خواطر عن المجال العام في مصر..

2008-12-30

الاحتلال أو الفساد.. أيهما يكسر الإرادة الفلسطينية؟


ترى بعض الأطراف الفلسطينية والعربية وكذا الدولية؛ أن مجزرة ة تعبير عن وصول المنحنى الحالي لمشروع حماس للمقاومة قد عاود المربع صفر مجددا، حيث لم يعد لديها الآن إلا العودة عن كل مكتسبات العامين المنصرمين مشفوعة بخسارة إستراتيجية كبيرة تمثلت في وضع إرادة الشعب الفلسطيني على محك يسهل في إطاره كسرها عبر آليات التجويع (التي مارسها الطرف الفلسطيني الفتحاوي) وجرائم الإبادة (التي مارسها ويمارسها العدوان الصهيوني الوحشي). فتوهج نموذج المقاومة الذي بلغ أوجه مع الانتخابات التشريعية الفلسطينية في 2005 بحصول هذا المشروع على رضا جماهيري هائل قد بلغ مرحلة الاشتعال بهذه المجزرة؛ بل وربما قبل ذلك حين اتجهت حركة حماس بصفة خاصة إلى إحكام سيطرتها على قطاع غزة. وكانت خطتا التجويع ثم الإبادة ثمرة الاختيار في مطلع 2006، فأصبحنا أمام أطراف بعضها مخطئ، والآخر فاسد، والاحتلال مقترف جرائم حرب رابح.

والتحرر الجزئي من هذا الطرح أظن أن لحظة التوهج بالفعل كانت مع انتخابات 2005، وأن فتيل مشروع المقاومة بدأ في الوهن مع قبول حركة حماس تكليف الحكومة، لأن مشروعها السياسي لم يكن بالدرجة الكافية من النضج لضمان استقامة المصير الفلسطيني وفق إرادة الشعب. برأيي أن خطأ حماس الإستراتيجي لم يكن بتقدير قدرتها على سوس الوضع الإقليمي والدولي والقطري الفلسطيني لصالح الشعب الفلسطيني ولو أن هذا كافيا؛ لكن كان الخطأ الأكثر مركزية؛ والأكثر لواحا في الأفق الإستراتيجي أن الضحية لن يكون الشعب الفلسطيني؛ بل الضحية ستكون إرادة الشعب الفلسطيني، وهذا هو الثمن الأشد وطأة والأنكى فداحة. وفي هذا الصدد أكتب هذه السطور.

ليس بوسع أحد أن يلوم حركة حماس على تقديرها واختيارها السياسيين، فهذه الحركة؛ بالإضافة لحزب الله؛ القوتان الوحيدتان اللتان تمكنتا من وضع حد شديد الصرامة للطموحات الإقليمية للعدو الصهيوني؛ عبر استهلاك قوته وطاقاته المدعومة أمريكيا، ومن حقها أن تمد مشروعها على استقامته مهما تفردت بتقييم جدواه؛ ولا يحاسبها إلا شعبها والتاريخ؛ ذلك الحكم الذي قلما يخطئ، والله هو الآخر. لكن من نملك الحق في لومه هو حركة فتح؛ وللإنصاف ليس كل فتح؛ بل ذلك الجناح المتصهين من هذه الحركة العملاقة تاريخيا المتقزمة آنيا. وهذا اللوم هو ما يفتح الباب للسؤال عن علاقة حركة فتح بالمجزرة التي ترتكبها قوات الاحتلال في جنوب فلسطين المحتلة.

From Israeli Buchery in Gaza



مقدمات المراجعة التاريخية

برأيي أن ثمة أربع مداخل للمراجعة التاريخية على أرضية المجزرة التي ترتكبها أطراف فلسطينية وأخرى صهيونية في قطاع غزة. هذه المداخل تسهم في توفير إضاءة أقوى بالمشهد التاريخي الراهن؛ بما يكشف حالة الصدام الحادة والمدمرة ما بين إرادة شعب وبين مصالح نخبة ضيقة تنتمي لنفس الشعب نسبا؛ لكنها بعيدة عن آلامه وآماله، بعيدة لدرجة أن يتحد الهدف وتنسجم الاعتبارات التكتيكية والإستراتيجية بين هذه النخبة وإدارة الاحتلال؛ لتفضي إلى سلام المنبطحين وفق تعبير الدكتور توفيق الشاوي أمد الله لنا في عمره بما يزيدنا من واسع علمه. المداخل تتمثل فيما يلي:

المدخل الأول: تسوية بلا أوراق ضغط. لا أدري لأي مدرسة ينتمي مفاوض يرى إمكانية التفاوض بدون توفير أوراق ضغط خلال عملية التفاوض. فنماذج التفاوض تختلف في تكتيكاتها وتركيبها ومقدماتها ومناوراتها بصورة كبيرة؛ لكنها تتفق على أنه لابد من أوراق ضغط فعالة لكي تصل العملية التفاوضية لنتائجها. وبمعنى آخر يحمل قيمة مضافة لفكرة؛ فإن التفاوض تعبير عن ميزان القوة الإجمالية بين أطراف العملية التفاوضية. وليس بعسير أن ندرك أن مشروع أبو مازن ورفاقه يفتقر لأية أوراق ضغط فعالة، وآخر ما تبقى من أوراق التفاوض هو تلك المقاومة التي يحاول أبو مازن وزمرته تجريدها من سلاحها، والتي رصد المراقبون مثلها نماذج عدة أبرزها أن يرسل رئيس جهاز الأمن الوقائي بالضفة 5 حافلات ركاب تحمل 200 عنصرا من كوادر حركة حماس لسجون إدارة الاحتلال. فهل بقي بعد ذلك إلا سلام مهين شبيه بالسلام المصري؟ ويرتبط بهذه المقدمة عدة تساؤلات تحتاج تبيينا واستجلاء من المراقبين والخبراء. فهل فاقت مصالح النخب الفلسطينية مصالح الشعب الفلسطيني؟ وإلى أي حد؟ وهذا ما يقودنا لمدخل الثاني.

المدخل الثاني: أين حضور إرادة الشعب الفلسطيني في وعي النخبة الفتحوية الحاكمة حين دأبت هذه النخبة على تكريس كل جهد ممكن لإفشال خبرة حماس في الحكم؟ أين المروءة والانتماء في أن يقوم فلسطيني بإنفاق أموال الخزانة العامة وصندوق الاستثمار الفلسطيني وصناديق المعونات الدولية وغيرها من المؤسسات المالية العامة الفلسطينية ليحرم الحكومة المقبلة من القدرة على دفع رواتب الموظفين وتأمين الإمدادات التي تهم عموم المواطنين من الدواء وغيره من اللوازم الحياتية التي يتعين على كل حكومة أن تلبيها لمواطنيها؟ هذا السلوك لا يعني إلا أني لو اضطررت لقهر شعبي وإذلاله في سبيل أن أهزم خصمي ومنافسي الانتخابي لفعلت. أي طرح هذا الطرح الخسيس الخلو من أية مسؤولية وطنية أو حتى إنسانية؟ والأنكى من هذا وذاك أنك تجد الفتحاويين في غزة يحصلون على رواتبهم كاملة مهربة من رام الله، فيمنُّون ويحسنون إلى أقربائهم المنتمين للفصائل الأخرى غير الفتحاوية ليبدو في النهاية أن فتح ثرية وتنفق وأن حماس لا تجد للإنفاق سبيلا. فهل لهذا الأمر معنى إلا تركيع هذا الشعب واستعباده عبر توفير احتياجاته الأساسية الحياتية الضرورية؟

المقدمة الثالثة: الفساد في الحكومة الفلسطينية قبل حماس. ما معنى أن يتحدث قيادي داخل حركة فتح عن الحركة فيشير إلى أنه بالمعيار التاريخي وعلى مدى أكثر من 30 عاما إذا أردنا أن نحدد قدر الفساد داخل حركة فتح فإن حديثنا يكون عن مليارات من الدولارات ذهبت هباء وأهدرت بوسائل فاسدة. ويتحدث القيادي الفتحاوي لموقع الجزيرة عن ظرف إجراء الحوار معه في أما إذا كنا نتحدث عن فساد اللحظة الراهنة فإن هناك بعض الألغاز حول الأرقام الحقيقية، لكن ما نعرفه اليوم على سبيل المثال أن أحد الذين تتمركز بأيديهم أموال الحركة هو الآن وفي هذه اللحظة التي أحدثك فيها موجود في بلد معين ويغترف من أموال فتح على مصروفات شخصية باذخة مثلما اغترف أولاده وأولاد أشباهه من المتنفذين داخل حركة فتح. ولا يقولن قائل إن هذا الكاتب عدلي صادق من طريدي حركة فتح وهو يتشفى بأقواله، فكم قصفت النخبة المتصهينة من حركة فتح أقلاما وكم سجنت وشوهت من قيادات فتح الشرفاء من لم يكن آخرهم حسام خضر.

المقدمة الرابعة: الفلتان الأمني. كان من بين المقدمات التي تشي بوجود توجه ضد الشعب الفلسطيني حالة الفلتان الأمني التي أوجدها مشروع ياسر عرفات الأول: أوسلو، والذي تسلمه من بعده رئيس السلطة الفلسطينية: أبو مازن. فالهدف البعيد وراء الفلتان الأمني خلق حالة تعبئة وجدانية عامة ضد السلام المتواجد في الشارع الفلسطيني؛ وبخاصة السلاح الكائن في يد فصائل المقاومة. ولا شك في أن منع السلاح عن اليد غير المسؤولة هو من المقدسات الاجتماعية، أما سحبه من يد المقاومة: ورقة الضغط الوحيدة الباقية في اليد الفلسطينية المفاوضة فيعد خطأ فادحا. وصدر القرار، وحصلت له قيادات فتح على تمويل قوي من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وكم كان الوعي الفلسطيني عميقا حينما أسماه بالفلتان الأمني، ولم يكن يعي أن الفلتان الأمني كان هدفا استعماريا هدفه في النهاية مصادرة كل السلاح خارج يد السلطة الفلسطينية؛ وإنتاج ما تعرفه الدوائر الأكاديمية الأوروبية باسم احتكار وسائل القمع المشروعة. وكان الشعب الفلسطيني هو الضحية، وكان أمنه هو المهدد، ولا نعفي حركة حماس من تجاوزات حدثت على أيدي بعض كوادرها. واللافت للنظر في هذا الإطار أن المواجهات لم تأت على يد كتائب شهداء الأقصى: الجناح العسكري لحركة فتح، بل جاءت على يد قوات الشرطة مدعومة بكتائب بدر التي يقودها محمد دحلان ويمولها الاتحاد الأوروبي بالإضافة لبعض عناصر الأجهزة الأمنية الأخرى.

هذه المقدمات كانت مهمة لنوضح الصورة على الساحة الفلسطينية، ولنتبين قيمة الإرادة الشعبية في سلوك الطرف الفتحاوي فيها؛ وهو ما يساعدنا على تفهم وجهي العملة التي اشترت مجزرة غزة

From Israeli Buchery in Gaza



كسر إرادة الشعب الفلسطيني

بين متتالية النكسات الديمقراطية التي تمنى بها أمتنا بدت للمراقب ثلاث بوارق للأملح أولها الحالة اللبنانية، وثانيهما الحالة الموريتانية، وثالثهما الحالة الفلسطينية. وقد منيت البوارق الثلاثة بمتتالية انتكاسات نالت من عمق حضور الشعب داخل التجربة، فاستحالت البارقة اللبنانية إلى صراع قيادات الطوائف، ومنيت البارقة الموريتانية بردة الجنرالات، وأما البارقة الفلسطينية فقتلتها خيانة الجناح المتصهين من حركة فتح.

برأيي المتواضع أن الخاسر الحقيقي من المعركة الفلسطينية – الفلسطينية ليس سوى إرادة الشعب الفلسطيني. فالشعب الفلسطيني لن يعدم أن يجد قوتا طالما أن الله هو الرزاق. لكن أن ينال قوته بعزة تلك هي القضية المهمة، وأن ينال حياته الكريمة مع احتفاظه بإرادته السياسية وغير السياسية تلك هي القضية الأهم.

إن ما فعلته النخبة الفتحاوية التي سبقت حكومة حماس ربما يبدو في ظاهره صراع فصائل سياسية على الحكم، لكن المشكل في الإرادة السياسية لهذا الجناح من حركة فتح أنها حرصت على كسر الحضور السياسي المركزي لحماس عبر الاحتكام لرأي الشعب الفلسطيني مجددا؛ ليس عبر أساليب نبيلة أو حتى أساليب غير نبيلة ذات طابع إعلامي، بل كان الأسلوب الأمثل هو تركيع الشعب الفلسطيني وتأديبه لكي لا يلجأ لخيار حركة حماس مرة ثانية. هو إكراه مادي ومعنوي بالغ القسوة للشعب الفلسطيني باتجاه دفعه للتخلي عن إرادته والاستسلام لمنطق الجوع وإطعام الصغار. ويكأن هذا الفصيل الذي لم يتوان في تقديم دلائل الاستسلام أمارات التهاون أمام المحتل الصهيوني، ولم يأل جهدا في تكريس أنماط المصالح الخاصة والفساد المالي والإداري في قضية هي من أطهر وأنبل القضايا التي تخص عموم الأمة بقدر ما تخص الشأن الفلسطيني، ويكأن هذا الفصيل لا يبالي بمصلحة عموم الشعب وأولوياته الحياتية في سبيل سحق خصمه.

يكتمل المشهد بتصريح وزيرة الخارجية بإدارة الاحتلال تسيبي ليفني من القاهرة في يوم 25-12-2008 بأنها ستنهي سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، لتبدأ مجزرة غزة في 27-12-2008. ويصبح من المستغرب أن تتحد أهداف الفساد والاحتلال على خلفية استهانة مطلقة بإرادة الشعب الفلسطيني في إطار رؤية تحمل بصمة مشروع العدول الأمريكي عن دعم إرادات الإصلاح في العالم العربي لا لشئ إلا لأنها تأتي بالإسلاميين للحكم. فالأيقونة الثقافية لالتقاء الفساد والاحتلال تتمثل في النهاية في كسر إرادة الشعب الفلسطيني.

