خواطر عن المجال العام في مصر..

2008-08-03

فتوى الغاز.. وتجديد البنية المؤسسية الفقهية


From Palestinian Intefadah

ألم يراع فقهاؤنا الدم المسلم العربي الذي تريقه قوات الاحتلال كل يوم

مع انتقال العقل المسلم من مرحلة الأزمة إلى مرحلة التصحيح، ومن دائرة الانكسار الحضاري والخضوع والتقليد لدائرة الوعي بنسبية وضع الآخر الحضاري (المستعمر سابقا)، وإمكان اللحاق به، بل سلوك مسالك تنمية بديلة للمسالك التي يطرحها علينا، ومع صمود تجارب حضارية متعددة تجاوزت المستعمر ومكانته قبل ثروته، مع هذا كله بدأنا نشعر أن الدور المركزي للفتوى يتغير.
فضيلة الدكتور علي جمعة.. نجل قدره برغم اختلافنا معه

الفتوى العامة بين الأمس واليوم


المقصود بالفتوى العامة هنا ليس ما يذكره البعض من مفهوم فتاوى الأمة؛ وهو مفهوم بالغ الأهمية، بل المقصود بالفتاوى العامة هنا تلك الفتاوى التي تتمتع بقدر من الشيوع والذيوع يقصد به المفتي التأثير على مجمل الحياة الاجتماعية بالقطر الذي يحيا به.

قبل نصف قرن من الزمان كان نمط التحدي الذي يفرضه الظرف التاريخي على دعاة الدين وحاملي لوائه متمثلا في توجهين:

أولهما: توجه حصر الدين في الحياة الخاصة، وهو مطلب العلمانية.

وثانيهما: توجه إخلاء الحياة الخاصة من حضور الدين، وهو أمر كان يتم عبر استبدال كافة المؤسسات الموروثة بمؤسسات بديلة، أو تفريغ المؤسسات الموروثة من مصادر الفاعلية التربوية الدينية منها، ولننظر للضغط باتجاه تفكيك مؤسسات الأسرة، وتراجع قيمة العلم والتعليم الشرعي، وابتذال صورة الدعاة، بل ابتذال صورة المعلم المدني نفسه في النهاية.

وفي إطار مناخ التحدي كان من الطبيعي أن يجري انقسام بين دور المفكر ودور المفتي، فصار المفكر يتصدى كلية لمواجهة نمط التحدي الأول، العلمانية وأجندتها، واتجه المفتي – عبر الفتاوى العامة - للتركيز على حضور الدين في حياة الفرد والأسرة والتكوينات المجتمعية الصغيرة، ولم يكن للمفتي من دور فيما يتعلق بالتحدي الأول اللهم إلا بعض المحاولات لوقف اندفاع الناس في اتجاه التغريب.

أما التحدي اليوم فقد صار مختلفا، فإن دور المفتي في وقف اندفاع الناس في طريق التغريب أنتج ردة فعل حاولت إلهاء الفقه في مساحة العبادات التي يتفق كثير من المفكرين على أنها تضخمت بشدة خلال القرن المنصرم، لكن هذا الضغط أدى – عبر آليات المقاومة الطبيعية – إلى إنتاج الحركات الإسلامية منظومات فقهية محدودة في المجال الاقتصادي والاجتماعي والسياسي اكتسبت قوة دفع ذاتية عبر الثروة النفطية التي نفعت الأمة علميا وشرعيا أكثر مما أضرتها، على حد تعبير مفكرين مثل فؤاد زكريا وآخرين.

ما حدث اليوم هو أن المساحات التي تصدى لها المفكرون تفرعت في اتجاهين:

أولهما: أن المفكرين الإسلاميين قد خاضوا في تفكيك وبناء مقولات اجتهادية في السياسة والاقتصاد والاجتماع.. إلخ من دون أن يسهبوا في معالجة اتجاه النهضة نفسه وكيفيته.

والاتجاه الثاني للتحدي أن قضاياهم صارت أكثر عمقا عبر التخصص، وتركيبا عبر احتياجنا إسقاط دائرة الهوية القطرية على فكرنا الذي توجه للعالمية منذ لحظة انطلاقه.

