست كلها اتجاها واحدا. فحركة فتح جرى عليه ما يجري به الدهر على كل قوة تفقد المبررات التاريخية لوجودها واستمرارها. وانقسمت فتح لنجد بينها ثلاث تيارات، بعضها تصهين، وبعضها تكلس، وبعض تياراتها يحاول تجديد رؤيته الوطنية بينما يقبع نصفه في سجون قوات الاحتلال. ومما يؤسف له أن التيار المسيطر الآن هو التيار المتصهين.

ولا يمكننا أن نتفهم سبب هذا الجنون الذي ذهبنا إليه في عنوان المقال: الحرب الأهلية هي الحل، إلا بالتعرف على حقيقة ما كانت حركة فتح تحاول فعله. والغريب أن ما يحاول التيار الفتحوي المتصهين فعله ليس بخاف على أحد، لكنه وجد بيئة عربية تريد فرض وتعميم نموذجها التركيعي لشعوبها بقدر ما تريد فرض وتعميم سلوكها الاستسلامي أمام القوى التي تحتل أراضيها، حتى لا يكون ثمة من يلوم أو يقرع من يقدم مزيدا من الاستسلام ليحصل على مزيد من التسهيلات في مباشرة مهام التركيع.

التركيع. هذه الكلمة هي مفتاح توصيفي لما تقترفه حركة فتح أو التيار المسيطر في حركة فتح الآن من مسلك سياسي. ولابد من أن يعي القارئ معي أن ما تقترفه حركة فتح ليس مضايقة منها لفصيل سياسي مناوئ نجح في سحب بساط الرضاء الجماهيري من تحت أقدامها. بل هو – أيضا - نوع متقدم من العقاب الموجه للشعب الفلسطيني على اختياره الحر وإرادته المتحررة – أو الراغبة في التحرر – من قبضة السيطرة الدولية للجلاد العالمي: الولايات المتحدة.

فلو تحدثنا عن أن الأجهزة الأمنية صارت في يد الرئيس الفلسطيني لا الحكومة، وكذلك الوسائل الإعلامية الرسمية، ولو تحدثنا عن تعيين عدد كبير من أعضاء وكوادر فتح كموظفين في السلطة الفلسطينية.. إلخ، والقائمة طويلة، لكن هذا كله يهون بجانب أن القائمين على السلطة يسددوا ديونا آجلة برواتب الموظفين ليضعوا الحكومة الجديدة في مأزق عد القدرة على توفير لقمة العيش. القائمة السابقة تعون عندما نفاجأ بأن أموال صندوق الاستثمار الفلسطيني نفدت عبر الإنفاق على نثريات حكومية خلال فترة ما بعد ظهور تباشير الانتخابات. إن هذا المسلك وما شابهه من مسالك لا يصدر إلا عمن يريد أن يعاقب الشعب لا الحكومة الحمسوية. فالجميع يعرف أن حركة حماس لها مواردها، وأن الحركة رفضت أن تدفع ثمن تعنت حركة فتح في إنفاق المال الحكومي، لكن هذا لا يعني أن رواتب الوزراء مستمدة من مال السلطة..

فلينظر القارئ الكريم إلى أي مدى ذهبت حركة فتح، أو التيار المتصهين الغالب عليها في إذلال أهلنا من الشعب الفلسطيني. تجويع وحرمان للشعب لا لشئ إلا لأنه اختار حركة حماس في الحكومة. فهل يظن الفتحويون أن إنفاق مال السلطة، المتبقي بعدما اقترفوه من سرقات إبان وجودهم في السلطة، هل يتصورون أن الذي يدفع الثمن هو حكومة حماس؟ لا أظن ولا يظن عاقل ذلك. فالذي يدفع الثمن هو المواطن الذي حرم من راتبه. ذلك المواطن الذي منع من أن يشتري لأولاده القوت ليقيهم الجوع؛ والكساء ليقيهم بردا كالبرد الذي يمر هذه الأيام على بلادنا. والمشكلة إخواننا القراء أننا لو نظرنا للأمر باعتباره صراع تكتيكي تمارسه قوة سياسية، فلا أقل من أن يكون السهم موجها للحركة المنافسة، وليس موجها للشعب.