From Arting Wessam

2008-11-12

سمات الحضور العربي الثقافي والاجتماعي على موقع فيس بوك



أفاد عدد من التقارير الإعلامية حول ظاهرة حضور الشباب العربي على موقع فيس بوك بأن الشباب العربي على الإنترنت يستهلكون هذا الموقع باعتباره وسيلة للتواصل مع الجنس الآخر، وأن هذا التواصل ذي الخلفية البيولوجية ليس تواصلا مقصورا على دوائر التشبيك التي ينتمي إليها الشباب العربي، بل إن الشباب العربي يحرص على تجاوز هذه الظاهرة للحيز المكاني لتصبح ظاهرة عبر قومية. لكن هذه الظاهرة ليست كل الاهتمام العربي بموقع فيس بوك إذ أن الحضور الثقافي للعرب على هذا الموقع له عدة مظاهر، من بينها الجنس؛ لكنه ليس كل المتحصل من هذه العلاقة التي يمكن القول بأنها بداية العلاقة ما بين الشاب وفيس بوك؛ والتي سرعان ما تتطور لتأخذ مناح أكثر جدية وأبعد بونا عن العلاقات الاجتماعية المؤسسة على أرضية التلهف الجنسي. فما هي تلك الأرضيات الثقافية الجديدة التي سرعان ما ينتقل إليها مستخدم موقع فيس بوك؟ وفي أي مناح تتركز هذه الأرضيات؟ وإلى أي مدى تبلغ في تعاملها مع تلك الأرضيات؟ وإلى أي حد يمكن وصف هذا السلوك بأنه القاعدة الجماهيرية وأن ما عداه يكون استثناءا يخص نخبة الشباب وحدها؟ هذه الأسئلة نحاول تقديم إجابات عنها في هذه السطور.

عم نتكلم.. ماذا يقدم الفيس بوك للعرب؟

نحن نتكلم عن السمات الثقافية للحضور العربي على موقع فيس بوك. ولدينا هنا 3 مفردات لنلقي عليها الضوء سريعا قبل أن ندخل في صلب. وسبب رغبتنا في تحديدها أنها عناصر فارقة في تحديد كيفية ونطاق تناولنا لهذا الموضوع الذي لا تزال المعلومات فيه قاصرة ومحدودة برغم أن المفترض بالعالم الرقمي أن ييسر لنا الحصول على مثل هذه المعلومات والبيانات؛ وذلك بحكم تعريف كلمة رقمي التي تعني في النهاية أن كل شئ مجهز لكي يستوعبه الحاسوب. وبرغم هذا التوجه التقني العالمي؛ إلا أن ذلك لا يفيد في التعرف على أبعاد التعامل البشري مع الإنترنت. ففي كثير من الأحيان تعطينا مواقع الإحصاءات نتائج متضاربة تتنافى ومعنى الرقمنة Digitization؛ وبخاصة عندما تكون الفوارق كبيرة لا تقع ضمن هامش الخطأ التقديري للمعالجات الإحصائية. وعندما نقترب من المنطقة العربية تزداد الحالة الضبابية ويندر أن نحصل على رصد معلوماتي أو بياناتي دقيق. وهو ما سنحاول في هذه المساحة التغلب عليه عبر الالتفافات المعتادة على أوجه قصور البيانات.

ويرجع اهتمام الشباب العرب بموقع فيس بوك إلى أن هذا الموقع تجاوز في قدراته التواصلية كل الإمكانات التي كانت تتيحها الإنترنت الكلاسيكية من ماسنجر ومجموعات بريدية ومنتديات.. إلخ. فهذه الخدمات لا تحقق درجة الإشباع في التواصل، حتى ولو بلغت أوجها التقني عبر آليات Web Cam وVideo Conferences. وفيس بوك هو موقع من ضمن مواقع الإنترنت الجديدة التي ثارت على إنترنت كانت بمثابة كشك لبيع الصحف. كانت الإنترنت القديمة حكر على أصحاب رؤوس الأموال، يقوم فيها من يملك بعض رأس المال بإنشاء المواقع؛ وتوجيه الرسائل الاتصالية لمن يشاء وقتما يشاء؛ بينما يحرم عموم مستخدمو ومرتادو الإنترنت من هذا الحق المرتبط بإتاحة الإنترنت. ولم تلبث هذه الإنترنت القديمة التي كانت معروفة باسم www أن تحضرت لتذهب في غياهب التاريخ لتحل محلها كل من Web 2.0 وWeb 3.0. هذان الجيلان الجديدان؛ أو هذان المكونان للإنترنت الجديدة قضيا على أوليجاركية الإنترنت القديمة؛ وجعلا شبكة الإنترنت الجديدة أكثر ديمقراطية. ولأن الإنترنت تطورت في بيئة ديمقراطية فقد تبدت هذه الثقافة في تطوير آليات لمعاونة الجميع، وبخاصة الشرائح الاجتماعية التي لا تملك الثروة على رفع صوتها ليسمعه الجميع. هذا التطوير المرتبط ثقافيا ببيئة نشأته دفع الإنترنت الجديدة للتمركز حول مستخدم الإنترنت، وصارت مواقعها تدشن لا لخدمة مالكي رؤوس الأموال وحسب؛ بل لخدمة الجميع؛ بما في ذلك أصحاب الثروة، وبدأت هذه الديمقراطية الجديدة أونلاين بتكريس مواقع المدونات وتطويرها مثل Blogger وTIG، ثم مواقع الوسائط مثل Flickr وPicasa، وغيرها، ثم مواقع المساحات التي كانت تحاول الاقتصاد في مساحات التخزين، ثم ظهرت موجة مواقع التشبيك مثل Hi5 وOrkut التي لم يلبث موقع Face Book أن قفز بينها وتجاوزها بمجموعة خصائصه المتميزة التي لا يتسع المقام لذكر جميعها، لكن ما لابد من ذكره هنا هو قوته التشبيكية. فأهم خواص المرحلة الآنية للإنترنت أنها تتسم بسمة لابد من الاعتناء بها أيما اعتناء. ألا وهي بناء المجتمع أونلاين Community مع تزويد الخدمة التفاعلية جنبا إلى جنب. وليس المقصود ببناء المجتمع هنا أن الإنترنت الآنية تعمل كما سابقتها عن طريق توفير مساحة أو بند للمجموعات البريدية على نحو ما هو حاصل في، فالمجموعات البريدية صارت تاريخا نحكيه، ولا يمكن اعتبارها أداة فعالة اليوم. إن الفكرة التفاعلية اليوم صارت ترقى بالإنترنت على مستوى Cyber نفسه وليس المستوى Virtual إلى أن يكون بيئة تواصلية وملتقى في ذاته، وليس مجرد موقع به عدة أنشطة ما بعد تفاعلية. هذه الخاصية تجعلنا لا نتعامل مع الجانب التشبيكي والتجميعي للناس باعتباره أحد خدمات الموقع، بل باعتباره خدمة بينية بين كل الخدمات الأخرى. فالأصل في هذه المساحة التشبيكية أنها الهدف من وراء بناء كافة التطبيقات، وعليه فإن توصيفها بأنها بينية أو روح تسري في كل الخدمات التي يوفرها الموقع لابد وأن يكون السمة الأبرز والأوضح. حيث يمكن للمستخدم من خلال هذه الخاصية أن يستعرض كل التطبيقات ما بعد التفاعلية المتوفرة في الموقع من دون أن يضطر لقطع التواصل من أجل الانتقال من خدمة لأخرى. ففي هذه المساحة؛ يمكن للمستخدم ومن يشاركونه التجمع Community أن يتصفحوا كل المواد التي بين أيديهم، وتتاح لهم تحتها ومعها مساحات للنقاش، وأدوات تعبيرية مختلفة. والأكثر من هذا أن النزوع التشبيكي لهذه الإنترنت الآنية يجعل من عملية التعارف معلما بارزا من معالمه. فلم تعد هذه الوظيفة من مختصات برامج الزواج وإيجاد الرفيق التي باتت تاريخا، وإن كانت – عمليا – لا يزال ثمة إقبال على ما تقدمه من خدمة. والتطبيقات العاملة في هذه المساحة تضع إمكانيات متعددة لتوفير التعارف، وتعتمد مفاهيم حيوية في هذه المساحة، ولعل أهم هذه المفاهيم مفهوم Network الذي ينبه المنتمين إلى شبكة ربط معينة (بلد أو مدرسة وجامعة أو عمل) أن يلتقوا بعضهم البعض ويتعارفوا، ومنها مفهوم Match الذي يتيح للعزاب أن يتعارفوا، أو مفهوم Group وهو أقل هذه التطبيقات استخداما وشيوعا ويتيح الالتقاء على هدف ما للنشطاء، أو مفهوم Fan الذي يتيح تشكيل رابطة للإعجاب بشخص ما أو ظاهرة ما، أو مفهوم User الذي يتيح لمستخدم تطبيق معين أن يتعرف على أنشط مستخدمي هذا التطبيق، أو مفهوم Birthday لمواليد نفس اليوم.. إلخ. والمراقب لهذه السمة التعارفية يجد أن مفاهيم التشبيك في إطارها قد اتسعت. فقديما كنا بالكاد نتعرف على مفهوم المجموعة البريدية Group باعتباره المفهوم الأكثر انتشارا، يليه مفهوم Match. أما اليوم فقد صار لكل تطبيق إنترنت شبكته الخاصة، ولكل درجة انتماء شبكتها الخاصة، ولكل رمز بشري وغير بشري شبكته الخاصة. والأكثر من هذا أن دعوة الفرد لمجموعة من أصدقائه يجعلهم شركاء في دائرة تشبيك الصداقة بصورة تلقائية. ويمكن لأي مستخدم لهذه النوعية من مواقع الجيل الرابع أن ينشئ أية دائرة تشبيك يشاء. من المفاهيم المهمة جدا في صدد إنشاء أي موقع تشبيكي هي الخصوصية. وهو مفهوم يعني حماية أية بيانات تخص مستخدم الموقع؛ سواء أكانت بياناته الشخصية أو أصدقاؤه أو أنشطته. لكن الأكثر أهمية وإشباعا للإنسان العربي في فيس بوك أنه جعل هذا التواصل عبر أشكال متجددة وثرية وقوية المحتوى عبر ما يمكن تسميته بمنصة التطبيقات أو Application Platform. شكل منصة Platform لإنتاج تطبيقات تفاعلية تشبيكية صغيرة الحجم، ولم يقف الموقع عند حدود توفير هذه التطبيقات؛ بل تتوفر أيضا إمكانية تزويد المستخدمين للموقع بتطبيقات تفاعلية تشبيكية من بنات أفكارهم، مع سماح بنية الموقع باستقبال التطبيقات الجديدة بدون مشكلات تقنية. والتطور الأهم في هذه السمة الآن يتمثل في أن هذه المنصة تتيح الفرصة للمستخدمين بتكوين برامجهم التشبيكية الخاصة عبر إيجاد نمط أو أكثر من التطبيقات القابلة للتقييف Customization وتغيير المحتوى.

وهناك عدد كبير من التطبيقات التي يمكن لمستخدمي الموقع تطويرها وإضافتها، وتتركز هذه التطبيقات في مجال التطبيقات التي تستوعب الصور بصفة خاصة، وهي تطبيقات يمكن للمستخدمين استيعابها لإنتاج تطبيقات جديدة محدودة في مجال تقديم أشكال تعبيرية جديدة، أو تطبيقات للهدايا أو للحيوانات أو للطيور أو للورود أو لأغلفة الكتب أو للأطعمة. وهذه البرمجيات تعكس ثقافات صانعها. فمع هجمة الأسيويين المسلمين على موقع مثل Face Book وجدنا أن البرمجيات المتعلقة بالثقافة الأسيوية زادت بدرجة كبيرة. أما النوع الثاني الشائع فيتمثل في تطبيقات API التي تتيح تجميع الأخبار والعروض الكتب من مواقع يتم تحديدها سلفا عن طريق مطور التطبيق.

ولا شك في أن الحديث عن هذا المستوى من التشبيك يجعل من الضروري الحديث عن الخصوصية التي يتعامل في إطارها فيس بوك على ثلاث مستويات، أولها الخصوصية في مواجهة التطبيقات؛ حيث إن المعروف أن التطبيقات يمكنها الوصول للبيانات الشخصية للمستخدمين، ومن خلال هذا الوصول يمكن لأي أحد أو جهة التعرف على بيانات هذا الشخص. ومن هنا فإن أول معاني الخصوصية المتوفرة بمواقع الجيل الرابع أنها تمنح المستخدم حق الخصوصية في مواجهة التطبيقات، بحيث تتعرف التطبيقات على بياناته وأنشطته لكن لا تشاركها إلا بإذنه المباشر المتمثل في مربع الموافقة. وثاني مستويات الخصوصية تلك الخصوصية في مواجهة الأعضاء؛ فقد يكون المستخدم عضوا في أكثر من دائرة تشبيك، وليكن العائلة من ناحية والأصدقاء من ناحية ثانية، وهو لا يريد لدائرة الأصدقاء الاطلاع على نشاطاته العائلية، ناهيكم عمن لا يدخلون ضمن دوائر تشبيكه. وبهذا يكون للمستخدم أكثر من دائرة تشبيك يتحرك فيها بحريته. أما ثالث مستويات الخصوصية فهي الخصوصية في مواجهة الموقع ورغباته الاقتصادية (الإعلانات). حيث يمنح الموقع حصانة لبياناته من الاستخدام التجاري، وبخاصة الإعلاني، باستثناء تلك الإعلانات التي تتبع الآي بي الخاص بكل جهاز. ولا شك في أن الشباب العربي سينبهر بهذا المستوى الرفيع من احترام الخصوصية وتقديرها برغم أنها لا تزال منقوصة بعض الشئ. ومرد ذلك الانبهار إلى افتقار البيئة العربية لمثل هذا التقديس فيما يتعلق بخصوصيات الشباب، فهي خصوصيات منتهكة دوما على مستوى الأسرة والشارع والحكومة.

