خواطر عن المجال العام في مصر..

2007-07-15

لمصلحة أمتنا..هل يمكن ترشيد الإقصاء السياسي والثقافي؟


العنوان مستفز قليلا. فكل مهتم لأمر أمتنا – أيا كان تعريفنا لدائرة الهوية وإطارها الثقافي – يعرف أن الإقصاء عملية سياسية وثقافية بغيضة، تبدأ بحالة خلاف غير صحية، وتنتهي بنفي طرف من أطراف العملية الاجتماعية لوجود طرف آخر، ويصل الأمر بهذا المرض إلى أن يقوم الطرف القائم بالنفي بإنكار حقوق الطرف المنفي أو موضوع الإقصاء. وهذا النمط من أنماط نفي الحقوق يتراوح في راديكاليته ما بين الحرمان من حق الحياة نفسه ولا ينتهي بحرمانه من أبسط درجات الحقوق.


الإقصاء سنة فكرية أم عملية اجتماعية؟

لو سألنا عن إمكانية قبول التعامل مع الإقصاء كقيمة اجتماعية فإن الإجابة المطلقة ستكون بالنفي القاطع. ولكن. قبل التعامل المطلق مع هذا السؤال لابد لنا من وقفة حول إطار هذه القيمة بما قد يمكننا من التفصيل في بناء السؤال.

جوهر موضوع المقال يطرح علينا السؤال: هل يمكن أن تكون عملية الإقصاء هذه محل اعتبار يفضي بنا للحديث عن دفعها لحالة الاتزان؟ وقد راجعت نفسي مليا قبل طرح هذا السؤال، وانتهى بي الأمر إلى تذكر ما كان قد أفضى به إلينا أستاذنا الدكتور السيد عبد المطلب غانم – رئيس قسم العلوم السياسية السابق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة – حين كنا طلابا في الدراسات العليا لديه، حيث قال: لا يوجد فكر لا يستبعد (بمعنى الإقصاء)؛ واستدرك قائلا: الديمقراطية وحدها هي التي تبرر الاستبعاد. بعد سنوات رجعت لهذه المقولة وأحسست أنها تحتاج زيادة ربما نسيها أستاذنا، حيث أحسست أن التكملة الطبيعية لهذه الجملة هي أن الديمقراطية وحدها هي التي تبرر الاستبعاد بناء على مبررات تتمتع بدرجة قبول واسعة. وقبل ان يراجعني أحد فقد أحسست بأن التعبير واسع جدا على الممارسات الديمقراطية التي تستبعد وتنفي لاعتبارات غير مقبولة كمثل ما حدث ويحدث مع الفكر اليساري وفكر نسبية الهولوكوست وفكر الإسلام وثقافته. لكني وجدت أن هذا التعبير التبريري أفضل من تعبيرات أخرى أكثر إنسانية وانضباطا أحسست أننا بحاجة إليها ويمكن أن نعتبرها اجتهادات تجديدية من قبيل: أن الديمقراطية المرجوة هي وحدها التي تبرر الاستبعاد والإقصاء استنادا لشيوع روح إقصائية قوية في الفكر موضوع الإقصاء والاستبعاد.

أنا أقول هذا لا لكي نرشد عملية الإقصاء باتجاه قصره فقط على كل من تشيع في فكره روح وقيم إقصائية قوية، بل أقوله لكي ألفت النظر إلى أن الإقصاء قيمة بالغة السلبية وتضر بحيواتنا الاجتماعية، وإن اضطررنا إلى اللجوء إليها - باعتبارها جزءا من بنية أي فكر - فلنخضعها لعملية مراجعة قوية بحيث تصير آلية الإقصاء ملك لدائرة الهوية قاطبة (وطنية قطرية كانت أو قومية أو إسلامية) وليست ملكا لفصيل من الفصائل يمارس عبرها بدون ضابط هدمه لجهود الأمة النهضوية والإصلاحية.