هذا ما يدفعنا للقول بأن المشهد الفلسطيني ليس أهون من أن يوصف بأنه محاولة لتركيع الشعب الفلسطيني. فالرسالة المباشرة التي تريد فتح المتصهينة إرسالها للجمهور مفادها انه إذا أردت أن تكابد وتعاني وتنكسر مثلما أنت منكسر اليوم فليس عليك سوى أن تعيد انتخاب حركة حماس للمجلس التشريعي. فهل هذه الرسالة لائقة في التعامل داخل إطار ديمقراطي يمنح الشعب الإرادة؟ وما الجهود التي بذلت من أجل محاسبة السفيه الذي أنفق أقوات الموظفين الفلسطينيين لكي يمنع تسليمها للحكومة الجديدة؟ المشكلة أن الوضع الحرج الذي وضعت فيه فتح الحكومة يضمن عدم محاسبة أولئك السفهاء لا لشئ إلا لأنهم محاسيب وصبيان وزبانية السيد أبو مازن، ونحن لم نعتد في فضائنا العربي على محاسبة مسؤول حكومي سابق، وبخاصة إن كان من خدام الرؤساء العرب، حتى ولو كان الجرم المفضوح الذي باشره قد نفذ في حقوق عموم الشعب.

وبرغم هذا كله، فقد تكون هذه المحاولة أيضا مشروعة في نظر بعض قادة وكوادر الاتجاهات اليمينية التي ترى ضرورة هندسة الرأي العام لتعبئته خلف أهداف القوة السياسية السائدة، وهو ما يفتح الباب أمام التساؤل حول مشروع حركة فتح. وسؤالي الآن: أين كان المشروع حين بلغ الفساد والخيانة بكوادر فتح حدود مساهمتهم في بناء وتمويل جدار الفصل العنصري؟ لا شك في أن القراء يعلمون أن جانبا كبيرا من الجدار الفاصل بني بأسمنت مصري استوردته السلطة لبناء مساكن للفلسطينيين ثم أعيد بيعه مع تعذر البناء لأجل القصف. فهل نعيد بيع الأسمنت لعدونا من أجل أن يحاصرنا به؟ ولو استسلمنا لحمى التساؤلات فهل نجد أنفسنا أمام سؤال مفاده أن بائعي الأسمنت طلبوا تغطية مبرر البيع باستمرار قصف إسرائيل لقطاع غزة؟ فطالما أن الخيانة لا سقف لها فإن طرح هذا السؤال وارد بلا تجاوز.

ولو تصورنا ان النخبة فاسدة اقتصاديا، لكنها شريفة سياسيا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل قدمت فتح المتصهينة لنا سوى حالة استسلام غير مفهومة؟ إن أي مبتدئ في السياسة يعلم أن السياسة هي لعبة تفاوت قوة أو هي لعبة إدارة تفاوت القوة. فكيف نتوقع من قوة سياسية ألقت جميع أسلحتها أمام خصومها من دون استجابة، وتعمل جاهدة لإسقاط القدرة المتبقية من قدرات المقاومة؟ فهل هذا المشروع خليق بالاحترام؟ أم أنه يستحق المقاومة؟ لقد اختار الشعب الفلسطيني رفض مشروع فتح للاستسلام، وتلك كانت النتيجة، حركة فتح تعاقبه لرفضه، وتعمل على تركيعه ليستسلم طوعا لا كرها، وتساعدها في ذلك كل القوى الدولية، التي لن تكون آخر إبداعاتها قوات بدر الانفصالية.


الرشادة.. وعي لا تسوية

إن التواجد بمكة للاتفاق مفتاح أمل. لكنه ليس مفتاحا مطلقا، ولا نسبيا حتى. المفتاح الذي يمنح الأمل هو أن يسعى الجميع نحو التفاهم بحس استيعاب حقائق ما حصل خلال العام الأخير وتداعياته الخطيرة، فيعي الجميع أن تركيع الشعب الفلسطيني وضع خطير، ويفضي إلى كوارث إقليمية. لكن ما كنت أرجوه أن تكون جميع الفصائل "الوطنية" الفلسطينية على وعي بحقيقة تداعيات ما تبذله فتح من جهود لتركيع الشعب الفلسطيني ثانيا، وأن يسبق هذا - أولا - وعي بمعاني ودلالات تركيع الشعب الفلسطيني في مثل هذا الظرف التاريخي، وما يؤلمني أن جلهم يتحفظ عن معرفة التداعيات، ومن لا يتحفظ يمتنع عن التقويم تحت مسمى اعتزال الفتنة أو تجنب الاقتتال.

