خواطر عن المجال العام في مصر..

2007-03-12

معضلة تعديل الدستور المصري وأولويات الأجندة الوطنية


وأنا أتجول اليوم: الحادي عشر من مارس 2007، جولتي الصحافية قبل بدء مسيرة العمل اليومي، وجدت خبرين بصحيفة المصري اليوم المصرية يتعلقان بالعلاقة ما بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية، وكانت فحوى الخبر الأول أن "وزير العدل يحيل قاضياً إلي مجلس الصلاحية بتهمة إهانة الرئيس تمهيد لفصله". أما الخبر الثاني فكانت فحواه "مبارك يتدخل لعلاج قاضي مجلس الدولة الشاب". وكان المنكر في الخبرين أبلغ من أن أمر به مرور الكرام.

أنا اعلم ابتداء أن ما سأطرحه في السطور التالية يعتبر سباحة ضد كل التيارات، لكن إحساسي بحاجة المسرح المصري العام لبعض التجديد السياسي يجعلني أجازف بالسباحة، فإن غرقت فما ذاك بجديد علي، فأنا سياسي مصري غريق. وسؤالي هو: هل قضية استقلال القضاء أولى أم قضية تعديل الدستور؟ وهل الاهتمام بالثانية لصالح الأولى يعد هدرا لموارد العمل الوطني أم لا؟ قد أكون مخطئا في اجتهادي، لكني كنت ولا زلت مصرا على أن الإدارة المصرية لا تحترم القانون ولا الدستور. فكم من قوانين صنعت وأهملت؟ وكم من دستور كان موجودا ولم تحترم مواده؟ فلم إذا كل هذه الضجة على مادة دستورية لم يحترمها أيا من الرئيسين الذين أقرها أحدهما ولم يحترمها ولم يحترمها الآخر بتاتا وإن فكر في إلغائها؟ فهلا أعدنا طرح سؤال الأولويات؟


قراءة في تطويق القضاء بالخبرين


كان قوام الخبر الثاني أن رئاسة الجمهورية أبلغت المستشار يحيي دكروري رئيس نادي قضاة مجلس الدولة أمس، بقرار الرئيس لحل أزمة القاضي الشاب الذي رفض وزير العدل تحمل نفقات إجرائه عملية جراحية لاستئصال ورم بالمخ في ألمانيا تصل تكاليفها إلي ٤٠ ألف يورو. وعندما يقارن القارئ هذا الخبر بالخبر الأول يجد الملاك الرحيم يحارب الشيطان الرجيم الذي يريد منع القاضي العادل من العلاج. أما الخبر الثاني فهو نموذج آخر للشيطان الرجيم الذي يأمر بإحالة قاض إلى مجلس الصلاحية ليبت في صلاحيته لمباشرة مهام القاضي بدعوى إهانة هذا القاضي للملاك الرحيم الذي ورد في الخبر الثاني!؟

ألعاب لا يصدقها عقل سليمة نواياه مستقيمة أهواؤه، نتساءل معها عن الذي يحدث عقب وقفة القضاء الجادة الشامخة خلال الانتخابات: هل هي محاولة لكسب القاضي الشاب لصالح مسيرة الحكم المنتظر توريثها؟! أم هي محاولة غير مباشرة لتقديم هدنة بين السلطتين إبان الحرب المفتوحة التي قرر النظام أن يخوضها ضد أكبر القوى السياسية في مصر، والتي كانت على وشك تعبئة الشارع كله في هبة اجتماعية سياسية؟ أم هي رغبة في تحييدهم قبل دخول التعديلات الدستورية مراحلها الأخيرة فيما قبل الإقرار؟