هذا عن فيس بوك وما يقدمه من إغواء للشباب العربي. فماذا عن الشباب العربي نفسه على فيس بوك من جهة البيانات الأولية. ومن خلال البيانات المتاحة يمكننا الإشارة إلى أن مستخدمي في العالم العربي فنجد عددهم يبلغ 31.638.640 نسمة، منهم 20.115.440 نسمة في الجناح الأفريقي، و11.523.200 نسمة في الجناح الأسيوي. والمرتبة الأولى من حيث الاستخدام الفعلي للعرب هي للسعودية في المرتبة الأولى، ثم كلا من مصر والمغرب في المرتبة الثانية ثم السودان، تليها الجزائر ثم الإمارات. أما عن نسبة الزيادة والتوسع في استخدام الإنترنت فتأتي في إطارها الصومال في المرتبة الأولى تليها السودان ثم المغرب ثم سوريا ثم الجزائر فالسعودية. وتبلغ الشريحة الشبابية الواقعة ما بين 18 و35 عاما ما نسبته 74% من جمهور الإنترنت. وهي الشريحة الأكثر أهمية بالنسبة لغالبية المواقع، وهي تكاد تكون الشريحة الحصرية التي تستهدفها الإنترنت الجديدة برغم أن هذه الإنترنت متاحة للجميع بموجب ديمقراطيتها التي أسلفنا الحديث عنها. ويبلغ عدد أعضاء موقع فيس بوك في أول عام 2008 حوالي 90 مليون عضوا ليسحب امتيازات العدد من المواقع في جميع أنحاء العالم؛ ومنها مواقع مثل AOL وMy Space وحيث لا إحصائيات مؤكدة يوفرها موقع فيس بوك أسوة بعدد من المواقع التي يتسم أداؤها بدرجة شفافية عالية، تشير تقديرات الخبراء إلى أن من بين عدد مستخدمي الإنترنت من العرب البالغ عددهم حوالي 32 مليون مستخدما يبلغ تعداد العرب الأعضاء في موقع فيس بوك حوالي 6.4 مليون مستخدما، منهم في مصر وحدها 750 ألف مستخدم. هؤلاء الملايين الذين يزيدون على الستة هم من سنحاول تقديم قراءة في سمات حضورهم الثقافي. التي شهدت مع توسع فيس بوك تراجع العضوية فيها بمعدل 10% في الوقت الذي يتنامى فيه معد التسجيل في فيس بوك؛ مما يعني أن توسع هذا الأخير يتم على حساب المواقع المنافسة.

ولكي يتفق الكاتب مع القارئ؛ فإن السمات الثقافية للحضور العربي على فيس بوك تعني أن ندرس محتوى ما يمارسه العرب على الفيس بوك من حالة قيمية تتعلق بتوجيه سلوكهم على فيس بوك. هذا يعني أننا لا نهمل أي جانب من الجوانب الحياتية العملية باعتباره أن مسماه بعيد عن مجال الثقافة، بل نعتبر أن جزءا من الحالة القيمية ينصرف لتأسيس نمط وعي ثقافي يحكم هذه المساحة من مساحات سلوكنا الاجتماعي على فيس بوك.

البنية التحتية للحضور العربي على فيس بوك

قبل الخوض في سمات الحضور الثقافي والاجتماعي العربي على فيس بوك؛ لابد من التعرف على البنية التحتية لهذا الحضور، وأن نقدم خلفية إحصائية حول هذا الحضور. والبنية التحتية كما نرتئيها تتمثل فيما يوفره فيس بوك من أهم خصائصه التي تميز بها عن غيره من المواقع؛ والتي تتمثل في توفيره منصة تطبيقات ويب عظيمة القيمة صغيرة الوزن في آن. هذه المنصة لا تتوفر بالموقع منذ لحظة اكتساب الفرد عضويته، بل يتولى الفرد بنفسه بناء مجموعة التطبيقات التي يريد التعاطي معها. ومن هذه اللحظة يمكن الشروع في دراسة البنية التحتية التي يستفيد بها العرب في صوغ سمات وملامح حضورهم الثقافي على فيس بوك. وبطبيعة الحال؛ لن يمكننا هنا تقديم دراسة مبنية على مسح حصري لكل الوجود العربي على فيس بوك، فرقم 6 مليون عضو لا يمكن تقصيه في مقال، ولكن يمكن القول بأن لدينا عينة عشوائية تبلغ حوالي 1500 عضوا؛ هذه العينة يمكن القول بأنها تمثل مختلف أطياف الحضور الشبابي العربي على هذا الموقع. فمنهم ذو التوجهات الثقافية النخبوية، ومنهم الشباب الذي يمكن اعتبارهم ممثلين لحالة رجل فيس بوك العادي – إن جاز لنا أن نقيس هذا المصطلح على مصطلح رجل الشارع العادي Lay Man.

ومن هذا المنطلق نبدأ لنقول بأن فيس بوك يملك حوالي 19 فئة من التطبيقات جلها من التطبيقات القائمة على مبدأ التشبيكي والبقية الباقية تعتمد نفس المبدأ التشبيكي والاجتماعي وإن كانت وظيفتها المركزية ليست التشبيك، هذه الفئات تتمثل فيما يلي: تطبيقات عرض الفيديو، وتطبيقات عرض الصور، وتطبيقات الاستماع للموسيقى، وتطبيقات أجندات الأحداث، وتطبيقات مجموعات الاهتمام، وتطبيقات التدريب، والدردشة، والمواعدة، والرياضة، والموضة، والألعاب، وتطبيقات عرض وجلب الأخبار السياسية، وتطبيقات تبادل الرسائل، وتطبيقات تداول وتشارك الملفات، وتطبيقات ذكريات السفر والرحلات، وتطبيقات استعراض الأطعمة والمشروبات، والتطبيقات ذات الطبيعة الاقتصادية، وتطبيقات الترفيه التي لا دلالة ثقافية لها في غالب الأحيان، وتطبيقات الهدايا التي تتعاظم أهميتها الثقافية، وتطبيقات التعبير عن الحالة النفسية.

ومن خلال استعراض العدد العشوائي من الأعضاء العرب (1500 عضوا) الذين تصفحت صفحاتهم الخاصة Profiles، والذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 و35 عاما، عبر فترة ليست بالقصيرة من الزمن، يمكن القول بأن أكثر التطبيقات شيوعا لدى هؤلاء تتمثل في تطبيقات عرض الفيديو التي تنتشر بصورة مطلقة 100% بين العينة، توازيها تطبيقات تبادل الرسائل 100%، توازيها تطبيقات عرض الرسائل 100%، تليها تطبيقات الترفيه بحضور يبلغ 80% من العينة، ثم تطبيقات الهدايا بنسبة 70%، تليها تطبيقات المواعدة التي تنتشر لدى 57% من العينة، ثم تطبيقات مجموعات الاهتمام التي تحضر بين العينة بنسبة 35%، ثم تطبيقات الأحداث بنسبة 30%، وتوازيها تطبيقات التعبير عن الحالة النفسية (نصوص – رسوم جرافيك تعبيرية Emotions). بينما تكاد تختفي تطبيقات التدريب والعرض الصوت والموضة والتطبيقات الاقتصادية وتطبيقات الدردشة والرياضة وتبادل الملفات.

إطلالة عامة على الحضور العربي الثقافي والاجتماعي

لو تابعنا بعض تفاصيل حضور هذه الفئات من تطبيقات التشبيك وعرض المحتوى على فيس بوك لدى الحضور العربي؛ وذلك خلال فترة تصل إلى 6 أشهر من الزمن، سنجد أن التطبيقات التي تبرز الحضور الثقافي تتمثل في تطبيقات عرض الصوت والصورة والفيديو والرسائل والهدايا، نجد لها ما لمسناه من حضور ذو وزن عالي في الصفحات الشخصية للعينة، لكن لابد من القول بأن هذا الحضور الطاغي لهذه التطبيقات لم يترجم نفسه في صورة حضور ذاتي ثقافي واجتماعي.

فمن خلال وقفة تأمل للمحتوى الذي يتم عرضه في تطبيقات عرض الفيديو لدى العينة محل التأمل نجد أن المعروض في هذه التطبيقات تبلغ نسبة الحضور الأجنبي فيه 65% بينما نسبة الحضور العربي لا تزيد على 35%. ويغلب على هذه النسبة 35% أن تكون لقطات تسجيلية أو ملفات فلاشية تتضمن عبارات وصور دينية وتربوية. وغالبية الفيديو الذي يمكن القول بأنه يشكل 20% من نسبة الحضور العربي في تطبيقات عرض الفيديو تكون تسجيلية ذات طابع سياسي. بينما نجد أن تطبيقات عرض الصور تبلغ نسبة الصور الشخصية فيها 50%، والترفيهية 20%؛ بما في ذلك مساحة من الصور الإباحية الطابع، ونفس النسبة نجدها لصور تحمل عبارات دينية يغلب عليها أن تكون إسلامية مع حضور متواضع للصور التي تحمل عبارات مسيحية، وأخيرا تتبقى 10% من الصور التي يمكن القول بأن جلها الأعظم صورا سياسية.

أما تطبيقات عرض الرسائل فتتراوح نسبة الرسائل الشخصية فيها ما بين 30% إلى 35%، وتبلغ نسبة الرسائل الوعظية فيها حوالي 25%، والرسائل السياسية 20%، ورسائل إعلانية 10%، توازيها نسبة رسائل التطبيقات الأخرى 10%. ومجمل رسائل الوعظ والسياسة تكون بالنص العربي، مما يجعل تأثيرها وفاعليتها داخل مساحة العضوية التي تفهم اللغة العربية.

ومن الأمور المهمة التي لابد من أن نلفت الانتباه إليها أن تطبيقات الهدايا تحمل دلالات ثقافية عدة. فخلال فترة تركيز الكاتب على تصفح موقع فيس بوك، والتي استغرقت ما يربو على 6 أشهر، وجدت أن نسبة 60% من تطبيقات الهدايا تحمل طابعا ثقافيا. وخلال الفترة المذكورة شهد الكاتب هجمة تطبيقات آسيوية غزت موقع فيس بوك، وكانت هذه التطبيقات من صنع مستخدمين عاديين وليست من صنع مطوري برامج، وغلب على هذه التطبيقات أن تكون تطبيقات صور، لكنها كانت متفاوتة الوظائف. فبعض هذه التطبيقات صور لأكلات شعبية في مختلف دول شرق وجنوب آسيا، وبعضها كان صورا لمعالم سياحية بهذه الدول، وبعضها كان صورا لهدايا تذكارية لا يمكن لأي سائح يزور هذه الأماكن أن يغادر من دون الحصول على تذكارات منها، وبعضها صور لعادات شعبية مثل الملابس اليابانية المميزة لفتيات الجيشا في اليابان أو بعض الرياضات محلية الطابع مثل رياضة السومو، وبعضها كان صورا لما يجسد بعض الخصائص السكانية، ولعل أهمها صور لفتيات آسيويات؛ بعضها إباحي فاضح – كليا أو جزئيا - وبعضها محتشم يشير للجمال العام لشكل سكان هذا الجزء من العالم من دون إثارة.. إلخ. فكما سبق وقلنا نجد أن هذه التطبيقات حاضرة عند 70% من العينة، لكن نسبة إضافة الجديد لهذه التطبيقات كانت محدودة جدا. فالمصريون فقط هم من أنتجوا تطبيق أو تطبيقين يعكس مصريتهم، أما بقية المنتمين لدول عربية أخرى لم ينتجوا سوى عبارات المجاملة الاجتماعية والدينية: إسلامية ومسيحية، بما لا يكافئ نسبة حضورهم العددي. ولو أننا عرفنا أن نسبة العرب لإجمالي أعضاء فيس بوك هو 7%؛ فإننا يمكن أن نشير إلى أن إسهامهم في تحميل تطبيقات الهدايا بقيمهم الثقافية لا يكاد يبلغ 2%.

وفي المقابل، فإن تطبيقات المواعدة والترفيه التي تنتشر بين 80% من إجمالي العينة هي تطبيقات تحمل كلها الطابع الغربي، وإن كان الحضور العربي بها كثيفا. وفيما يلي من عرضنا للسمات سنعرج على هذه المسألة بقدر من التفصيل لا يتسع له المجال في بند إطلالة عامة.

لكن لو نظرنا لبعض التطبيقات الثقافية الصرفة مثل تطبيقات عروض الكتب، وتطبيقات التعليم والتدريب، لا نكاد نجد الإسهام العربي فيها يتعدى 1%؛ سواء أكان هذا الإسهام مجرد استحضار للتطبيقات أو كان مشاركة مباشرة.

لكن لا يفوتنا أن نضيف أن التطبيقات الثقافية الأكثر حضورا في الأوساط العربية هي التطبيقات التي تتعلق بالأحداث ومجموعات الاهتمام، وهي وإن كانت حاضرة لدى نسبة % من العينة، إلا أنهم يتعاملون معها بدرجة كثافة تجعل إسهامها في الوزن الثقافي العربي يفوق الوزن النسبي لحضورها. فلو كانت نسبة حضورهما تتراوح ما بين 30% و35% من بين إجمالي الجمهور العربي، إلا أن كثافة استخدامهما يمكن أن تبلغ 50% من إجمالي توظيف التطبيقات ما بين أعضاء العينة محل النظر.

سمات الحضور العربي: اجتهاد

في هذا الجزء أحاول أن أرصد مجموعة من السمات العامة للحضور العربي على فيس بوك اجتماعيا وثقافيا. وأود أن أضيف أن منهجي كتابة هذا الجزء مكون من أداتين أولاهما الملاحظة المباشرة، وثانيهما من خلال بعض الحوارات التي تبادلتها خلال تجوالي في فيس بوك مع بعض أعضائه. غير أن الأهم الذي أود الإشارة إليه أني حاولت قدر طاقتي أن أكون موضوعيا؛ لكن برغم هذا لا أدعي أن 1500 حالة من بين أكثر من 6 مليون حالة يمكن أن تكون مصدرا لإضعاف القول بأن هذه السمات موضوعية. ولهذا عنونت هذا الجزء من المقال بأنه محض اجتهاد تحرى بعض العلمية – احتراما لعقل القارئ وتقديره - لكنه قصر عن أن يكون علميا بدرجة صدقية وتعميم عالية، ولا يخفى أن في الإفصاح عن وجه القصور هذا تعبير عن عمق تقدير الكاتب لعقل القارئ.

أ – يمكن القول بصفة عامة بوجود انقسام بين الشباب العربي في فيس بوك بين استخدام هذا الموقع في إطار هدف اجتماعي، وبين استخدامي لتحقيق هدف نفسي. والهدف النفسي يتمثل في استخدام الموقع لغرض الترفيه والتواصل الممتع؛ سواء أكان هذا الإمتاع بدلالته الجنسية أو بدلالته التي تحملها التطبيقات الشيقة التي يعرضها فيس بوك. وتبلغ نسبة مستخدمي فيس بوك لغرض الترفيه والتواصل الممتع قرابة 60% من الشباب العربي المستخدم للموقع. أما الجانب الآخر من الاستخدام فيتوجه للاستخدام ذي الطبيعة الاجتماعية، والذي يغلب عليه أن يكون إما السياسة والإصلاح السياسي في الوسط العربي، أو التبشير بالدين والدعوة إليه والتذكير بتعاليمه واستحضاره في التعامل على مستوى البيئة الافتراضية، أو في الحث على فعل الخير ومباشرة النشاط الإغاثي المتمثل في مساعدة الفقراء وذوي الحاجة. ومن نافلة القول أن نشير إلى أن نسبة المتعامين مع فيس بوك من هذه الفئة يبلغون حوالي 40% من الشباب العربي.