كلي أمل أن ينجح الإخوة الفلسطينيون – الفرقاء سابقا – في التوصل لاتفاق تضامن وتفاهم وليس تسوية. فالتسوية لا تعني سوى حبس للنيران المشتعلة، بينما الرشادة في إطفائها.

2007-01-08

التعددية.. الواقع الكوني والنهج الإسلامي


يقع المفكر المسلم بين إرهابين حينما يفكر في ضرورة ترقية العقل العام المسلم للخروج من دائرة تشويه ثقافته العامة حيال قضية التعددية وضرورة قبولها. الإرهاب الأول علماني المصدر يتمثل في ذلك الاتجاه العلماني الفرعي الذي يصر على اعتبار أن الإسلام بنية أحادية ثقافية مغلقة دون استيعاب حقيقة التعدد على صعيدي الفكر والسياسة بسبب جذره التوحيدي. أما الإرهاب الثاني فيأتي من قبالة شريحة من المفكرين الإسلاميين الذين يرون أن القيام بدور تصحيح الحالة الثقافية العامة وتنقيتها من الشوائب الفكرية التي تجذرت في وعيها عبر الإلحاح المخطئ من قبل بعض التيارات الإسلامية اليمينية؛ هذا التصحيح لديهم هو خطاب اعتذاري إلحاقي ينسلخ من أطر الإسلام الحقيقية التي تحدد خصائص المجال العام للحياة من دون تفاصيل ليحاول اللحاق بعار الحداثة الإسلامية التي لا يرونها إلا محاولة لطلاء الإسلام بقشرة سطحية من اللون الغربي. يتناسون أن التعددية هي أصل إسلامي بحكم عقيدة الإسلام لا بحكم اجتهاد المجتهدين.


تشويه ثقافي بحاجة لمواجهة قوية


يقع الفريق العلماني الذي يرهبنا أولا في مغالطة مزدوجة يرتكب فيها ما يعيبه على الحالة الإسلامية. فهو يرى فيما يسميه الموروث الإسلامي حالة ترفض التعددية، ويقع ضمنا في مغالطتين فرعيتين. إذ يقصر رفض التعددية على دين الإسلام وكل ما صدر عنه من اجتهادات. وهنا نجد هنا مقامين للرد؛ أولهما أن الاتجاه العلماني تجاهل أن الفكر الديمقراطي يستبعد أيضا ويقوم بالإقصاء، وما تجارب المكارثية ورفض الفاشية والنازية إلا مثال بسيط. وأمامنا قضيتا الهولوكوست ومعاداة السامية كمثال حي. فقضية المحرقة والخاصة بإدعاءات اليهود بأنهم تعرضوا لمحرقة الهولوكوست في ألمانيا حيث تم تصفية ملايين منهم، نجد معها أن أي كاتب حاول أن ينكر هذه المحرقة أو أن يقلل من الأعداد التي أبيدت يتعرض للمحاكمة والحبس. وكذلك الحال فيما يسمى بمعاداة السامية؛ حيث يتم محاكمة أي شخص يهاجم اليهود أو ما تقوم به دولة الكيان الصهيوني من الانتهاكات ضد حقوق الإنسان الفلسطيني.

وثاني مقامي الرد أن الإرهاب العلماني ذاته لا يميز درجات التعددية في الفكر الإسلامي، ويقصر المحاسبة على خبرات اليمين الإسلامي الذي قام بتضخيم مفاهيم عقدية أدت لتشويه منظور الإسلام للآخر، بالرغم من أن تضخيم المفاهيم العقدية هذا لم يتم إلا تحت ضغوط سياسية وثقافية حادة وإقصائية مارسها الفريق العلماني في مطلع تجربة ما أسموه بالتنوير العربي.