من حق السيد رئيس الجمهورية أن يفعل الخير، لكني لا أرى من حقه أن يتزلف للقضاة أو يضحك على أذقانهم. ولا أظن أن مصريا يمكنه في إطار علاقة السلطة القضائية بالسلطة التنفيذية أن ينسى ما كتبه سيادة المستشار يحيى الرفاعي في 2003 في نعيه لاستقلال القضاء، وتوصيفه لكيفيات التحرك لتطويق القضاة ومحاولة تطويعهم، وهو ما حدث لقلة منهم هداهم الله.
لا أنسى كذلك ذلك التقرير الذي أصدره المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة حول: "واقع استقلال القضاء ومهنة المحاماة وإهدار حقوق الإنسان في مصر"، وكفى عارا أن نقرأ أن مثل المكتوب في هذا التقرير يحدث بدولة كمصر. ولا أنسى مقالتي الدكتور محمد سليم العوا في المصري اليوم بعنوان "القضاء إلى أين؟": قراءة في مشروع قانون السلطة القضائية، وتعديلات تبعية التفتيش القضائي لمجلس القضاء الأعلى شكلية والحكومة تعاملت بمبدأ أن ليس في الإمكان أبدع مما هو كائن. ولا أنسى تقرير نادي القضاة المصري حول استفتاء تعديل الدستور يوم 25-5-2005 يوضح أن النسبة الحقيقية للمشاركة كانت ما بين 3-5% وليس 54% كما تدعي الحكومة. كما ولا أنسى نَصُّ شهادة المستشارة نهى الزيني عن التزوير في نتائج دائرة قسم شرطة دمنهور، كما نشرتها صحيفة المصري اليوم يوم الخميس 24-11-2005، كما لا أنسى المواجهة الحادة التي أدارتها السلطة التنفيذية مع القضاة الذي رفضوا بيع ضميرهم وضمير أمتهم. كذلك لم أنس كتاب المستشار طارق البشري: "القضاء المصري.. بين الاستقلال والاحتواء"، ودعوته لتبصر حقيقة وضع القضاء المصري وما يجري له من تدابير تدجين للقضاء على دوره الوطني في الإصلاح.
لم أنس هذه الكتابات كلها، وهي كتابات أصدق عند كل ذي عقل وطني مصري من محاولات الإدارة المصرية الحاكمة غسل صورتها أو تضليل القضاة بمسحة حنان يتم قبلها التنبيه على الوزير المطواع برفض معالجة القاضي الشاب على نفقة الدولة، وهو ما لا يرضاه الأب الحاني فيسارع إلى كل الصحف والمجلات والنشرات والإذاعات والقنوات التليفزيونية معلنا أنه سيعالج القاضي الشاب على نفقة الدولة. واليوم أرى استمرار المحاولات للالتفاف على القضاة مستمرة.. وهنا؛ أعيد طرح سؤال الأولويات.


التعديل الدستوري ودولة القانون

خلال الفترة الماضية قرأت اتجاهات طيبة علمانية إسلامية واتجاهات غير طيبة علمانية وإسلامية حول قضية تعديلات الدستور، بكل موادها، وجل هذه الآراء موضع احترام وتقدير، وشريحة من هذه الآراء موضع استفهام أو اتهام لابد من تقديره واعتباره.

والحقيقة أننا لن نتعاطى مع تلكم الآراء التي نراها موضع شبهة وافتقار للاتزان، بل سنعمد للتعاطي مع تلكم الآراء الوقورة التي أعلت مقام مصلحة الوطن، وسنعرض لتقدير الآراء محل الاتهام في حينه. وسؤالنا للقوى ذات الآراء المعتبرة يتمثل في سبب هذا الاهتمام – المبالغ فيه - بالحالة القانونية الرسمية المؤطرة لحياتنا السياسية. وبداية؛ أظن أن كل من شارك في الكتابة بهذا الصدد يعلم يقينا أن الحياة السياسية المصرية تدور بغير إطار، ولا يحكمها قانون أو حتى شبح قانون، ولا تلجأ الدولة لمثل هذا الإطار القانوني إلا متى كان في مصلحتها هذا. بل إن قوانين عديدة سنت ولم يكن لها مردود، لا عند المعارضة ولا عند الإدارة الحاكمة.