وإلى جانب تنبيهي السابق أنبه أيضا الحالة السياسية الفصائلية في أمتنا إلى ضرورة مراجعة أدبيات اتجاهات فكرها، والقيام بعملية شهادة حقيقية ورصينة فيما يتعلق بحالة الإقصاء داخل هذه التيارات. ومرد ذلك التنبيه من وجهة نظري إلى أن الخاصية الإقصائية لعالم الأفكار في بيئتنا الثقافية هي أحد أسرار أزمة العقل الوطني القطري، والعربي القومي، والإسلامي، التي نكابدها، والتي نغض الطرف عنها حتى نفيق على حين غرة عندما تثار أزمة مثل أزمة رواية وليمة لأعشاب البحر في مصر 2003، أو أزمة الحجاب التي شهدتها مصر في نهاية عام 2006م، وغيرها كثير من الأزمات التي تشهدها دوائر هوياتنا المعتبرة.

فإذا ما كان الإقصاء خاصية من خواص العقل الجمعي العربي، أو إذا كان الاستبعاد كما قال أستاذنا خاصية من خواص أي حالة فكرية، فليس ثمة أقل من أن يسعى حكماؤنا – من كل التيارات – وفي كل دوائر هوياتنا المعتبرة - إلى ترشيد العملية الإقصائية إلى ذلك الحيز الذي لا يهدم ما نبني ولا يهدر ما نكتسب.


هل نحن بحاجة لترشيد الإقصاء؟

إذا كان من خواص الفكر – أي فكر – أن يقصي؛ حينذاك يمكننا الحديث عن إقصاء رشيد وإقصاء مريض. وأول المصادرات على هذه المقولة أن نقول وكيف نميز بين الإقصاء الرشيد وذاك غير الرشيد أو المريض؟ وما موقع معايير التمييز المنشودة على متصل الذاتية والموضوعية فيما يتعلق بكل اتجاه؟ وهل هناك من وسيلة لبناء معيار موضوعي للتمييز بين نوعي الإقصاء هذين؟ وقبل هذا وذاك؛ هل نحن نعاني أزمة إقصاء ونحتاج إلى معالجتها عبر "ترشيد عملية الإقصاء"؟

دعونا نتلمس بعض الاقتباسات التي توصف حقيقة المأساة الإقصائية التي نكابدها، حيث نجد بعضهم يقول: "نقصد بثقافة الإقصاء عدم رؤية الآخر، وعدم تقدير مواقفه وآرائه، والنظر إليه على أنه خائن وعميل، وأنه لا يملك رؤية لحلول أزمتنا، بل والنظر إليه على أنه يتاجر بقضايا أمته لمجد شخصي مع اتهام واضح في النيات، وينفيه أهل ثقافة الإقصاء وكأنه جرثومة يجب وأده واستئصاله". ونرى كاتب آخر يقول في الاستقصاء: "فلا أحد يريد أن يرى أحدا، أو يحاوره، أو يقبله، وكل يدعي العصمة والبراءة والكمال، والحل السحري لكل المشكلات، والويل كل الويل لكل من قدم فكرة أو وجهة نظر لا تروق لفلان أو علان، أو حزب، أو شريحة، أو تيار".

وبعض الاتجاهات في النظر لظاهرة الإقصاء ترى أن الإقصاء ثقافة، ويرى أن "من سمات هذه الثقافة أنها سريعة الغضب، وتتهم الآخرين في نياتهم، وترفض أي حق جاء به الآخر، وتشكك دوما في أفعال ومواقف الآخر، وترى نفسها أحق وأولى بالعمل من غيرها، بل ويسودها اعتبار الآخرين تجار سياسية يبحثون عن مصالحهم الذاتية ويهدرون المصالح العامة للأمة. ويتجمع أفراد هذه الثقافة على شكل شلل تتجادل وفق ثقافة التخوين والاستعداء والتشويه".

وبعض الاتجاهات المنضبطة في النظر لظاهرة الإقصاء ترى أن "كلمة الإقصاء قد تعني لغوياً الاستبعاد، لكنها لم تعد كذلك، في عصر صراع الهويات والعودة إلى أيديولوجيا السطو والاستيلاء بالقوة، فالإقصاء إعدام وحذف، خصوصاً عندما تُختزل الهوية في كونها مجرد النقيض للآخر الذي يهددها".

ويرى د. إبراهيم أبو جابر أن "سياسة الإقصاء هذه تعصف حالياً بالعالمين العربي والإسلامي (..)، وأنها مورست من قبل بأنواعها: الدينية والفكرية والسياسية والعائلية دونما استثناء، ولا تزال تمارس على مستوى الأفراد والحركات والمؤسسات". والأهم أن بعضها نمارسه نحن فيما بيننا، وبعضها يمارسه علينا الآخر الحضاري.