ونؤكد هنا على أن شريحة واسعة من الحالة العلمانية في فجر التنوير العربي خرجت من عباءة الفكر الإصلاحي التجديدي الذي كانت مدرسة الإمام محمد عبده ترتاده إلى مساحات الهجوم على الإسلام والذي بلغ حد الفحش والبذاءة في لسانية التعاطي معه، وحد العبودية للفكر الغربي، حتى يتحدث البعض عن ضرورة تقليد الغرب حتى في قذى أمعائه. وكانت الحركة الاجتهادية المدافعة عن الإسلام مضطرة للتطرف يمينا حتى تتمكن من مواجهة هذا السيل من الهجوم المتحالف مع الدولة لإقصاء الثقافة، وهو ما أضر بالمشروعات النهضوية العربية ضررا لا زلنا حتى اللحظة نعاني تداعياته. وهذا لا يعفينا من الإشارة لوجود اتجاهات تجديدية علمانية احترمت الخلفية الثقافية الإسلامية للشعوب وسعت لتطويرها والتعامل معها في إطار منجزات العقل المعاصر، بصرف النظر عن تقييم بعض الإسلاميين لعموم مثل هذه المناهج.

أما محاولات الاقتراب الإبيستمولوجي للفريق العلماني من الظاهرة الإسلامية فقد وقفت عند حدود مماهاة فلسفية ساذجة بين مفهومي التوحيد والواحدية؛ وغفلت تماما عن الدلالة الإبيستمولوجية الأولى لمفهوم التوحيد أن هذا المفهوم في بنيته يقتضي ضمنا إسباغ التعددية على كل ما دون الله، وهو رأي جمال البنا. ويقول الطيب تيزيني في هذا الصدد أن "كثيرا من المستشرقين والمفكرين والمثقفين العرب جنحوا إلى القول بأنه الإسلام "دين التوحيد" وهذا أقصى ما يُعرف به ويعرَّف؛ مما يفضي إلى القول بأن مفهوم الحقيقة عنده إن هو إلا تجسيد لتوحيديته، وعلى هذا يصبح محالاً أن ينظر إلى تلك الحقيقة وفق التاريخ الإنساني وشروطه ومقتضياته، لتظل متأبية على هذا التاريخ، ومن ثم ليظهر ما يبدو حقيقاً واقعياً من حيث هو وهم زائف". فلو نظرنا حقا لهذا الطرح المماهي بين التوحيد والواحدية في إطار مفهوم الاجتهاد فلا نكاد نجده صحيحا.

وأما الفريق الثاني: الإسلامي؛ الذي يرهبنا فقد وضع أمامنا عائق يتمثل في تمييزه بين التعدد والتعددية موضحا أن التعددية نظام اجتماعي غربي، وهي تختلف عن مفهوم التعدد الذي هو سنة الله تعالى في خلقه، محاولة أن تضعنا أمام صورة أكثر بهتانا للرؤية الإسلامية التي تحدد حدود رؤية الإسلام للعمل العام، وكأننا نعود خطوات للوراء بدلا من التقدم خطوة للأمام في محاولة معالجة أخطاء فكر خاض المشروع الاجتهادي الإسلامي العربي بفكر الحرب التي كان يواجهها مع الحالة العلمانية التي تنكرت تماما للرؤى الإسلامية الوسطية وعبأت الفكر الإسلامي في وعاء واحد وشرعت تدوسه بأقدامها دون اعتبار لتداعيات إدارة مثل هذا الصراع على الأمة وعلى إمكانية تعبئتها في مشروعات قومية لنهضة حقيقية، مهملة في ذلك قراءة الخبرات المعاصرة الأخرى كالخبرة اليابانية.. إلخ، والتي تصالحت مع تراثها وخطت خطوات واسعة في مشروع نهضتها بالاعتماد على إحياء ذاتها القومية في ثوب معاصر اقتصاديا وثقافيا وسياسيا أيضا؛ وإن اعتمدت على استيراد فلسفات غربية لم تجد صعوبة في استيعابها ثقافيا.