ب – رصدت من خلال مطالعتي للعينة التي تجولت معها بموقع فيس بوك أن شريحة من المستخدمين لهذا الموقع في مجال الترفيه والتواصل الممتع إلى أن تعاملهم مع هذا الموقع لغرض التواصل يتم في إطار من الالتزام بالطابع المحافظ للثقافة العربية؛ بمعنى خلو نمط تعاملهم للتواصل من التواصل مع تطبيقات إباحية أو تطبيقات مواعدة لغرض اختراق الطابع المحافظ للمجتمع، وتبلغ نسبة هؤلاء حوالي 40% من نسبة 60% هم مستخدمو الموقع لغرض التواصل الممتع والترفيه (أي حوالي 20% من إجمالي مستخدمي الموقع من العرب). بينما النسبة المتبقية تتعامل مع فيس بوك باعتباره وسيلة للتواصل مع الجنس الآخر؛ سواء في إطار قومي أو في إطار يتجاوز حدود العالم العربي، ومن هؤلاء نسبة تبلغ 25% يستهلكوا المحتوى الجنسي الذي تقدمه هذه التطبيقات بصورة تحضر على صفحاتهم الشخصية على الموقع Profiles.

ج – من خلال بعض الحوارات التي دارت بيني وبين بعض الشباب المنتمين لهذه الشريحة التي تتعامل مع الموقع لغرض التواصل مع الجنس الآخر، علمت أن نسبة منهم كانت مهووسة في بداية تعاملها مع الموقع بالمحتوى الجنسي الذي تتيحه هذه التطبيقات، لكن هذا الهوس تراجع إلى حد كبير، وبخاصة بين أولئك الذي بدأ تواصلهم مع الجنس الآخر يقتصر على التعارف وتبادل النكات والمشاعر الاجتماعية العادية وتكوين الصداقات التي لا تتصاعد لدرجة ممارسة الجنس الافتراضي، بينما لا تزال نسبة 25% يستخدموا فيس بوك لممارسة الجنس الافتراضي، ولهذا النوع من الجنس حضوره بهذا الوزن في صفحاتهم الشخصية.

د – هناك اتجاه متنامي داخل فيس بوك لاستثمار هذا الموقع في مجال الإغاثة وعمل الخير. ويمكن القول بأن هؤلاء يمثلون 25% من مستخدمي الموقع لغرض تحقيق هدف اجتماعي. ويتحرك هؤلاء لتحقيق أهداف من قبيل تزويد الفقراء بأغطية تلائم برد الشتاء، والتبرع بالدم، وإطعام الفقراء، والتبرع للجمعيات والمنظمات التي تساعد الفقراء.

هـ - ومن الشريحة التي تستخدم فيس بوك أيضا لتحقيق غرض اجتماعي نجد تلك الشرائح التي تنشط لتحقيق أهداف توعية سياسية، وتنتشر هذه الشريحة في دول قلب وشرق العالم العربي، وتكاد تقتصر في أفريقيا على مصر، بينما في الخليج نجد بينهم سعوديون وعراقيون وكويتيون ويمنيون. ولا يعني هذا نفي حضور النشاط السياسي عن كل الدول العربية، لكن المؤشرات التي سقناها هي تلك الحالات التي تعكس توهجا في الحضور. وبعض الحضور العرب في هذا الصدد ناشطون حقوقيون معروفون في العالم العربي يحاولون استثمار إمكانات هذا الموقع لتكوين رأي عام عربي موات لفكر نقد ومراجعة التصرفات الاستبدادية والمشينة لبعض الحكام، وحتى تلك الدول التي لا تقترف حكوماتها تصرفات مشينة نجد النشاط السياسي المرتبط بها على فيس بوك يكتفي بالمطالبة بتوسيع نطاق الحريات. ويقترن بهذا النشاط المعارض نشاط محدود موال للحكومات، وتبلغ نسبة المنخرطين في الأنشطة السياسية والأنشطة الثقافية المرتبطة بتوفير مردود سياسي حوالي 25% ممن يستخدمون الموقع لغرض تحقيق هدف اجتماعي.

و – وينضم أيضا لفئة مستخدمي موقع فيس بوك لغرض تحقيق هدف اجتماعي أولئك الناشطين من كل الدول الذين يستخدمون فيس بوك تحت لافتة دينية، ونسبة المسلمين منهم تبلغ حوالي 95%؛ بينما 5% فقط من المسيحيين، وهو أمر ربما يرتبط بالحضور العددي للمسيحيين العرب على مستوى العالم العربي. ويبلغ إجمالي من يرفعون اللافتات الدينية حوالي 20% من مستخدمي الموقع من العرب لغرض تحقيق هدف اجتماعي. وتجدر الإشارة إلى أن تقسيم مستخدمي الموقع لغرض تحقيق هدف اجتماعي بين هذه الفئات الثلاثة لا يعني أن هذه الفئات منفصلة كل على حدة، بل هناك تداخل بين نشطاء سياسيين يرفعون اللافتة الإسلامية ونشطاء إغاثيين يرفعون اللافتة الإسلامية، ونشطاء يرفعون اللافتة الدينية المحضة. ويندر بين المسيحيين العرب أعضاء فيس بوك أن نجد من يقرن اللافتة الدينية باللافتة السياسية، لكن ليس نادرا أن نجد مسيحيين يرفعون اللافتة الإغاثية.

وبعد، كانت هذه قراءة في أهم وأبرز سمات الحضور الثقافي والاجتماعي للعرب على موقع فيس بوك. ويمكن القول بأن مساحة استخدام الموقع لغرض تحقيق هدف اجتماعي مرشحة للزيادة والارتفاع، وبخاصة مع استمرار تعرف الشباب العربي على الإمكانات التدريبية والتعليمية لهذا الموقع، وأيضا في إطار تسارع معدل التراكم التقني الذي يجعل هذا الموقع ممتعا في التعامل معه لأي غرض كان ترفيهيا أو اجتماعيا أو تعليميا تدريبيا.

2008-08-03

فتوى الغاز.. وتجديد البنية المؤسسية الفقهية


From Palestinian Intefadah

ألم يراع فقهاؤنا الدم المسلم العربي الذي تريقه قوات الاحتلال كل يوم

مع انتقال العقل المسلم من مرحلة الأزمة إلى مرحلة التصحيح، ومن دائرة الانكسار الحضاري والخضوع والتقليد لدائرة الوعي بنسبية وضع الآخر الحضاري (المستعمر سابقا)، وإمكان اللحاق به، بل سلوك مسالك تنمية بديلة للمسالك التي يطرحها علينا، ومع صمود تجارب حضارية متعددة تجاوزت المستعمر ومكانته قبل ثروته، مع هذا كله بدأنا نشعر أن الدور المركزي للفتوى يتغير.
فضيلة الدكتور علي جمعة.. نجل قدره برغم اختلافنا معه

الفتوى العامة بين الأمس واليوم


المقصود بالفتوى العامة هنا ليس ما يذكره البعض من مفهوم فتاوى الأمة؛ وهو مفهوم بالغ الأهمية، بل المقصود بالفتاوى العامة هنا تلك الفتاوى التي تتمتع بقدر من الشيوع والذيوع يقصد به المفتي التأثير على مجمل الحياة الاجتماعية بالقطر الذي يحيا به.

قبل نصف قرن من الزمان كان نمط التحدي الذي يفرضه الظرف التاريخي على دعاة الدين وحاملي لوائه متمثلا في توجهين:

أولهما: توجه حصر الدين في الحياة الخاصة، وهو مطلب العلمانية.

وثانيهما: توجه إخلاء الحياة الخاصة من حضور الدين، وهو أمر كان يتم عبر استبدال كافة المؤسسات الموروثة بمؤسسات بديلة، أو تفريغ المؤسسات الموروثة من مصادر الفاعلية التربوية الدينية منها، ولننظر للضغط باتجاه تفكيك مؤسسات الأسرة، وتراجع قيمة العلم والتعليم الشرعي، وابتذال صورة الدعاة، بل ابتذال صورة المعلم المدني نفسه في النهاية.

وفي إطار مناخ التحدي كان من الطبيعي أن يجري انقسام بين دور المفكر ودور المفتي، فصار المفكر يتصدى كلية لمواجهة نمط التحدي الأول، العلمانية وأجندتها، واتجه المفتي – عبر الفتاوى العامة - للتركيز على حضور الدين في حياة الفرد والأسرة والتكوينات المجتمعية الصغيرة، ولم يكن للمفتي من دور فيما يتعلق بالتحدي الأول اللهم إلا بعض المحاولات لوقف اندفاع الناس في اتجاه التغريب.

أما التحدي اليوم فقد صار مختلفا، فإن دور المفتي في وقف اندفاع الناس في طريق التغريب أنتج ردة فعل حاولت إلهاء الفقه في مساحة العبادات التي يتفق كثير من المفكرين على أنها تضخمت بشدة خلال القرن المنصرم، لكن هذا الضغط أدى – عبر آليات المقاومة الطبيعية – إلى إنتاج الحركات الإسلامية منظومات فقهية محدودة في المجال الاقتصادي والاجتماعي والسياسي اكتسبت قوة دفع ذاتية عبر الثروة النفطية التي نفعت الأمة علميا وشرعيا أكثر مما أضرتها، على حد تعبير مفكرين مثل فؤاد زكريا وآخرين.

ما حدث اليوم هو أن المساحات التي تصدى لها المفكرون تفرعت في اتجاهين:

أولهما: أن المفكرين الإسلاميين قد خاضوا في تفكيك وبناء مقولات اجتهادية في السياسة والاقتصاد والاجتماع.. إلخ من دون أن يسهبوا في معالجة اتجاه النهضة نفسه وكيفيته.

والاتجاه الثاني للتحدي أن قضاياهم صارت أكثر عمقا عبر التخصص، وتركيبا عبر احتياجنا إسقاط دائرة الهوية القطرية على فكرنا الذي توجه للعالمية منذ لحظة انطلاقه.

فما بال المشروع الذي راكمه المفكرون خلال نصف القرن المنصرم؟

هناك دوما صراع حول طرح إجابة السؤال: من يتقدم من.. المفكر أم الفقيه المفتي؟ وبصرف النظر عن الخلاف الذي لا يتسع له المقام، فإن تقديري أن حساسية الفقيه لتغير الشروط الكلية للظرف التاريخي الذي يتأسس عليه فقه الواقع أضعف من حساسية المفكر، بقدر ما إن ملكات الفقه والإفتاء وتجديدها وتطويعها للظرف لا تتوفر لدى المفكر، وهو ما يجعل دور المفكر سابقا زمنيا على دور الفقيه؛ بغير أن يكون للسبق دلالة تمييز أو أفضلية، بل هو سبق وظيفي كما يسبق دور طبيب التخدير دور الطبيب الجراح، ويتعاظم هذا السبق في لحظات الأزمة أو التحولات التاريخية الكبرى.

هذا الطرح يدفعني لتقدير أن تلك الملفات التي راكم فيها الفكر الإسلامي رؤى نافذة ومنضبطة منهجيا ومخدومة بقاعدة تحليل اجتماعي وثقافي جيدة، تلك الملفات انتقلت الآن من عهدة المفكر لعهدة الفقيه والمفتي، هي ملفات تحتاج اليوم إلى أن تتحول لمنظومات فقهية قوية البناء، سهلة المحتوى، ذائعة التداول، يتوفر لها تدريب عدد من الكوادر الفقهية الوسيطة.

ولدواعي الدقة في طرح الرؤية التاريخية؛ فإن عددا من أعلام الفقه وأصوله أبدوا تجاوبا رائعا مع حركة النهضة الفكرية الإسلامية، وهو ما استتبعه ظهور اتجاهات تجديد قوية في مجال الفقه كالدكتور الريسوني والدكتور الترابي والدكتور القرضاوي وغيرهم، بما صاغوا من نظريات تجديد أصولية أولا، ثم أطروحات فقهية قوية ثانيا.


خصائص الدور الإفتائي التواصلي


هذه الخطوة التواصلية التي يلتحم فيها الفقه بمنجزات الفكر فيجردها أو يفصلها، وينقدها نقدا بناء ليتواصل عقبه مع أفضل نتاج للفكر، أو ليدفع عجلة الفكر لمزيد بذل جهد يفيد مساحة التواصل بين المفكر والفقيه.

وهذا التواصل بين المفكر والفقيه بالغ الأهمية، بل يمكن اعتباره الحلقة الأخطر والأهم في مجال التجديد الإسلامي، وبعبارة أخرى، فإن عدم تصدي الفقيه للالتحام بإنتاج المفكر والتعاطي معه سلبا وإيجابا لا يعني سوى إلغاء حلقة الوصل ما بين الطرفين؛ مما يجعل المفكر وكأنه ينفخ في قربة ممزقة؛ بقدر ما يجعل الفقيه وكأنه خارج التاريخ وخارج دائرة الوعي بالطبيعة الدقيقة للتحديات التاريخية، وهو ما يعزز بالتبعية صورة الفقيه الجاهل التي كانت تكرسها كثير من وسائل الإعلام العربية حتى هذه اللحظة.

إن نقل ملف تفعيل الملفات التي تجاوزها الفكر الإسلامي برغم إقراره لها لا يعني أن جهود مفكري الأمة ستموت؛ بسبب أنهم أنهوا معالجتهم لمسائل مهمة وتوجهوا لمسائل أكبر أو أقل أهمية.

إن متتالية اعتمادية الفقه والفكر على بعضهما لا تفتأ في جدلية مستمرة سرمدية الاستمرار؛ متكاملة الأدوار، وهو ما لا يعني سوى أن من أدوار الفقيه، خاصة الفقيه الواقف على أرضية الفكر الإسلامي، أن يعمق من وعي الدوائر الأهلية بفئاتها المختلفة ومستوياتها المختلفة بمردود خلاصة جهد وإنتاج الفكر الإسلامي طيلة الفترة الماضية، وذلك ليس عبر قاموس ألفاظ جديد يستوعب مصطلحات مثل الدستور والديمقراطية ولوائح العمل، بل عبر خطاب إفتائي يعكس التجدد الفقهي الحقيقي.


الاحتياجات المؤسسية الإفتائية الراهنة


لنبتعد عن النقد غير المجدي، من المهم أن أشير إلى أنني لم أتحدث قبل عن كل خصائص الدور الإفتائي التواصلي، كما أنني هنا لن أتحدث عن كل الاحتياجات التي تلزم الإفتائية الراهنة، لكنني من واقع تفاعلي مع الحدث شعرت أن معالجة فتوى تصدير الغاز لإدارة الاحتلال الصهيوني كشفت عن غياب ملمح منهجي مهم جدا في الاتجاه العبدوي لفضيلة المفتي الدكتور علي جمعة (العبدوي: نسبة للمجدد الإمام محمد عبده).