تلك هي أحاسيس الفرقاء على المستويات الذاتية؛ أو مستوى إدراكهم لمعنى الإقصاء. ودعونا نطلع على رأي خبير فيما فعله الإقصاء فعلا في مجهودنا الوطني. يقول الخبير السياسي الفلسطيني د. إبراهيم أبو جابر: "سياسة الإقصاء هذه إن استمرت فستكوي نارها تلك الأنظمة الوصية على الإقصاء والمتعهدة به خدمة لأسيادها في الغرب وداخل بلاد العرب والمسلمين، فالشعوب العربية والإسلامية تعرف تماماً الحريصين على مصالحهم دون غيرهم، تعرف المتآمرين من غيرهم، ممن نهبوا أو باعوا ثروات البلاد، لا بل وسمسروا على أنظمة عربية فأطاح الغير بها فعاثوا فيها قتلاً وتدميراً ونهباً وفساداً". ووصل التقدير بالمراقب هاني صلاح الدين ليبلور القضية في مصر بقوله: " كن فاسداً.. أو مداناً في محاكمة عسكرية".

ويضرب الدكتور سيد يوسف المثال بموقف البعض من "مبادرة سفر عمرو خالد للحوار بالدانمرك عقب أزمة الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، وكيف انهال بعض الناس لتخوينه ولاتهامه بأنه يعمل لرعاية مصالح الغرب وبدعم غربي، وتعدى الأمر إلى الطعن في شخص الرجل ودينه، والمطالبة بعدم الاستماع إليه نهائيا، وذلك كله من دون الاستماع إلى وجهة نظر الرجل وتفهم موقفه سواء اختلف معه المختلفون أم أيدوه".

ويصف الدكتور علي عبد العال العلاقة بين الجمهور والحكومة في مصر قائلا: "عانى المصريون كثيراً ــ خلال الأعوام الماضية ــ من وطأة "استبداد" سياسي و"قمع" أمني و"فساد" اجتماعي واقتصادي استشرى على جميع الأوساط ، و"قهر" و"تهميش" أو قل "إقصاء" للشريحة الكبرى من أبناء المجتمع. فكانت وظلت تدار الأمور في البلاد دون أن يعلم أبناؤها عنها شيء، أو حتى أن يكون من حقهم الاستفسار عن حقيقة ما يجري في بلادهم، حالهم كما قال القائل: "ويُقضى الأمرُ حين تغيب تيمُ ولا يُستشهدون وهم حضور".

أما عن الإقصاء العلماني للإسلاميين فحدث ولا حرج. ويحضرني موقف طريف عندما قام وزير الثقافة المصري بإثارة أزمة الحجاب في نهاية عام 2006، وذهب إلى إحدى الحفلات الخاصة بالفنانين المصريين، فإذا بفنانة تقول له: "الله عليك يا فاروق يا كايدهم"!؟. ولا يمكن إنكار العلاقة الإقصائية بين الإسلاميين وبعض فصائل اليسار، استنادا على رسوخ التصور القديم بكفر اليساريين.

ما سبق يمثل نماذج من إقصاء الحكومة للمعارضة ثم للشعب، وإقصاء الإسلاميين لبعضهم البعض، وإقصاء العلمانيين للإسلاميين والعكس، ثم إقصاءات تمارس عبر المستوى عبر القومي من الحكومات الأجنبية ضد قوى سياسية بعينها لدينا، والضحية بخاصة هم الإسلاميون أولا واليساريون ثانيا. والآن لدينا مشروع مؤسسة راند لقائمة الإسلاميين المعتدلين، وهو محاولة طريفة لإعادة المنطقة لأجواء الاستقطاب.

لقد وصلنا لحالة حرب الجميع ضد الجميع في بلادنا. فلا عجب إذا أن يتسلط أصحاب القوة (الثروة والسلطة) على الأفراد ولا يجدون من يردهم. ولا غرو في أن يتسلط الخارج علينا من الخارج فلا يجد لدينا مقاومة. فنحن لا وقت لدينا لتقدير مصالحنا لأننا منغمسون في سلسلة إقصائية لا تريد أن تتوقف، وكلما حاولنا وقفها تدخلت حكومة عربية أو أجنبية أو شركة متعدية الجنسية أو رأسمالي محلي ذو يد ملوثة، يتدخل أي من هؤلاء او تحالف من بينهم لمنح عجلة الإقصاء المرضي دفعة قوية جديدة. لكل هذا لابد من ترشيد ظاهرة الإقصاء.