وأصدق حديث في هذا المقام قول الرئيس المصري إبان صدور قانون الصحافة أن الصحافيين ما لم يجترئوا على المحرمات فإن القانون "ينام من نفسه". هي رسالة واضحة. الإدارة المصرية لا تضع قانونا إلا ليكون زيادة في فرصها وتقليلا لخسائرها، وما لم يتخذ الناشطون موقفا يهدد تلكم المكاسب أو يعظم تلكم الخسائر فإن القانون لا قيمة له عند الطرفين. تلك هي حقيقة وضع القانون في مصر بصفة عامة، وباعتباره إطارا للحياة السياسية بصفة خاصة.

الحيثية الثانية التي أنصبها هنا حكما بيني وبين من يستمر في إثارة الفزع المبالغ فيه من جراء تلكم التعديلات أن علماء السياسة هجروا منذ الحرب العالمية الأولى معالجة العلوم السياسية ضمن الإطار الرسمي أو ما يسمى الإطار القانوني للحياة السياسية كمحدد أساسي لدراسة النظم السياسية، وسبقهم في ذلك فقهاء القانون الدولي حين ميزوا في مجال الاعتراف بالدول بين الاعتراف القانوني والاعتراف الواقعي باعتبار أن كثيرا من الدول لا تعترف بغيرها قانونيا لكنها تباشر هذا الاعتراف فعليا. فالإطار القانوني لا يرتبط بطبيعة النظام السياسي ولا يكون دالا في تحليله تحليلا قويما متزنا إلا في حالة احترام القانون. فأين ذلك الاحترام؟ بل أين ذلك القانون المحترم؟

فما سر هذا الولع بمواجهة تعديلات القانون إذا؟ والإجابة عندي أنها تلك المساحة الوحيدة التي أتاحتها الإدارة المصرية لكي تلعب بها المعارضة وتتسلى في لعبتها السياسية.

الناظر إلى المسرح السياسي الحقيقي يجد قائمة من القضايا الحيوية التي إن تجمع المهتمون بمصالح وطننا حولها سيجدها أشد أهمية، وسيجد العمل فيها وحولها جبرا للانكسار السياسي الذي نعيشه. ولن أطرح من بين هذه القائمة قضية العدوان على الفصيل السياسي الهام المتمثل بجماعة الإخوان، ولا غيره من قضايا العراك السياسي ذات المنحى الفصائلي برغم أهمية هذه القضايا وحيويتها، ولكن هنا أطرح قضية كالعدوان على مؤسسات الدولة المصرية نفسها عبر العدوان المستمر الحثيث على مؤسسة القضاء، ومحاولات اختراقها والهيمنة عليها. وسؤالي للنخبة السياسية المصرية هو: لماذا ذلك التهافت على كل ما تلقيه الإدارة من فتات مما يلفت الانتباه بعيدا عن الأجندة الوطنية الحقيقية بأطياف قضاياها المتنوعة بالغة الأهمية؟


السياسة الواقعية المفتقدة

بمنطق السياسة الواقعية، فإن ضمان استقلال مؤسسة القضاء وحمايتها سيجعل من تعديلات الدستور معادلة واهية؛ لا تضيف قوة للإدارة الحاكمة، وستكون تعديلات القوانين أوهى وأوهن. فالقضاء الإداري القوي سيكون مضطلعا بمهام عدم قانونية القرارات المبنية على تجاهل قوانين مستقرة وملبية لمطالب عموم المجتمع. والمحكمة الدستورية العليا القوية ستضطلع بمهام تفسير المواد الدستورية تفسيرا واسعا قد نحترمه، وستقضي وفق هذه التفسيرات على أي قانون يخنق الإرادة الوطنية. كما أن محكمة النقض قد تفسر وقد تمنح سوابق قضائية منصفة للحالة الوطنية العامة. لكنها حال المجتمع السياسي المصري المولع بالسياسة المنضبطة محل الرضا السامي.