لا يخفى على القارئ المتابع للحدث اليومي أن العالم الإسلامي كله احتفل منذ عام ونيف بمئوية الإمام محمد عبده، ولقد كان الإمام محمد عبده في منهجه حريصا على أن يوضح للكافة: عامة وخاصة، أن العلم الشرعي والعلم الدنيوي صنوان، تبدى هذا حيال رؤيته لإصلاح التعليم في الأزهر، وحيال بعض لمساته في تفسير القرآن الكريم.. إلخ. فلماذا هذا الفصل المقيت بين أجهزة المعلومات وأجهزة الإفتاء؟

وبصرف النظر عن اتباع فضيلة الدكتور علي جمعة للإمام محمد عبده من عدمه؛ فإن طبيعة التحديات جعلت موضوعات الإفتاء التي تليق أن تتصدى لها دار الإفتاء المصرية، ودور الإفتاء الرسمية في الدول الإسلامية، هذه الموضوعات اللائقة صارت ضمن فئة من الفتاوى لها وضع متميز، يسميها بعض الفقهاء والمفكرين والباحثين بفتاوى الأمة، وهي تسمية موفقة تنقل مستوى وعي الفقيه من فتاوى الأفراد لفتاوى جسيمة لا يمكن له أن يتحمل وحده مسئوليتها.

وفتاوى الأمة تعني بناء المشروع الإفتائي على قاعدة معلوماتية دقيقة حول الظاهرة محل الإفتاء، وتقدير سيناريوهاتها المحتملة، وحكم كل سيناريو فيها.

إبان تصدي دار الإفتاء المصرية للفتوى المتسائلة عن حكم بيع الغاز لإدارة الاحتلال الصهيوني، وحكم رواتب الموظفين العاملين في الشركات التي تقترف هذا الفعل، كان إنكار الأهلية للإفتاء في هذا الاستفتاء من أنكر معالم الفتوى، ولا يقل عوار القول به عن عوار الإحالة لولي الأمر ليفتي بناء على توفر المعلومات لديه عن "مصلحة الأمة"، ويبدو أن الإمام لم تصله المعلومات التي تتحدث عن بيع الغاز لإدارة الاحتلال بأقل بكثير من تكلفته العالمية، فأين هي المصلحة؟ وإن كانت ثمة مصلحة غير معلنة فهذا لا يمنع أي أحد من رفضها، فمصالح الأمة لا تقررها فئة بعينها دون مفكري الأمة وعلمائها، خاصة مع شيوع الفساد الإداري والمالي والسياسي للسلطة التنفيذية؛ مما لا تكف الصحف المصرية عن التعرض له وسرد وقائعه وتفاصيلها، أو لم يدر فضيلة الدكتور علي جمعة أن أهل الاختصاص ربما استفتوه رغبة منهم في أن يناصرهم لحماية ثروة الأمة التي يبددها الفساد؟

إن نقص المعلومات لا يعني أن على دور الإفتاء في العالم العربي والإسلامي أن تمتنع عن الفتوى، بل يعني أن دور الإفتاء تعاني نقصا مؤسسيا حادا ينبغي تداركه، ومعالجته وجبر كسره، وتقييمي كخبير معلوماتي أن جانب النقص المركزي الذي تعكسه تلك الفتوى ليس إلا من عدم وجود بنيتين مؤسسيتين:

أولاهما: جهاز معلوماتي بحثي مرن يوفر لمكتب الإفتاء قاعدة بيانات بحثية معلوماتية حيال القضايا التي تتعلق بالأمة، وتنظيم عملها يكون باستشارة خبراء ومفكرين يتولون تعريف هموم الأمة التي تحتاج دور الإفتاء للتصدي لها؛ لتكون قد أدت دورها الحقيقي، وأبرأت ذمتها أمام الله تعالى.

وثانيتهما: مكتب مشورة، يقوم على توفير منسقين مهمتهم التواصل مع أهل الاختصاص؛ لتقييم المعلومات المتخصصة المتوفرة حول قضية ما على أجندة دار الإفتاء، بما يفضي فيه النقاش إلى ترجيح رشيد دقيق لاتجاه من الاتجاهات، أو للتعبير عن مشروعية عدة بدائل وانتفاء المشروعية عن مجموعة بدائل أخرى.

إن توفير الأجهزة المعلوماتية والتنسيقية لا يعني انتفاء قدرة دور الإفتاء على المناورة للهروب من المآزق التي تضعها فيها السلطات التنفيذية ومراكز القوى، فلا تزال إمكانات المناورة متاحة؛ مع تقديرنا الكامل لهذه الرغبة في المناورة للحفاظ على هيبة واستمرار المؤسسة، لكنها تعني أنها أدت دورها التاريخي بأمانة ونزاهة.

2008-06-17

مفهوم الوسطية.. الشهادة والتفاوض واستقامة المفهوم


خلال الفترة الأخيرة من 2006 وحتى تاريخ نشر هذا المقال، بدأ حضور مصطلح الوسطية في التنامي بصورة مؤسسية مضطردة في صورة مراكز بحوث ودراسات انتشرت في دول شتى من أنحاء العالم العربي والإسلامي، كما بدأ في التمدد على صعيد أجندات المؤسسات الفكرية وفعالياتها من مؤتمرات وندوات. وترافق مع حالة التمدد هذه تقديم صورة من خارج الأمة حول الإسلام الذي يحب "الآخر الغربي" التعامل معه واصفين إياه بالإسلام "المعتدل" (مشروع تقدمت به مؤسسة راند)، وهي التسمية التي قام بعض الناظرين بتأويلها على أنها تعبير مواز في دلالته لتعبير الوسطية في دلالته الوجودية.

تجمعت عدة عوامل مهمة جعلت هذا المفهوم محط أنظار المفكرين والباحثين والكتاب، ويأتي في إطارها النهائي هذا الملف. فما هي تلك الاعتبارات؟ وكيف نقيمها؟


عندما ينفي النقاش المفهوم..

وبإزاء حالة التمدد، وخشية وصولها لدرجة ترهل في أبعاد المفهوم، وكشأن أية ظاهرة اجتماعية وفكرية تقتضى ظرفيا صحيا لتناميها واستقرارها، شرع المفكرون والباحثون والكتاب في النظر في دال الوسطية ومدلوله للوقوف على حقيقة هذا المفهوم بالنظر لما ثار حوله من خلاف أقل ما يقال عنه أنه حاد، بين من يطرح المفهوم باعتباره خاصية وجودية للأمة الإسلامية لا تحمل أية إضافة قيمية/أجندة في ذاتها، ومن يراه مشروعا ضمن المشروعات الإسلامية متسم بحالة من تجاوز الغلو والابتعاد عن التقصير، ومن يرى أن تمدده الآني صنو الترويج الأمريكي لمصطلح الاعتدال. ولا يخفى في إطار هذا الاتجاه الأخير أن هذا المصطلح لاكته ألسنة بعض الشخوص السياسية العربية المرتبطة بمشروعات الأسرلة (الخضوع للعدو الإسرائيلي) وسائر مشروعات الاستتباع، وهو ما يمنح مبررا مشروعا لأصحاب وجهة النظر القائلة باستلاب المفهوم. بمعنى آخر، هذا المفهوم يحتاج إلى وقفة جادة لأن استخدامه من ناحية؛ والنقاش حوله من ناحية ثانية كادا أن ينفيا أهميته العلمية والأيديولوجية والفكرية، والاحتياجات الاجتماعية والدعوية المرتبطة بتوفره ضمن قاموس الخطابات الإسلامية المركزية. فالتعاطي النقدي مع هذا المفهوم ذهب به مذهبا لا مركز فكريا فيه ولا قطبية يمكن حصره في إطارها وتشريحه. غير أن هذا المفهوم القرآني المصدر كان عزيزا بحيث يصعب على مفكر منتم أن يتركه نهبا للأهواء الذهنية بدون محاولة لإجلاء مركزه، وتبيين موطئه.

كان الداعي للوقوف مليا أمام هذا الدال ومدلولاته تلك الحالة من التقاطع الدلالي القوي مع مصطلح آخر طورته أطروحة الإدارة اليمينية بالولايات المتحدة لكي تنتقي من بين المسلمين من تتعامل معه. وإن كنت أرجح أنها محاولة للخروج بالإدارة الأمريكية من ورطة أجندة المقرطة والإصلاح التي كانت تتبناها لحظة وصولها لسدة الحكم؛ وتطفرت في تبني طرحها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ثم تبينت بعد عدد من اللحظات الانتخابية في عدد من الدول العربية؛ على رأسها فلسطين، أن طرح المقرطة ستكون ضحيته الأساسية هي المصالح الأمريكية باعتبار أن البديل المشروع الأساسي في المنطقة يتمثل في الإسلاميين ومشروعهم الإصلاحي.

طرحت الولايات المتحدة مفهوم الإسلام المعتدل لتعدل في سياقه عن إقامة جسور جادة للتواصل مع الحركة الإسلامية النشطة في العالم العربي، ولتستوعب الأنظمة القائمة في جناح من الحالة الإسلامية لتنتهي بالوقوف عنده باعتباره الجناح الممثل للإسلام المقبول غربيا.

غير أن المصدر الأهم للوقفة ليس نابعا من تلك الرؤية المتمركزة حول الغرب المستعمر، بل تك الرؤية الناتجة عما قادتنا إليه القراءة الأولية للمفهوم. فمن ناحية، كشف اتجاه من اتجاهات التعامل مع المفهوم أنه يعد أنموذجا لتمثل أزمة الحالة الإسلامية التي تعاني من خلل حاد على أصعدة شتى، منها الصعيد الفكري والصعيد السياسي والصعيد الفقهي، وأنها لجأت لهذا المفهوم على نحو تبسيطي مخل لتحمله كل آمالها وأحلامها في الحصول على علاج لما تمر به من أزمات على هذه الأصعدة. وهو ما أنتج في النهاية مفهوما يعاني حالة من السيولة في الدلالة، ومن التبسيط المخل في بنائه المعرفي حتى اعتبره بعض المفكرين والكتاب والباحثين عبئا على الحالة الفكرية.

ومن ناحية ثانية، يرى البعض أن الوسطية يجب الوقوف بها عند حقيقتها التي حصرها فيها القرآن، والتي تتمثل بكونها حالة أو صفة وجودية مرتبطة بخلق الأمة وتكليفها، على نحو ما أفاد المفكر أبو يعرب المرزوقي، بما يعني أنها لا تحمل مضمونا قيميا ولا مشروعا أيديولوجيا فهي محض صفة وجودية تضع الأمة في وسط حال الأمم من حولها.

أما الاتجاه الثالث فيرى أن الوسطية مشروع وليست فقط صفة وجودية. وبرغم أن ثمة طموح متكلف إلى حد ما يلف بناء الوسطية كمصطلح/مفهوم لدى عدد كبير من المفكرين والباحثين والكتاب، إلى أنهم يتجاوزون كلتا الرؤيتين السابقتين (المفهوم الدخيل – المفهوم الوجودي). وبالرغم من أن تفاصيل طرح الوسطية كمشروع تختلف جزئيا من مفكر إلى آخر، إلا أن المتفق عليه بينهم أن الوسطية توصيف للمنهج الذي كلف الله به الأمة، وأن التحلل من المنهج – إن إفراطا أو تفريطا – يعني تجاوز الوسطية التي علمنا الله ورسوله تحريها سبعة عشر مرة في اليوم الواحد على الأقل من خلال خواتيم سورة الفاتحة.


الوسطية.. محاولة للوقوف عند إشارة القرآن

الوسطية لا يمكن الاختلاف مع الدكتور أبو يعرب المرزوقي في أنها صفة وجودية، غير أن الإشكال في تحديد الخواص الوجودية يبدأ من إسناد هذه الحالة للأمة وليس للمنهج. وإذا لجأنا لتوجيه الشارع جل وعلا في آية الوسطية لعلمنا أنها ترتبط بالشهادة على الناس في إطار شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم على الأمة. إن تحديد دلالة الشهادة بإسنادها إلى الرسول لا النبي في الآية الكريمة من سورة البقرة يعني أنه ارتباط بالمنهج لا بالأمة، بدليل أن مقتضى آية الوسطية في القرآن: "ويكون الرسول عليكم شهيدا.." لا تعني إلا أن وسطية الأمة مرتبطة بالتزامها بالمنهج والسباحة ضمن تياره العام. وتكون الشهادة كوظيفة هي محور بناء مفهوم الوسطية".

غير أن ما ينبغي أن نلتفت إليه في هذا السياق أن هذه الوسطية تتسم بأمرين مهمين لا يمكن إنكارهما، بقدر ما إنه لا يمكن استنكارهما:

فمن ناحية، لابد وأن نشير إلى أن الوسطية مفهوم وظيفي يرتبط بحالتي شهادة على الناس. الحالة الأولى تتمثل في شهادة على الناس من الأمم المختلفة، والحالة الثانية تتمثل في الشهادة على الحالة الإسلامية عينها.

فالإسلام كدين نزل لمعالجة أزمات الاستقطاب الوجودي بين المادية والروحانية من ناحية، وبين الدنيا والآخرة وبين الفوضى والاستبداد وبين الترخص والتشدد. ولا يقدح في هذا الطرح أن حكماء كل الأمم التي خلقها الله كانوا يطمحون لهذا الوسيط الذهبي الذي أسماه فلاسفة اليونان بالفضيلة وصار يعرف في الكتابات اللاتينية اللاحقة بالطوباوية أو Utopia. حتى في جدلية هيجل إن كان لنا أن نستشهد بهذا الرجل عدة الميتافيزيقا، كانت الأطروحة الجديدة Hypothesis دوما نتاج تطوري للصراع ما بين الأطروحة Thesis ونقيضها AntiThesis. غير أن هذا لا يعني أن نتهكم على طرح الوسطية باعتباره حالة حسابية وسيطة بين أطروحات مثل الدين والدولة، أو الثابت والمتغير، أو الذات والموضوع. فهذه الأطروحات يكون تمدد مفهوم الوسطية لتناولها تمددا اجتهاديا لا يدخل في تقييم بنية المفهوم، وإنما قد نستخدمه لمراجعة تطور دلالة المفهوم في كتابات المفكرين والكتاب والباحثين.