ولعل توضيح جمهور هذه الورقة يجعل من مساحة قبولها مسألة اتفاق بين فرقاء أمتنا. فجمهورها هو عموم القادرين على حمل رسالة التعددية للعوام ومثقفي الدرجة الثانية من قادة الرأي والأئمة والخطباء؛ ليعلموا أن دين الإسلام لا يمنع من وجود تعددية حقيقية وقوية طالما أن ثوابت الشرع محترمة ومصانة وغير معرضة للتدنيس. وإن كنت أرى أن الحريات المتعلقة بالرأي يجب أن تكون مطلقة؛ ليقول وليكتب كل صاحب فكر ما يراه وليستمع إليه من يشاء في إطار العرض والطلب على الأفكار، ولينشط في الدعوة والتربية الثقافيين من ينشط، ولا يلومنَّ المقصر في مجال المنافحة عن فكره إلا نفسه.

ولا أظن أن الفريقين المعارضين: العلماني والإسلامي يعارض حين نرغب في تبصير الناس بضرورة التعددية ومقصديتها الشرعية.


الإسلام والتعددية.. حقيقة لابد من اعتيادها


إن الاختلاف والتنوع سنة من سنن الله في الكون كما أنه سنة بين البشر. وقد دلت على ذلك نصوص القرآن قاطعة الدلالة في قوله تعالي: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (الحجرات: 13). كما اعتبر القرآن الكريم أن اختلاف الألسنة والألوان بين الناس آية من آيات الله عز وجل، يقول تعالى: " وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّلْعَالَمِين" (الروم: 22). فالكون قائم على هذه المتضادات: الليل والنهار، الشمس والقمر، البرودة والسخونة، الخير والشر. وليس معنى هذا أن التنوع لا بد أن يكون بين شيء إيجابي وبين آخر سلبي. ويوضح الأستاذ جمال سلطان في كتابه فقه الخلاف ذلك التنوع والتعدد في الأزهار والحيوان قبل التعدد في اللغات والأجناس البشرية مدللا على سنة التعدد. ويشايعه الرأي في هذا الأستاذ جمال البنا الذي أكد أن القرآن استبعد أن يكون الناس أمة واحدة ينظمهم اتفاق ورأى إنهم مختلفون، وسيظلون مختلفين تميز بعضهم عن بعض ألوان البشرة ولغة اللسان والعقائد والانتماءات، مما يدل على مساحة واسعة للاختلاف وبالتالي التعددية.

ولو جئنا لمساحة التعددية على صعيد نظر الإسلام للأديان لوجدنا أن الإسلام ربما يكون الدين الوحيد الذي عرفته البشرية ويعمل على تحقيق معنى التعددية الدينية، في حين أن الأديان الأخرى لم تكن تعرف أي تسامح مع المختلفين دينيا. وتاريخ أوروبا والصراعات المريرة بين الكاثوليك والبروتستانت خير شاهد على هذا الحادث. ويرى د. كمال حبيب أن الإسلام أول دين في تاريخ العالم كله والأديان السابقة عليه لا يقر مقولة إن "الناس على دين ملوكهم". فإبان الحضارات الرومانية أو اليونانية أو المسيحية وحتى الوثنية قبلها كان المبدأ الثابت لها أن الناس على دين ملوكهم بمعنى أن أي مواطن مثلا موجود في رومانيا كان هو المواطن الذي على دين الملك أما إذا خالف دين الملك لا يكون مواطنا ويسمونهHOST ، ومعناها والذي لا يزال في اللغة الإنجليزية العدو أو الآخر.
فالإسلام حين جاء مثَّل فاتحة جديدة في التعددية والاعتراف بالآخر. فقبل لأول مرة في التاريخ الإنساني الذين لا يدينون بدينه كمواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات. ولا يوجد أي كتاب في الفقه الإسلامي إلا وفيه باب عن تنظيم أوضاع غير المسلمين من أهل الكتاب أو أهل الذمة وحتى الوثنيين من أهل البلاد المفتوحة مثل الهند. كما أن وثيقة المدينة النبوية التي صاغها الرسول صلى الله عليه وسلم لتنظيم الحياة في المدينة مثلت فتحا جديدا في تأسيس العلاقات بين المسلمين وغيرهم على اعتبار أن غير المسلمين مواطنون وقد اعترف بهم كأمة.