بل حتى تلك التعديلات الدستورية المرفوضة من الجميع ستتحلى بإرادة القضاء إن كان قويا مستقلا. لقد جاء في نص مسودة الدستور المزمع: "تتولى لجنة عليا تتمتع بالاستقلال والحيدة الأشراف على الانتخابات على النحو الذي ينظمه القانون". ألا يمكن للجنة كهذه أن يكون قرارها محل مراجعة من قبل القضاء الدستوري أو الإداري. كما أن النص الذي يحظر على المستقلين من الترشح لانتخابات الرئاسة هل يتسم بالجدوى الفعلية؟ ثم إن تجاوز عقبات نظام الانتخاب يحتاج لمؤسسة سياسية أو جماعة سياسية قوية، وجماعة الإخوان نفسها تعلم أنها كسرت رغبة النظام في إقصائها عبر تعديل النظم الانتخابية. ثم إن الحديث عن انتخابات اليوم الواحد وإجراء الانتخابات الماضية على ثلاث مراحل؛ لعدم وجود عدد كاف من القضاة للإشراف على جميع مراكز الاقتراع في وقت متزامن، ومخاطر عدد من القضاة بوظائفهم في انتخابات عام 2005، أليس هذا مدعاة لتوثيق عمل منظمات المجتمع المدني ومنحها الشرعية السياسية الواقعية بل والمشروعية القانونية عبر منحها توكيلات قانونية موثقة أو حتى توكيلات عرفية سياسية.

برأيي أن العملية الاعتراضية بأكملها تتم تحت الخط المنضبط بلا إبداع سياسي حقيقي، وبلا ترجمات ميدانية عملية للإرادات السياسية الوطنية. كنت أنتظر أن تقف المعارضة متهكمة على ما يجري وتجرده من المشروعية القانونية والسياسية أمام العالم أجمع بدون ذلك الحديث الورع خشية مزيد بطش بمن يتعرضون للبطش.

يلحق بما سبق سؤال عن ذلك الاضطراب في الصف الوطني تأسيسا على نوعية القضايا محل الاختيار أو محل التعديل. وهو اضطراب يلحق بسابقه الذي خالط قضية مهمة وحيوية كقضية مهاجمة وزير الثقافة المصري للحجاب. وأنا أتفق مع كل علمائنا ورموزنا الكرام الذين يقدرون أهمية النص على دين الدولة الرسمي باعتباره مصدرا سماويا لإسناد كل ما ورد بالدستور من ثوابت كالمساواة بين المواطنين المسلمين والمسيحيين، وكما عتبت على الإسلاميين من قبل أعتب على العلمانيين هنا: ألم ينكر زعماء مسيحيون ذوو ثقل تأثير حضور تلك المادة الدستورية على أوضاع المسيحيين؟ وهل كان النص يحول دون المساواة بين المسلمين والمسيحيين فعليا أم أن الموقف كان رهن بمزاج الإدارة الحاكمة؟ وهل سيرتاح قادة علمانيي مصر لإلغاء مادة تمس وجدان الغالبية الساحقة من المصريين وهي في نفس الوقت مادة لم تمنع المساواة يوما؟ لكن: ما مساحة النقاش الذي أجراه الإسلاميون والعلمانيون حول هذه المادة وفاعليتها؟ وهل خرجوا بإعلانات سياسية وميثاق عام حولها؟ الإسلاميون لم يقوموا بإثارة حالة حوارية حول القضية، بل مجرد حالة عراك غير ناضجة.

قد يغضب مني العلمانيون بعدما قلته وأنا متمسك به إلى نهاية المطاف. وسيغضب الإسلاميون لو قلت لهم إنهم يهتمون بلافتة الشريعة اهتماما قانونيا أكثر من اللازم برغم أن إسلامية أي طرح اجتهادي قانوني أو سياسي أو مدني؛ بل أي اجتهاد اجتماعي عام يمكن أن يلتزم الشريعة دون وضع اللافتة التي تثير حفيظة الحالة العلمانية. إن الأطر العرفية يمكن أن تمثل مساحة بديلة لحضور اللافتة الإسلامية، وكثيرا ما كان هذا حاضرا في تاريخنا القريب والبعيد. وللأسف فأنا أرى أن هذا أنسب البدائل في مواجهة إدارة سياسية حاكمة عمياء لا تميز بين ما يهدد السلام الاجتماعي وبين ما يهدئه. ولعل تصرفات هذه الإدارة إبان قضية وفاء قسطنطين لا تزال حاضرة بالأذهان.