أما الحالة الثانية من حالات الشهادة فتتمثل في الشهادة على الحالة الإسلامية نفسها، وهو ما ذكره لنا الله تعالى بقوله: "ويكون الرسول عليكم شهيدا..". وفي هذا دلالة على أن منهج منح الله الإسلام للأمة الإسلامية كان مختلفا عن منهج منحه نفس الدين لبني إسرائيل من قبل، وهو ما جعل انحرافهم عنه انحرافا للكتاب السماوي الذي أنزل إليهم نفسه. فالله - جل في علاه – لم يجعل الدين لدينا مرتبطا بالأمة الحاملة له بل مرتبط بتمثل المنهج والتمسك به، مما يجعل الانحراف عن المنهج مدعاة للشهادة على الأمة الإسلامية نفسها. وهذه المسألة تحتاج لمزيد توضيح، وهو ما سنتناوله في البند التالي. غير أن المعلم الأساسي لها يتمثل في أن مفتاح الشهادة هنا مقدم للأمة الإسلامية نفسها ومتروك لخاصية التعددية في فهم نصوص الأصول وإدراكها، وعدم قدرة أي طرف – من داخل الأمة أو خارجها - على حمل عموم الأمة على الالتزام بفهم واحد للأصول: القرآن والسنة. غير أن منح الأمة هذه الخاصية الوجودية لا يعني إعفاءها من أن تكون موضوعا للشهادة.

ومن ناحية ثانية، وقبل الانتقال للبند الثاني، لابد من الإشارة إلى أن مفهوم الوسطية – برغم التهكم الذي ناله باعتباره حالة هندسية ما بين نقيضين، إلا أنه قريب من هذه الصورة، بما يمكن أن نعتبره أقرب إلى المنهج تفاوضي التشغيل. فذلك المبدأ يبدأ بالتعامل مع أطروحات متباعدة كثيرا ليجمعها في النهاية عند نقطة مشتركة، أو بمفهوم القرآن الأرحب: "الكلمة السواء". ويظل دور الأمة هو الاجتهاد والاستمرار في عملية سرمدية لبناء الكلمة السواء مع الآخر طالما أن الحركة الفكرية والاجتماعية تتبدل فيها تلك المفاهيم الحاكمة لها والمسيرة لشؤونها بما يعني تغير الظرف؛ وهو ما يعني استمرار الحاجة لتقديم اجتهاد جديد.


الوسطية.. هل تنطوي على أجندة

ذكرنا من قبل أمرين مهمين لابد من توضيحهما بإيجاز للبناء عليهما. فمن ناحية لابد لنا من الشهادة على العالمين والشهادة على الأمة الإسلامية نفسها. ومن ناحية ثانية أن الشهادة تحمل سمة المنهج مع الاختلاف الذي يقتضيه تغير الظرف وتجدد الطرح.

هذان المعطيان السابقان لا يعنيان إلا رفضا كليا لطرح الاقتصار على الدلالة الوجودية لمفهوم الوسطية. فالدلالة العملية الأولى لكون هذا المفهوم وظيفيا، وكون وظيفته تقديم الشهادة على الناس وفق هذين المستويين؛ هذا الطرح لا يعني إلا أن الوسطية أجندة، ويعني هذا أن الوسطية قد تكون أجندة طوباوية لم تمس أرض الواقع بحال أو أن تكون أجندة أيديولوجية تنطوي على تبرير لمشروع إسلامي قائم على أرض الواقع بالفعل طالما أنه يقع على أرضية التيار الأساسي للأمة الإسلامية، وهو تيار لا نقصد به إلا عدم الوقوع في أسر المغالاة أو التقصير، ومن ضمن ذلك الغلو والتقصير استشراء حالة مريضة من نفي الخواص الوجودية للأمة عن المنتمين لها، ومن بينها أكثر الصفات الوجودية تعبيرا عن الارتباط بالإسلام وهي "خاصية الإسلام" نفسها.

وهكذا لابد وأن يمثل مفهوم الوسطية توصيفا جامعا لمتتالية تجديد سرمدية لأجندة فكرية أو أيديولوجية يتحدد مركزها وفق ما يثيره الواقع (واقع الذات أو واقع الآخر) من تحديات متجددة.

2008-04-25

إعادة تعريف العلمانية.. قراءة في تاريخ النهضة المصرية


كلما نظرت بعين الباحث - لا السياسي المنتمي - لإشكالية المواجهات الإسلامية العلمانية في بلدي، وذلك الاستقطاب الذي استغلته القوى الرافضة للديمقراطية والمعادية لها، ومتتالية صعود وانهيار الحالة الحوارية بين الطرفين، كلما نظرت لهذه الظاهرة أحسست بالمسؤولية المشتركة لطرفي العلاقة حيال عدم تقدم أوطاننا؛ سواء في ذلك الجانب الإسلامي أو الجانب العلماني.

لكن المسؤولية ليست الجانب الوحيد الذي أريد طرحه هاهنا بل لابد من الإشارة لمراجعات الحالة العلمانية نفسها لنفسها، واضطراب اليقين حول العلمانية كعلاج اجتماعي ناجح؛ سواء في الغرب أو في أوطاننا.

وليست المراجعات أيضا هي منتهى حديثي. حيث أرغب في أن أستفيد من مراجعات مواقف الإسلاميين والعلمانيين في بلداننا بالإضافة لمراجعة الفلاسفة الليبراليين لمفهوم العلمانية في إعادة طرح مفهوم جديد كمدخل لإصلاح الحالة الوطنية.


أولا: مسؤوليات الطرفين عن الإشكال وتراجع الحوار

لا يمكن مناقشة قضية بهذه الدرجة من الأهمية من دون مناقشة المسؤوليات عما آلت إليه أحوال أوطاننا. وفي هذا الإطار نناقش المسؤوليات الجسيمة لكل من الطرفين الإسلامي والعلماني عن هذه الوضعية السياسية المتردية:

أ – المسؤولية العلمانية: في البداية أود الإشارة إلى أن مسؤولية الخطأ بصفة عامة كانت قسمة بين الحالتين العلمانية والإسلامية في مصر، لكن مسؤولية تأسيس الخطأ تقع على عاتق الحالة العلمانية. ونحن هنا لسنا في محل مزايدة أو تبادل اتهامات. فكل طرف كانت له أخطاؤه التاريخية، لكننا بصدد تتبع بعض جذور المشكلة لعل في هذا ما يثري حوار عمليا بصددها.

فالملاحظ أن الآباء المؤسسين لمشروع الإسلامية التجديدية (الطهطاوي – الأفغاني - عبده) كانوا على وعي بأخطار أزمة الانكسار الحضاري وما يمكن أن تؤدي إليه من مغالاة في لغة الخطاب الإسلامي أو في بنيته (باعتبار هذا الخطاب مشروعا اجتهاديا)؛ ولذا كانت أطروحاتهم واضحة في طبيعة الدين وجوهره وأهميته، وكذا حيال القيمة المضافة التي يمكن الاستفادة فيها من الغرب، وكان هذا المدخل مما أسس لتيار وعي يتجاوز الحالة المنغلقة التي كانت تؤسس التجربة الوهابية القادمة من شبه الجزيرة لتوليدها داخل تيار الوعي الوطني والعربي بشكل عام. وفي هذا الإطار تأسس فيما بعد خطاب جماعة الإخوان المسلمين في أواخر العشرينات، وهو الخطاب الذي قبلت مساحة عريضة من أطياف الحالة السياسية والثقافية آنذاك مساحة كبيرة من خطابه؛ وإن كانت قد خشيت من قوته السياسية بسبب القدرة التعبوية العالية لهذه الحركة. ولعل موقف زعيم الأمة المصرية تاريخيا: مصطفى النحاس باشا من ترشيح مؤسس جماعة الإخوان المسلمين ومرشدها الأول الأستاذ حسن البنا نفسه للانتخابات أكبر الأمثلة على هذه الأطروحة، حيث ساوم النحاس البنا على أن يتنازل عن ترشيح نفسه مقابل منحه حرية الدعوة لمنهجه، وهو ما قبله البنا. ويمكن فهم موقف النحاس في أنه يؤيد الخطاب لكنه لا يؤيد حدوث الشقاق في الأمة ما بين البنا وبين رمز وفدي كبير ينافس البنا، ولهذا اختار الحل الذي يحقق له المرادين معا: نشر الفكرة وانسحاب البنا.

كان المفهوم من خطاب حسن البنا أن نصوص الوحي حافلة بمبادئ تتعاطى إيجابيا مع هموم الحالة العلمانية. فالشريعة ترفض تسلط رجال الدين، وترفض وجود كهنوت، فضلا عن أن تسمح بتسلطه السياسي والاجتماعي والاقتصادي، على الأقل في المذهب السني. كما أن الشريعة تسوي بين المسلمين وغير المسلمين في حق الوطن (وثيقة المدينة كأصل من السنة)، وتميز بينهم في حق كل منهم في الاحتكام لشريعتهم. ولعل موقف الدكتور مكرم عبيد من الجماعة كان أيقونة للتفهم الكامل لخطاب الجماعة حيال الحالة القبطية. كما أن التاريخ أثبت طوال مسيرة الدول الإسلامية أن الإسلام لا يضع قيدا ولا حدا على المنهج العلمي في العلوم الطبيعية. كل ما كان من أوجه الخلاف بين طرفي الاستقطاب من جذرية أن الإسلام دين، ومن ثم فسيكون بنيويا ضد إزاحة حضوره من المجال العام.

وكانت آنذاك ثمة خطابات متعددة أبرزها جماعة أنصار السنة التي كانت متأثرة بالطرح الوهابي الذي كانت قيمته الحقيقية تخليص العقيدة مما لحق بها من خرافات، فضلا عن استمرارية الخطابين السلفي (غير الرسمي) والأزهري (شبه الرسمي الذي كان لا يزال يعاني تراجعا). وكان المتوقع أن تلجأ الحركة العلمانية في مصر – كمثال – إلى التيار الوسطي وتتحالف معه، وتكمل معه المسيرة مع الحفاظ على المسافة النسبية بينهما، خاصة وأن ثمة مشروعات وافرة الحظ لتقاطع الخطابين حيال قضايا الوطن آنذاك، فضلا عن قضية مقاومة الاستعمار ومطالب الاستقلال من ناحية ومشكلة الاستبداد من ناحية ثانية، وقضية النهضة من ناحية ثالثة. وكانت الجذرية في طرح البنا تتمثل في أطروحة العودة للخلافة التي يمكن فهمها في إطار دعوة الأفغاني لجامعة إسلامية.

غير أن شريحة من الشباب الذي تتلمذ على يد الشيخ محمد عبده لم يلبث أن اتجه اتجاها قطعيا نحو استيراد مفهوم العلمانية بصيغته المعادية للدين وليس بصيغته المنادية بوجود محايد للدين في علاقته بالدولة، وقام هؤلاء بحمل مفاهيم آباء التوجه الفرنسي في إطاره العربي من زاوية استيراد العلمانية كسلامة موسى وشبلي شميل الذين طالب أحدهم صراحة في أحد كتبه باستيراد كل ما أنتجه الغرب حتى ولو كان قذى أمعائهم. كان من المفهوم إلى حد ما أن يتجه مسيحيو العالم العرب المثقفين هذه الوجهة المعادية للدين، وبخاصة أولئك الذين تربوا ثقافيا داخل المدرسة الفرنسية التي تطور شعارها الثوري الإجرائي لتصبح أيقونته الثقافية: "اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس". لكن آباء العلمانية المؤسسين من المسلمين نهجوا نفس المنهج من دون أن يتركوا بقية جسر يمكن معه ردم الفجوة الإسلامية العلمانية لصالح الوطن، ومن دون أن يبذلوا جهدا حقيقيا في محاولة تبيئة المفهوم وتسكينه ضمن تدفق تيار وعينا التاريخي وأولوياته وأجندته. كانت الحداثة لدى هؤلاء تتمثل في القطيعة الكلية عن الواقع ما قبل الحداثي، واعتبرت ذلك بمثابة الرؤية والمنهج الذي لا ند له ولا نظير.

ونشأت المعركة، وتكرست معها الصورة السلبية للمطالب العلمانية التي لا يخلو جلها من وجاهة. وكانت من ثم الخسارة الكبيرة التي خسرها الوطن برهانه على وئام بين المشروعين الحداثي من ناحية والتجديدي الإسلامي من ناحية ثانية.

فباستثناء إقصاء الدين عن الحياة أو المجال العام أو الدولة، كانت جل مطالب الحركة العلمانية وجيهة. فالتسوية المدنية والسياسية بين المنتمين للأديان المختلفة كانت بالغة الأهمية، وبخاصة مع وجود تيار يحاول تحقيق التماسك الإسلامي على حساب تباين العقيدة وتداعياته (جذور وإرهاصات التيارات الإسلامية الراديكالية). كما كان بت الصلة بين الدولة والدين مهما كأطروحة تمنع حدوث تلاعب من الدولة بالدين ولا يصير ثمة شرعية تستفيدها الدولة من الدين. وكانت الحريات قضية مهمة تستحق وقفة تمنع من تردي قضية الحريات في قطاعات من الفكر الإسلامي إلى درجة ما حدث إبان أزمة "وليمة لأعشاب البحر" ومن قبلها أزمة نصر حامد أبو زيد وغيرهما من الأزمات، بحيث نتحدث عن الحريات الخاصة بالرأي والتعبير باعتبارها حريات شخصية، ومن يريد شراء المنتج الفكري العلماني او حتى الملحد فهو حر. فإجابات كل هذه الأسئلة وحلول كل هذه القضايا يحملها الدين في داخله؛ سواء أكان يحملها جلية بادية بنص ظني أو قاطع، أو كان يحملها ضمنا في مقتضيات النصوص. ولم تكن تنتظر سوى أرضية خصبة مواتية لحالة اجتهادية منتمية للوطن ولا تحمل هم الاستقطاب والصراع الذاتي الداخلي. وكانت البقية متروكة للتفاوض الاجتماعي والسياسي الذي كان من المنتظر أن يكون المنهج الحاكم لإدارة خلافاتنا.

كان الإسلام مكونا قويا من مكونات وعي وثقافة الجماهير، قضت الحركة العلمانية جل جهدها واستنفدت جل طاقتها في إقصائه عن المجال العام بدون محاولة الاستفادة من طاقته التعبوية الطوعية لا القسرية. ومن ناحية ثانية؛ بذل الإسلاميون وسعهم في أن ينبهوا الناس إلى أن هذا الإقصاء ليس من الإسلام في شئ، وأن بعض الأطروحات هي أطروحات تبعية وإلحاق. واستفادت نخبة الدولة الحديثة من هذا الخلاف في التثبيت لمكانها، وعمقت حدة الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين، وذلك حتى يتثنى لها التخلص من عملية بناء مجتمع مدني قوي يحد من مشروعها الخاص (مشروع الفساد بطبيعة الحال بمستوياته السياسية والاقتصادية). ولم يجد الطرفان: الإسلامي والعلماني فيما يحدث إلا متعة لا تدانيها متعة، فأمعنوا – كل طرف في خطابه واستقطابه – حتى ظهر خطر التطرف الإسلامي الذي كان مقتنعا بأن ما يصدر عن العلمانيين ليس إلا كفرا بواحا يتضمن قدرا هائلا من الافتراء على الدين.