فلأول مرة في تاريخ البشرية نجد إقرارا بمستويين مختلفين من العلاقات داخل الجماعة السياسية، المستوى الأول قائم على أساس 'COMUNITY' وهي تشير إلى فكرة وحدة العقيدة، والمستوى الثاني 'OCITY' والتي تشير إلى فكرة المصلحة والعيش المشترك بين المسلمين وغيرهم داخل جماعة سياسية واحدة، وهي فكرة حديثة والغرب لم يعرفها إلا مؤخرا.

لقد قامت الحضارة الغربية في أحد جذورها على فكرة الكاثوليكية التي تعني المذهب الشامل أو الكلي الذي كان يرفض الاعتراف بالآخر حتى لو كان مسيحيا كالبروتستانتية التي ظهرت كمذهب احتجاجي، وكانت نتيجة ظهوره اندلاع معارك وسفك دماء يخصص لها 'ول ديورانت' في موسوعته: قصة الحضارة فصولا كاملة، ولم تأت فكرة الاعتراف الكاثوليكي بالبروتستانت إلا في المناطق المتاخمة للدولة العثمانية، حيث كانت الدولة العثمانية والمناطق المجاورة لها ملاذا آمنا للمضطهدين من محاكم التفتيش الأوروبية سواء في أسبانيا أو مناطق الغال وغيرها، وقد فعل الكاثوليك ذلك حتى لا يتحالف البروتستانت مع الدولة العثمانية. فالتعددية الدينية في الغرب إذن جاءت في إطار الصراع مع الدولة العثمانية حيث يذهب إلى تلك النتيجة كمال حبيب.

إن محاولة بعض الإسلاميين التمييز بين التعدد كمفهوم كوني والتعددية كمنجز حضاري غربي تقف أمام النموذج العثماني – كمثال – موقفا حائرا. فنحن هنا أمام حالة منجز تعددية إسلامي حقيقي وليس مفهوم تعدد. ولعل هؤلاء الإسلاميين يعنون بالتعددية تلك التعددية الغربية النظمية السياسية المرتبطة عمليا بتعدد المؤسسات الحزبية كأحد صور إدارة الحياة السياسية العامة. وقد طرحت الأستاذة هبة رؤوف عزت الخبرة النقابية كمثال لممارسة الحركة في المجال العام باعتبارها وسيلة أكفأ للتعبير عن المصالح، وباعتبارها تتجانس مع فكرة الانتشار المؤسسي التي يتسم بها النظام السياسي الشوري في الإسلام، الذي يتأسس على مشاركة الأمة في صنع القرار أيًّا كانت طبيعته. وكلا الرؤيتين معتبر من منظور التعددية؛ إن نظرا أو عملا، مع ميلنا لقبول مقولات برتران بادي حول استيراد الأبنية والمؤسسات السياسية، خاصة وأن الخبرة النقابية لا ترتبط بالضرورة بخلاف أيديولوجي حاد كالخبرة الحزبية، ولكن هذا لا يقدح في أهمية التعددية على صعيدي الثقافة والسياسة، وإن ارتبطت بظاهرة السلطة.

وبين هذين الطرحين تقف التعددية كسنة إلهية في عموم الفضاء الكوني والاجتماعي – سواء في المجتمعات العربية أو الإسلامية، لتنظم الحياة بدءا من رأس الهرم السياسي والاجتماعي وحتى منتهى القاعدة الجماهيرية. ولا أجد مبررا لاتهام الرؤية الداعمة للتعددية بالالتصاق بمساحة قمة الهرم الاجتماعي السياسي، فلم يكن هذا التصور حاكما يوما لمقولات المفهوم، ولم ترتبط الظاهرة تاريخيا بالنزعة الحزبية الغربية، إذ هي وفق المنطقين الإبيستمولوجي والاجتماعي فكرة مرتبطة بالوجود الإنساني وعلاقته بما هو متجاوز له ميتافيزيقيا؛ ونعني به الله الحي القيوم. ناهيك عن أن فكرة النقابية كآلية لتجميع المصالح فكرة ترتبط بحمل تلك المصالح للسلطة وإن لم يكن لغرض ممارسة السلطة فعلى الأقل لغرض التخصيص السلطوي للقيم.