الحركة الإسلامية ومعايير الإقصاء

إذا ما سلمنا بأن الإقصاء هو خاصية لكل فكر لا لأي تيار فكري أو ثقافي أو سياسي بعينه، فعندما أنظر - برؤيتي القاصرة - في الحركة الإسلامية أجد أن المشكلة الأساسية فيما يتعلق بالإقصاء تتمثل في أن الحركة الإسلامية وقعت في مأزق قادته حركة التقوي في مواجهة المشروع الاستعماري الغربي، حيث رأت الحركة الإسلامية التي قاومت الاستعمار أن أحد أوجه الصراع تتمثل في تقوية المناعة لدى الشخصية القومية ضد الاستعمار بالاستناد للعقيدة، لكي تدفع المسلمين للاعتزاز بثقافتهم وهويتهم التي كان الإسلام آنذاك المكون الرئيسي ذو الثقل الأكبر فيها.

وتطور الأمر بعد انشقاق حركة الإصلاح التي قادها أئمة الإصلاح؛ ومن بينهم الإمام محمد عبده في مصر، فاتخذ جناح من الإصلاحيين - في مصر كمثال - منحى التقليد الأعمى للغرب وعلى رأسهم الأستاذ أحمد لطفي السيد، واتخذ جناح آخر رؤية سلفية وعلى رأسهم الشيخ رشيد رضا، واتخذ الجناح الثالث رؤية وسطية وكان على رأسهم العقاد ومحمد حسين هيكل. وفي هذا الإطار قامت الحركة الإسلامية المقاومة للاستعمار بمد التعريف الثقافي للمستعمر (الكفر) ليطال أولئك الإصلاحيين المستغربين، ومن هنا بدأت الوقيعة الوطنية التي نجد لها ما يبررها من تطرف المستغربين.

وبدلا من المراجعة، ومعاودة الإطلالة على التوجيهات الأصولية بالقرآن والسنة، وبدلا من معاودة قراءة فقه سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، استمرت الحركة الإسلامية حتى عهد قريب في حمل ذلك الموروث الثقافي في إلحاق المستغربين بالمشروع الاستعماري الغربي. وهو ما نظنه أمر يحتاج لمراجعة.

أنا لا أنوي إجراء تحليل منهجي صارم للسيرة النبوية وأصول الدين في هذا الصدد، لكني أفتح الباب لأية محاولة جادة للمراجعة والتأمل، لكن السيرة لم تجعل أبدا من العقيدة معيارا للإقصاء. وليتأمل المتأمل نص وثيقة المدينة، وليزيد تأملا آية عدم الإكراه، وليزيد تأملا بالتمعن في أثر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي. إن حادث رهن الدرع ليس سوى رسالة تشريعية. فالرسول كان يمكنه أن يأتي بما يريد من مال من صحابته أو بيت مال المسلمين، لكنه أبى إلا أن يترك لنا هذه الرسالة. ولا تخفى على القارئ الفطن خصوصية رهن الدرع عند اليهودي، فقبائل اليهود صاحبة وقائع محاربة المسلمين ي ثلاث مواقع حرجة؛ كانت أشدها غزوة الأحزاب، لكن هذا لم يؤثر في الموقف النبوي من الآخر وحقوقه حتى ولو كان معاديا.

كان معيار الإقصاء مدنيا إذا في فكر الرسول ولم يكن عقديا. كان معيار الإقصاء مدنيا يطال مسلمين ويطال يهودا؛ وكان داعي الإقصاء مدنيا يعزى إلى تهديد أمن الجماعة البشرية التي كانت تسكن المدينة. هذه الجماعة البشرية التي كانت تسكن المدينة لم تكن جماعة مسلمة، بدليل رهن الدرع عند يهودي. بل أزيد على ذلك أن واقعة فتح مكة نزلت بها آية تشدد على عدم إقصاء الكافر. فحادثة أخذ علي بن أبي طالب مفاتيح الكعبة من عثمان بن مظعون تبعها قول الله تعالى "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها"، وكان أهل الأمانة في هذه الآية هو القرشي الكافر عثمان بن مظعون الذي لم يكن قد أسلم آنذاك. وكان معيار دخوله في عهد الأمان وعدم الإقصاء هو أمانته التي أداها وهو كافر في حادث إخراج أمي: أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها من مكة، والحادثة معروفة لكل قارئ.