والإشكال الأكبر أن الحركة العلمانية لم تقم بتنقية ذاتها داخليا، واعتمدت على خطاب بعض الكتاب العلمانيين الذين حملوا خطابا مؤسفا ومسفا، أساء للحالة العلمانية نفسها، وأسهم في تكريس وتعبئة الناس ضدها، وكان من هؤلاء الكاتب فرج فودة الذي نأسف لوقوعه ضحية منهجه الخاطئ وكتاباته التي اطلعت على بعضها وحزنت لكم التدليس والافتراء والكذب الذي لجأ إليه هذا الرجل في تشويه صورة الدين والعلماء لكي يبرر منطقه. كانت الحركة العلمانية تعرف الفارق بين الإسفاف والتدليس وبين الحركة العلمانية المستنيرة. ولا ريب في اتساع البون بين بحث مثل "مفهوم النص" أو كتابات سيد القمني وبين ما كان يكتبه فرج فودة وأمثاله. فكتابات الدكاترة نصر حامد أبو زيد وسيد القمني وحسن حنفي كانت كتابات لها منهجية علمية، ولها مراجع، ويمكن الوقوف على أساسها، والتعاطي معه أو نقده، لكن السباب والتدليس الذي لف شريحة من الكتاب العلمانيين لم يكن ثمة قدرة لإسلامي على التصدي لها. وكان البديل هو اشتعال الحرب التي راح ضحيتها الوطن.

ب – المسؤولية الإسلامية: لكن المسؤولية لا تلقى على الطرف العلماني وحده. لقد سيطرت ذهنية الجهاد في صورته اللسانية (فبلسانه) على عقلية الإسلاميين خلال الفترة من نهاية الأربعينات وحتى منتصف التسعينات من القرن العشرين. وبينما لا يزال حمائم الإسلاميين يحاولون تثبيت قدم المراجعة في الحوار الإسلامي العلماني نجد صقور الحركة، فضلا عن صقور عموم التيارات اليمينية الإسلامية تقف على خط ملغوم تنتظر من يتطوع لإشعاله، وما أكثر المتطوعين المحتملين لإنجاز هذه المهمة؛ من أعداء الإصلاح في الداخل أو أعداء الوطن في الخارج.

ومن ضمن مسؤولية الإسلاميين أنها لم تحاول أن تفرغ عملية الاستقطاب السياسي من محتواها الصراعي باتجاه الوصول لحل فيه مصلحة الوطن. إن تلك العملية الحوارية الوطنية لم يكن لها أن تتم إلا وفق اعتبار أن مفهوم العلمانية مفهوم اجتماعي، يقوم على اجتهاد صاغه مجتمع من المجتمعات لمواجهة أزمته التاريخية، وأن لدينا أزمتنا الخاصة التي يمكن في إطارها كإسلاميين أن نفيد من تجديد المفهوم: مفهوم العلمانية بدلا من التعارك حوله. لم يتصور الإسلاميون هذا المفهوم خارج دائرة الكفر أو الموقف السلبي من الدين (ومعهم حق نسبي بالنظر لمنهج التناول العلماني). وتلك كانت نفس المشكلة التي حكمت مخاوف العلمانيين من احتمالات الاستبداد باسم الدين (ومعهم حق نسبي بسبب خضوع الموقف الإسلامي لرؤية سلفية مسبقة من دون نظر فيما تسمح به الأصول من تجديد). فذهنية القتال التي حكمت الإسلاميين أدت لإلغاء الحساسية حيال المصطلح وحيال ظرفه التاريخي ودلالة نسبية هذا الظرف، ودلالة هذه النسبية في إمكان تجديد المفهوم أو توطينه وتبيئته.

والآن نسأل: لماذا نجد أن بعض المفاهيم يمكن أن تكون محل مراجعة وتقدير لخصوصيتنا في إطارها، بينما بعض المفاهيم والمصطلحات يكون أبعد ما يمكن عن احتمالات المراجعة والتطوير وتقدير اعتبارات الخصوصية فيه. لماذا هذه الانتقائية؟ سيحار الباحثون المدققون في إجابة مثل هذا السؤال وفي البحث عن أسباب تلك الانتقائية المجحفة بالمصالح الوطنية. ولم يمنع هذا التحير من قيام بعض الوطنيين المخلصين بتقديم رؤى تآمرية مفادها أن بعض الحكومات العربية الداخلية والخارجية تتلاعب بالقوى السياسية وصراعاتها الثقافية والسياسية لأجل ضمان استقرارها. بالإضافة إلى سعي بعض الأنظمة لاكتساب شرعية دينية عن طريق جهود تأجيج هذه المواجهات بين العلمانية والإسلام.

ولأن الحالتين الثقافيتين العلمانية والإسلامية في مصر بخاصة وفي العالم العربي بعامة ضد النظرية التآمرية؛ فإن مجموعة من الباحثين قد قاموا بتحويل مقولات نظريات المؤامرة هذه إلى فرضيات يتم اختبارها وفق المنهج العلمي، وثبت بالاختبار التجريبي العلمي أن هذه المقولات صحيحة. بل وقد أثبتت بعض الدراسات أن هذه الدول كانت تتدخل في بعض الأحيان لأجل اعتقال أحد الكوادر الإسلامية حين يصدر عنه بعض المقولات السياسية التي تقول بالتوافق والتحاور والتجديد، وعندما يصدر عنه من محبسه ما ينم عن التشدد كانت الحكومة تقوم بإخلاء سبيله وإطلاق حريته في التنقل والتعامل مع الصحافة (نموذج علي بلحاج في الجزائر وموقفه من مشروع الوئام الوطني). بل إن بعض الدول كانت تستفيد من الخلاف الإسلامي العلماني في كبح جماح القوى التي كانت تدعو إلى التجديد والإصلاح والديمقراطية على اعتبار أن الديمقراطية كفر (ويمكن الوقوف على طبيعة هذا الخطاب بتحليل مضمون صحيفة المسلمون السعودية التي كانت تصدر من لندن في الثمانينات وتوقفت تحت ضغوط عربية وغربية). وقد عشت تلك الفترة التي كان فيها فقهاء هذه الدولة يعتبرون الديمقراطية كفرا بواحا وخروجا سافرا على حاكمية الله كما حددتها آيات سورة المائدة الشريفة التي نرى أن علاقة الديمقراطية بها كانت اجتهادا خاطئا.

لم تقف الحركة الإسلامية هي أيضا وقفتها الصارمة. ولم تحاول كسر حدة العزلة والمواجهة، واستبدالها بعلاقات شخصية بين النخب العلمانية والإسلامية؛ تكسر حدة الاستقطاب، وتكون أكثر قدرة على جعل الحوار منهج حياة، وجعل انفتاح الذهن والقبول الحسن للرأي الآخر في إطار الاستعداد للنظر فيه وليس تلقفه بغرض التمزيق والرد.


اللهم ارحم الدكتور عبد الوهاب المسيري


ثانيا: مراجعات المشهد العلماني.. ودلالاتها


لا يخفى على أحد حركات المراجعة التي تصدر عن قيادات جماعتي تنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية المصريتين حيال موقفهما من منهج العنف في التغيير السياسي. كما لم يخف علينا أن الحركة الإسلامية الوسطية كانت أول الأطراف التي قامت بحركة مراجعة لأدبياتها، وعبر هذه الحركة من المراجعة أقرت كثيرا من أدبياتها السابقة، وعدلت عن شريحة من أفكارها وجعلتها نهبا للمراجعة، ونشرت ما روجع وما أقر في مجموعة من الكتيبات مثل الإخوان في مواقفها من الديمقراطية وقضايا المرأة وقضايا المواطنة والآخر الديني.. إلخ. ولا يخفى كذلك منهج الاستشارة الذي تنهجه الجماعة في تعاملها مع كثير من أطروحتها ومنها الأطروحة الحزبية الأخيرة التي نوهت الجماعة عنها في يونيو 2007، والتي نشرت الصحف حيالها استشارتها لمجموعة من المفكرين حول بنود برنامجها وكان من بينهم المفكر القبطي الدكتور رفيق حبيب.

التوجه العلماني أيضا بدا يعاني أعراض المرض الذي استوجب المراجعة. وحقيقة، أصابني الحزن لأني لم أجد دورة المراجعة تبدأ من مصر. ويحضرني في هذا الصدد قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي مفاده أن المصريين خير أجناد الأرض، ويبدو أن شخصيتنا القومية لا تحفل كثير بالصدمات التي تعقب الصدامات وتصر على التصادم ومزيد تصادم، فهي شخصية تجيد التمترس خلف أية دروع معدنية أو مفاهيمية تساق إلينا من دون محاولة النظر في طبيعة هذه الدروع وخصائصها. ويحضرني في هذا الصدد ما حدث إبان "أزمة الحجاب" التي أعقبت تصريحات وزير الثقافة المصري فاروق حسني في أوائل 2007. فهذه التصريحات أتت في توقيت كانت القوى السياسية فيه قد راكمت قدرا من الحوار ومحاولات استكشاف المصلحة الوطنية الحقيقية، ومحاولة إدراك العدو الحقيقي عدو الديمقراطية والإصلاح وعدو الحريات، واجتمعت القوى السياسية بأكملها ضد مشروعات التوريث وتقييد الصحافة وتلجيم القضاء، وبدا للجميع – ولي بصفة خاصة – أن مصر على وشك أن تبشر بحادث سعيد ناضج النتاج، وفجأة؛ عصفت تداعيات تصريحات وزير الثقافة المصري بتلك الآمال والأحلام، ووجدنا القوى الملتئمة الشمل تتبعثر قواها، وتخور وحدتها، وتتمزق كلمتها، وتتناثر كرامتها، وتضيع هيبة تجمعها وتكتلها، كل ذلك حصل عند أقدام قضية أقل ما كان يمكن للعقلاء أن يقولوه حيالها بأنها حرية شخصية.

وبرغم أن عملية مراجعة الرؤية العلمانية قد بدأت في الغرب مبكرا على أيدي اليسار الجديد، إلا أن بدايات كسر جمود الموقف الفكري حيال العلمانية في عالمنا العربي ما صدر عن العلم الفكري البارز الدكتور عبد الوهاب المسيري من عملية إعادة تعريف للمفهوم وإعادة بناء النموذجين الإدراكي والتفسيري المرتبطان به وبحضوره في الوعي العربي. تجاوز الدكتور ثنائية العلمانية التي هي إما اللاديني Non Religious أو ضد الدين Anti Religious، وأعاد النظر للعلمانية باعتبارها نموذج حياتي يقوم على إحلال القوى المادية والطبيعية محل الإله في نموذجنا الإدراكي للحياة ومنهج تعاملنا معها. وكان طرح الدكتور عبد الوهاب المسيري في نظر الكثيرين متطرفا في تصويره للعلمانية في المجتمع الغربي باعتبارها ضد الإنسان الذي يرونه حاضرا في الأسرة الغربية وفي الصداقة وفي مساحات كثيرة من العمل العام.. إلخ، وهو ما عبر لي عنه الدكتور هيثم مناع حوارنا الثنائي على هامش أحد ورش العمل التي حضرناها سويا في الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان. غير أني أرى أن هذه الراديكالية المسيرية حركت درجة من الوعي النقدي بين مجموعة من المفكرين العرب والمسلمين وغير المسلمين وغير العرب، وأنتجت حالة حوارية خرج منها مجموعة من العلماء والفلاسفة أمثال جون إسبوزيتو وجون كين وعزام التميمي وبيرفيز منصور، وغيرهم كثيرون، برؤية نقدية قوية للحالة العلمانية كان لابد لنا من وقفة معها. وقد نشرت هذه الأطروحات ضمن كتاب مشترك للمفكرين الخمسة؛ تحت عنوان: الإسلام والعلمانية في الشرق الأوسط، وتولى تحريره البروفيسور جون إسبوزيتو.

تقول الأطروحة الأساسية للمساهمات المتعددة في هذا الكتاب أن تيار العلمانية في بلدان الشرق الأوسط، وخاصة الدول العربية، ويعاني انحسارا قويا لصالح تيار الفكر الإسلامي. وللتأسيس لهذه الأطروحة يقدم جون إسبوزيتو، بروفيسور الأديان والعلاقات الدولية في جامعة جورج تاون، استعراضا لوضع العلمانية في الشرق الأوسط في بدايات القرن الواحد والعشرين، يركز فيه على ما يراه تراجعا مستمرا للعلمانية، ليس فقط على مستوى الغالبية العامة عند الناس في المنطقة، بل وأيضا على مستوى النخب. وألمح إسبوزيتو لملاحظته أن النخب العلمانية الحاكمة في أكثر من بلد لم تستطع استيعاب هذا التراجع أو القبول به، وقد أشار إلى أن السبب الأساسي وراء هذا التراجع ما أسماه "العلمانية الأصولية"، التي رأى أن مصدر تهديدها للعمانية كخيار ما تمثل في أنها لم تطرح العلمانية كخيار من الخيارات بل باعتبارها السبيل والخيار الأوحد الذي يجب أن تنهجه المجتمعات العربية والإسلامية.

المشكلة الكبيرة التي كشف المفكرون النقاب عنها في كتاباتهم التي تلت أن النخب العلمانية الحاكمة لا تريد أن تعترف بالتغيرات الاجتماعية والفكرية والسياسية الجذرية التي حدثت ولا تزال تحدث في داخل المجتمعات العربية وخارجها، حيث برزت التيارات الشعبية غير العلمانية وتحديدا الإسلامية، ولم تكن النخب العلمانية ترى وسيلة للتعامل مع هذه التغيرات إلا قطع الطريق عليها وقمعها، وما هذا التحالف المشبوه مع الدولة العربية المستبدة إلا أحد أوجه خيار قمع هذه الحركات الاجتماعية.