حضور التعددية في المجال العام


أن التعددية من المدخل المعرفي – كما يراها أحمد عرار - قضية يمكن التعامل معها بعد التسليم بعدم أحقية أي إنسان أو جماعة بشرية في ادعاء امتلاك الحقيقة الكاملة، حتى لو اعتقد أو اعتقدت في قرارة نفسها امتلاكها فعلا، لأن الحقيقة – كما هي في ذاتها – والعلم الشامل لا يحيط به إلا من أحاط بكل شيئ علما وهو الله تبارك تعالى. أما البشر فهم المخاطبون بقوله تعالى: "وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً" (الإسراء: 85). ويقين الإنسان بامتلاك حقيقة ما لا يعطيه الحق بإعلان ذلك ورفض الحوار حوله، ولا بمحاولة فرض ذلك على الآخرين، ولذلك أمر رسول الله ص بمخاطبة مخالفيه من مشركين وغيرهم بقوله: "قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ" (سبأ: 24). فمع يقين رسول الله بأنه على الحق في اعتقاده أن الرزاق هو الله، ومع أمر الله تعالى له بالإعلان عن هذا الإيمان، لكنه في دعوته للآخرين أُمر باستعمال صيغة الشك والتخيير التي أشرنا إليها.

وهذه الآية تكمل في فهمنا قوله تعالى: "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" (البقرة: 256) فيما يتعلق بالتعددية على المستوى الديني أو العقدي، وضرورة ضبط هذه التعددية باحترامها عبر الأمر بعدم الإكراه في الدين. أما فيما يتعلق بحياة العامة فيمكن الإحالة فيها لقوله صلى الله عليه وسلم: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" (رواه مسلم عن أنس وعائشة)، طالما أن مقاصد الشريعة محفوظة بمراتبها الممكنة في إطار الظروف المختلفة للمجتمعات.

وترى شريحة من الإسلاميين أن التعددية تضمن للجماعة الإسلامية - على المستوى المقاصدي - تحقيق عدد معتبر من المصالح الحقيقية للأمة، ومنها إتاحة الفرصة لإيجاد التوافق بين الرؤى المتفاوتة والاجتهادات المتباينة ضمن الدائرة الإسلامية، كما تسهم في إثراء الفكر وأساليب الأداء، فضلا عن أنها تعالج مشكلات الاختلاف في الرأي والاجتهاد، من خلال آليات اجتهادية لممارسة التشاور بين ممثلي الرؤى المختلفة، كما أن التعددية تجنب الأمة احتمالات الاستبداد، وما يمكن أن يترتب عليه من مفسدة، وتجنب الأمة الصراعات الحادة وآثارها السلبية، وتمنح الفرصة لتيار أو جماعة أخرى عندما يعجز غيرها عن حل مشاكل البلاد أو تحقيق طموحات الجمهور أو عندما لا يفي بالوعود التي قطعها على نفسه، وهي بهذا تجعل الطرف المقصر يعيد النظر في أدائه وتوفر فرصا دائمة للمراجعة والتجديد. ولهذا ارتبطت التعددية دوما في الرؤية الإسلامية بعمليات حياتية حيوية في الحياة العامة المسلمة كالشورى والإفتاء والاجتهاد العلمي الفقهي والفلسفي والكلامي.

وختاما.. فلا شك في أن واقع التعددية يمر بأزمة على مستوى الإدراك والممارسة والمؤسسية، ولكن مرد هذه الأزمة للتيارات الوطنية المختلفة. ولا أذكر أن دعوة للحوار الوطني خرجت من جانب فصائل السياسة في المجتمع. كل الدعوات تخرج من السلطة. ولا أذكر أن محفلا من القوى الوطنية خرج ببيان عام يعلن عن ميلاد حالة تعاقدية وطنية جديدة تحدد أولويات العمل الوطني وآليات بنائها. الحق أن القوى السياسية عندنا لا مفهوم للوطن لديها خارج دائرة الفصائلية. فالفصائلية عند قوانا السياسية والثقافية هي عين الوطنية، وهذا أعلى مراتب النفي والإقصاء.