من المهم أن تستوعب الحركة الإسلامية هذا المعيار، وأن تراجع أدبياتها في إطاره، وحتى تلك الجماعات الوسطية التي لا تقصي الآخر بسبب عقيدته نجدها بحاجة إلى أن تؤكد على الأساس المدني للإقصاء، وأن تنافح عن المعيار المدني للإقصاء، وأن تعلن رفضها القاطع والمنهجي للإقصاء على أساس عقدي، وأرشح أن تكون مصلحة الجماعة الوطنية هي المعيار الأساسي للمحاباة والإقصاء، والمصلحة العامة يعرف الجميع أنها مصدر من مصادر التشريع الإسلامي. من الضروري ألا نعاود قياس مفهومي المحاباة والإقصاء على مفهومي الولاء والبراء؛ فكلاهما من طبيعة مختلفة. ومن الضروري ألا تحاول بعض القوى إشعار البعض الآخر بالاغتراب الوطني، فهذا مما يعطل اقتراب الأفق.


رؤية في ترشيد الإقصاء

هناك مقولة أعجبتني للكاتب الأستاذ سيد يوسف، حيث سبق أن كتب بموقع الحوار المتمدن يقول: "يتجمع أفراد الثقافة الإقصائية على شكل شلل فكرية؛ تتجادل وفق ثقافة التخوين والاستعداء والتشويه والإقصاء؛ مما يعزز من مساحة الاختلاف الإقصائي بديلا عن الاختلاف الإثرائي الضروري الذي يحتاجه المجتمع لإثراء البيئة الثقافية بالتنوع في الطرح الفكري اللازم لمناقشة القضايا الاجتماعية المختلفة".

ومصدر الاعتزاز بهذه المقولة أنها أردفت طرح الإقصاء الرشيد والإقصاء المريض بتقسيم طيب لأنواع الاختلاف بين اختلاف إثرائي واختلاف إقصائي. أو بين اختلاف إيجابي وآخر سلبي. فهناك اختلاف يؤدي لبروز رؤى واجتهادات جديدة وتجديدية، وهناك اختلاف يقمع الآراء العميقة ويكبت الآراء البناءة. النوع الأول من الاختلاف: أو الاختلاف الإيجابي اعتبره الله تعالى مصدرا لتعزيز الإيمان به والتدليل على حكمته، والنوع الثاني: الاختلاف السلبي اعتبره الله شقا لتعاضد الصفوف الاجتماعية كذلك الذي اقترفه اليهود ضد وثيقة المدينة حين تحالفوا مع العدو الخارجي في موقعة الأحزاب.

القصد من وراء هذا أن الاختلاف سنة الله في عباده، وليس المطلوب أبدا محاربتها، بل تعزيزها والحرص على استمرارية قوامة مجراها لتستمر في طريقها الطبيعي ذي الإيجابية، والثراء.

كنا قد طرحنا من قبل تساؤلات حول موقع معايير التمييز بين الإقصاء المريض والإقصاء الرشيد على متصل الذاتية والموضوعية فيما يتعلق بكل اتجاه فكري؟ وهل هناك من وسيلة لبناء معيار موضوعي للتمييز بين نوعي الإقصاء هذين؟

ومع الشبهة التي تلبست بمصطلح الموضوعية يمكنني الإشارة إلى أن بدائل بناء الحالة القيمية الموضوعية ليست فقط من خلال التمركز حول الموضوع. بل يمكن بناء رؤية قيمية موضوعية استنادا للتفاوض حولها والتعاقد عليها، والخلوص بالمنتج التفاوضي التعاقدي لحالة من الوفاق الاجتماعي الصلب. إن شيوع الروح الإقصائية جعلت الجميع يفقدون الثقة في مفهوم الوطن، باستثناء بعض النخب المتميزة. وضعف الثقة هذا ولد حالة هشاشة في بنية المجال الاجتماعي العام. وهو ما نريد استرداده؛ لتسترد أوطاننا عافيتها.

وسام فؤاد