والمفارقة الغريبة التي يلتفت إليها البروفيسور إسبوزيتو أن العلمانية في الشرق الأوسط صارت متلازمة مع الدكتاتورية؛ رغم أنها تزعم الحرية والانفتاح والديمقراطية الليبرالية. ويضرب أمثلة على ذلك بتحالف الجيش وأجهزة الأمن مع النخب العلمانية الحاكمة لإحباط التحولات الديمقراطية، سواء فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، أو فوز حزب الرفاه في أكثرية المقاعد البرلمانية في تركيا وتسلم أربكان للوزارة، أو فوز حركة النهضة التونسية بعدد كبير من المقاعد في الانتخابات التونسية التي سبقت حل الحركة وإعلان الحرب عليها، أو لجوء الرئيس المصري للجيش عندما يشعر أن شرعيته وشعبيته في ترد مستمر.

ولم يلبث البروفيسور جون كين، أستاذ العلوم السياسية في جامعة وستمينستر أن طرح سؤالا يراه مثيرا لاستفزاز العلمانيين، وهو فيما إذا كانت العلمانية تحول دون حرية التفكير في الديمقراطية نفسها، وبأنها تحولت إلى دوجما سياسية. وقد صرح جون كين بأن العلمانية تحمل تناقضات داخلية لا يمكن القفز عنها، رغم أنها تناقضات لا تصل إلى حد إسقاط العلمانية من الداخل. أول التناقضين دعوتها إلى حرية العبادة وحرية الاجتماع الديني، الذي يقود في نهاية المطاف، كما هو الحال الراهن، إلى زيادة رقعة الدين، والدعوات الدينية للتدخل في الشأن العام والسياسة باعتبار أن للدين دورا مهما يمكن أن يؤديه في السياسة. ففي الوقت الذي لا تستطيع فيه العلمانية إلا أن تعترف وتسمح بحرية الأديان والممارسة الدينية، فإنها تعترف بتناقض داخلي يعمل على تقويضها، وهي لا تستطيع أن تقف في وجهه لأنها تفقد صفتها الليبرالية الأساسية. وثاني التناقضين يتمثل في ترافق "عدم اليقين الوجودي" مع العلمانية ليحل محل اليقين الديني عند الأفراد، وهذا لا يشبع التطلعات الإنسانية والروحية عند الناس خاصة في عالم مليء بالضغوط والتوترات حيث يحاول الأفراد الوصول إلى سبل السكينة والراحة الخلاصية على المستوى الداخلي لهم، وحيث تبرز أهمية "التضامن الديني".

وأشار كين إلى تناقض داخلي آخر هو تقارب العلمانية مع الدكتاتورية تحت مسميات عديدة. ويضرب مثلا على ذلك تركيا وإلى حد ما فرنسا، ففي الأولى تتحالف العلمانية مع الدكتاتورية العسكرية تحت مسميات حماية الدستور العلماني من تصاعد المد الإسلامي، وفي الثانية تتحالف العلمانية مع ممارسات دكتاتورية مثل منع الحجاب أو التضييق على المسلمين تحت مسمى الاندماج أو محاربة التعددية الثقافية.

أما برفيز منصور، وهو كاتب وباحث إسلامي آسيوي، فقد ساهم في هذا الكتاب بدراسة عميقة تدعو إلى تفكيك "القداسة" عن العلمانية، ونقض الادعاء السائد بأنها موئل الحقيقة والعلم. ودعا إلى ضرورة عدم التعامل مع العلمانية باعتبارها "نظرية كبرى" قادرة على تفسير كل الظواهر، أو جاهزة للتطبيق في كل مكان وزمان. وقد أشار برويز منصور إلى أن من العبث اعتبار كل النقاش العلماني – الإسلامي وكأنه صراع بين قيم الإسلام الإيمانية ومنطلقات الحداثة العقلانية، أو بين رغبة الإسلام للتمكن والنظام العالمي المتمكن، وحاول تقديم طرح إنساني فلسفي آني قوامه أن الصراع بين الإسلام والعلمانية هو صراع بين الإيمان بصورته الإسلامية الذي يجسد ما هو متجاوز والافتراض العلماني الثيوقراطي بأن الحقيقة التامة قد تم الوصول إليها عبر افتراضات العلم التي لم تثبت صحتها بدرجة يقين عالية.

أما الدكتور عبد الوهاب المسيري فقد حدد ملامح العلمانية كمنهج حياة بأنه المنهج الذي تحل فيه المادة/الطبيعة محل الإله في المنظومة الثقافية التي تدير حياة العلماني ومجتمعه، ورأى أن هذه الرؤية بدأت بأيديولوجية مجدت الإنسان ودعت لوضعه وعقله في مركز إدارة المنظومات الاجتماعية والحياتية، ولكن المنظومة طردت الإنسان كقيمة اجتماعية وعقل، وأحلت محله كل القوى المادية التي أدت لمعاداة العلمانية للإنسان في النهاية، ومنها قوى السوق التي حولت الإنسان لمستهلك، وقوى الربح التي حولت الإنسان لسلعة أو شئ يعرض في الواجهات التجارية ويباع ويشترى؛ وهو ما عبر عنه الدكتور المسيري بنحت مصطلحي التسلع أو التشيؤ كدوال لغوية تعبر عن هذه الحالة من حالات الاغتراب نتيجة العلمنة المادية، وهناك أيضا قوى المصنع التي عصفت بالحقوق الأساسية للإنسان سواء أكانت حقوقا اقتصادية أو اجتماعية، وثمة كذلك قوى السياسية التي عصفت مكيافيلليتها بالأخلاق.. إلخ. هذه التجليات أفزعتنا ونحن مع الدكتور عبد الوهاب المسيري في صالونه؛ فأوضح لنا أن هذا هو النموذج، وأن الناس تقاوم ضمنا النموذج العلماني الكامل لأنها تشعر أنه سيسحقها. فماذا تبقى بعد ذلك من مفهوم العلمانية؟!

إن كان لي أن أعلق على هذه الأطروحات فإن تعليقي ينصرف إلى أن هذه الأطروحات قضت على المفهوم كمنتج فلسفي من ناحية، وأجهزت عليه كمفهوم اجتماعي يؤدي وظيفة اجتماعية/سياسية/ثقافية من ناحية ثانية. فهذه المراجعات فرغت مفهوم العلمانية من مضمونه تماما، حتى وإن أصر البروفيسور جون كين على موقفه القاضي بأن تناقضات المفهوم لا تؤدي لتقويضه.

والواقع أن الدكتور عبد العزيز صقر، وهو أحد أبرز الباحثين المهمين الذين درسوا علاقة الدين بالدولة قد أنتج بحوثا ودراسات معمقة ترصد علاقة الدين بالدولة وبالمجال العام في كل من أوروبا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وآسيا، واختص كل قارة من هذه القارات بكتاب منفصل، وكانت الصيغة التي عبرت بها تلك الكتب عن الظاهرة تتمثل في الحديث عن أنماط علاقات الدين بالمجال العام؛ والخصوصيات الجغرافية التي ميزت الأجنحة القارية عن بعضها؛ وأسباب ذلك، وخلاصة الكتب جميعا إن المؤسسات الدينية لم تخرج يوما من دائرة المجال العام في هذه القارات الأربع، بل لها علاقات وثيقة بشخوص ورموز المجال العام، ولن يكون مفاجأة أن نشير إلى أن الإدارة الأمريكية اليمينية استعانت بأشخاص كانوا ضمن بيروقراطية البيت الأبيض منذ أمد، بما يعني أن إبعاد الدين عن المجال العام كان من وجهة نظر الدكتور عبد العزيز صقر أكذوبة.

هذه الرؤية ترتبط بأطروحة طورتها منذ أمد؛ مفادها أن العلمانية كانت مفهوما أيديولوجيا برر إقصاء الكنيسة عن دائرة القرار الفرنسي في لحظة تاريخية معينة، لكن هذه اللحظة لسبب أو لآخر تمكنت من أن تتحول لمرجعية استعصت على السقوط بالتقادم. ومهما كان ما وصلنا إليه؛ فإن ملامح المشهد الآنية تشي بأن مفهوم العلمانية قد جرى تفريغه من محتواه ومضمونه الفلسفي من ناحية، والتاريخي الاجتماعي الوظيفي من ناحية ثانية. وهو ما استدعى تطوير الاقتراب منه في بيئتنا العربية والإسلامية.


نحو اجتهاد جديد حيال مفهوم العلمانية

إذا كانت شهادة الخبراء والمستشرقين قد أفادت بسوء حالة وضع العلمانية كمفهوم وكوظيفة اجتماعية في عالمنا العربي، من زاوية كونها قد فشلت في التعاطي مع الإسلام كدين له خصائص متمايزة عن خصائص الديانة المسيحية بعامة، ومتمايزة عن الخبرة الأوروبية في أواخر القرن 18 بصفة خاصة، وبما أنها كانت مصدرا لتبرير الاستبداد والالتفاف حول الديمقراطية، وبما أنها تحوي ضمنها التناقضات التي أدت إلى فقدان الثقة بدورها الاجتماعي، وبما أن الاتجاهات الفلسفية الحديثة ترفض التعاطي معها كنظرية شاملة، كل هذه الاعتبارات دعتنا للاحتجاج على تداول المفهوم بصورته الحالية.

لم يكن بدعا أن تثور الحالة التركية في وجه المفهوم الذي أدى لتقويض الإرادة الشعبية التركية، وإن كانت نسبية ثورتها لاحتياجاتها المجتمعية لا يمكن مقارنتها باحتياجات العالم العربي الملحة والمصيرية لفصل الدولة وإبعادها عن الدين. فالحالة التركية تشهد مؤسسات محترمة إلى حد كبير، ولا يجري التلاعب مع هذه المؤسسات إلا في أضيق الحدود، أما في عالمنا العربي فلا توجد مؤسسات قادة على تجاوز حالة الشخصنة السياسية القوية التي تتحدى مؤسسات الدولة؛ كما أنها غير قادة على مواجهة تغول السلطة التنفيذية على حساب مؤسسات الدولة قاطبة، فلا أحكام قضائية يتوفر لها الاحترام الكافي، ولا شخصية تعلو على الفساد واحتمالات الرشوة، ولا جهاز للشرطة يمكن للمواطن الوثوق به بعد أن امتلأت مدونات المدونين العرب بأفلام التعذيب التي تجري وقائعها الحقيقية داخل أقسام الشرطة. ولا يمكن القول بأن إضافة الدين لمعادلة تمارس الدولة فيها هذا القدر من التغول يعد غبنا ليس للمجتمع السياسي أو المدني وحسب، بل غبنا لكل الشعب ولعموم الوطن وعبثا بهما.

لقد عانت المجتمعات العربية من تسلط الدولة على الحريات والسياسة في الوقت الذي تكتسب فيه شرعية دينية عبر بروز النخب الحاكمة في المناسبات الدينية والصلوات الأسبوعية، وكان لقب الرئيس المصري في بعض الأوقات: الرئيس المؤمن، وهي تلك الشرعية التي مرر بها كثير من القرارات التي وصفها المفكر والكاتب القدير أحمد بهاء الدين بأنها انفتاح سداح مداح. وتحصل بعض الأنظمة على الشرعية نتيجة حماية المؤسسات الدينية الرسمية وشبه الرسمية لشرعيتها ولمبررات استمرار نظامها. كما أن القوى السياسية الحقيقية القادرة على تعبئة الشارع العربي خلف مشروعات الإصلاح يجري تدبير المحاكمات المختلفة لها بدون أدلة، فضلا عن أن غالبية هذه المحاكمات تتم وفق إطار من اللجوء لقضاء استثنائي لا تتوفر له الحصانة اللازمة ليقوم شخوصه بالحكم وفق قواعد العدل والإنصاف أو القوانين السائدة، والأدهى والأمر أن الدولة تقوم بالتلاعب في الأطر القانونية لكي لا يتمكن أحد من تعقب القرارات التي تتجاوز في التعدي على الحقوق المدنية للمواطنين. وكان آخر هذه الأطر إيقاظ القانون النائم: قانون الصحافة؛ ومعاقبة الصحافيين في إطاره بتهم واهية واهنة وصلت عقوباتها لحد السجن.

ومن ناحية ثانية كانت الشعوب العربية تشهد تسلط الدولة على المؤسسة الدينية، وكانت الدولة تعمل على توظيف المؤسسة الدينية لصالح إكساب قرارات الحكم شرعية. وقد نقلت الصحافة عن أحد المشايخ وقتها زلة لسان فيما يتعلق باتفاقية كامب ديفيد قال فيها: "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون"، وهذه الآية صفة من صفات الله تعالى؛ ولا شك في أنها كانت زلة، فقائلها عالم جليل تجله كل الأمة. لكن زلة العالم زلة لكل الأمة.

هذه الاعتبارات تدفعنا لمحاولة تقديم دعم الاجتهاد التركي الذي قدمه كتعريف للعلمانية حيث اعتبر أن العلمانية التي يؤمن بها هي تلك العلمانية التي تعني "حياد الدولة حيال المعتقدات". فذلك التعريف يمكن اعتباره بالنسبة لعالمنا العربي اجتهادا حقيقيا مبني على احتياجات مجتمعية حقيقية. فالدولة العربية تتسلط على المجتمع بدعم من شريحة من المؤسسة الدينية، وتضفي على قراراتها شرعية تمكنها من فرض سيطرتها والاستمرار في موقعها تمارس أدوارا وصلت إلى حد إنكار الحريات الدينية، حيث سبق للدولة أن تدخلت لصيانة عمليات إكراه في التحول من دين لآخر، وضغطت على المؤسسة الدينية لكي توافق على رأيها. إن هذا المبدأ لابد منه لضمان تحرك مدني حقيقي للدولة بدون شرعية مغتصبة، وبدون تبرير لقراراتها أو تغطية لأخطائها في حق الحياة المدنية والحريات.

هذا التعريف الجديد يحقق للطرف العلماني في السعي للإصلاح مجموعة من المكاسب التي فشل في تحصيلها عبر إصراره على التعريف القديم الذي أدى لتحصيل حالة من الفشل العام لكل قوى هذا التيار، ذلك الفشل الذي حاول تجاوزه عبر إعلان مفهوم التعايش مع الدين. ومن هذه الحقوق نجد المواطنة، وحريات الاعتقاد والنشر والتعبير، وتجنيب استخدام الشعارات الدينية في الانتخابات، وهي كلها مكاسب يمكن نيلها لصالح مشروع الإصلاح من خلال التفاوض السياسي المشروع مع القوى الإسلامية التي ستحصل في المقابل على فرصة تحولها لحزب مدني معلن التمويل والبرامج والأعضاء، وهو ما يعتبر في حد ذاته أكبر مكاسب المشروع الإصلاحي.

هذا التفاوض سيكون بداية لبناء التوافق الذي تنشده مجتمعاتنا بحق حول أولويات مشروع الإصلاح، وهو توافق لا يمكن لأوطاننا تجاوز محنتها السياسية من دونه.