فما بال المشروع الذي راكمه المفكرون خلال نصف القرن المنصرم؟

هناك دوما صراع حول طرح إجابة السؤال: من يتقدم من.. المفكر أم الفقيه المفتي؟ وبصرف النظر عن الخلاف الذي لا يتسع له المقام، فإن تقديري أن حساسية الفقيه لتغير الشروط الكلية للظرف التاريخي الذي يتأسس عليه فقه الواقع أضعف من حساسية المفكر، بقدر ما إن ملكات الفقه والإفتاء وتجديدها وتطويعها للظرف لا تتوفر لدى المفكر، وهو ما يجعل دور المفكر سابقا زمنيا على دور الفقيه؛ بغير أن يكون للسبق دلالة تمييز أو أفضلية، بل هو سبق وظيفي كما يسبق دور طبيب التخدير دور الطبيب الجراح، ويتعاظم هذا السبق في لحظات الأزمة أو التحولات التاريخية الكبرى.

هذا الطرح يدفعني لتقدير أن تلك الملفات التي راكم فيها الفكر الإسلامي رؤى نافذة ومنضبطة منهجيا ومخدومة بقاعدة تحليل اجتماعي وثقافي جيدة، تلك الملفات انتقلت الآن من عهدة المفكر لعهدة الفقيه والمفتي، هي ملفات تحتاج اليوم إلى أن تتحول لمنظومات فقهية قوية البناء، سهلة المحتوى، ذائعة التداول، يتوفر لها تدريب عدد من الكوادر الفقهية الوسيطة.

ولدواعي الدقة في طرح الرؤية التاريخية؛ فإن عددا من أعلام الفقه وأصوله أبدوا تجاوبا رائعا مع حركة النهضة الفكرية الإسلامية، وهو ما استتبعه ظهور اتجاهات تجديد قوية في مجال الفقه كالدكتور الريسوني والدكتور الترابي والدكتور القرضاوي وغيرهم، بما صاغوا من نظريات تجديد أصولية أولا، ثم أطروحات فقهية قوية ثانيا.


خصائص الدور الإفتائي التواصلي


هذه الخطوة التواصلية التي يلتحم فيها الفقه بمنجزات الفكر فيجردها أو يفصلها، وينقدها نقدا بناء ليتواصل عقبه مع أفضل نتاج للفكر، أو ليدفع عجلة الفكر لمزيد بذل جهد يفيد مساحة التواصل بين المفكر والفقيه.

وهذا التواصل بين المفكر والفقيه بالغ الأهمية، بل يمكن اعتباره الحلقة الأخطر والأهم في مجال التجديد الإسلامي، وبعبارة أخرى، فإن عدم تصدي الفقيه للالتحام بإنتاج المفكر والتعاطي معه سلبا وإيجابا لا يعني سوى إلغاء حلقة الوصل ما بين الطرفين؛ مما يجعل المفكر وكأنه ينفخ في قربة ممزقة؛ بقدر ما يجعل الفقيه وكأنه خارج التاريخ وخارج دائرة الوعي بالطبيعة الدقيقة للتحديات التاريخية، وهو ما يعزز بالتبعية صورة الفقيه الجاهل التي كانت تكرسها كثير من وسائل الإعلام العربية حتى هذه اللحظة.

إن نقل ملف تفعيل الملفات التي تجاوزها الفكر الإسلامي برغم إقراره لها لا يعني أن جهود مفكري الأمة ستموت؛ بسبب أنهم أنهوا معالجتهم لمسائل مهمة وتوجهوا لمسائل أكبر أو أقل أهمية.

إن متتالية اعتمادية الفقه والفكر على بعضهما لا تفتأ في جدلية مستمرة سرمدية الاستمرار؛ متكاملة الأدوار، وهو ما لا يعني سوى أن من أدوار الفقيه، خاصة الفقيه الواقف على أرضية الفكر الإسلامي، أن يعمق من وعي الدوائر الأهلية بفئاتها المختلفة ومستوياتها المختلفة بمردود خلاصة جهد وإنتاج الفكر الإسلامي طيلة الفترة الماضية، وذلك ليس عبر قاموس ألفاظ جديد يستوعب مصطلحات مثل الدستور والديمقراطية ولوائح العمل، بل عبر خطاب إفتائي يعكس التجدد الفقهي الحقيقي.


الاحتياجات المؤسسية الإفتائية الراهنة


لنبتعد عن النقد غير المجدي، من المهم أن أشير إلى أنني لم أتحدث قبل عن كل خصائص الدور الإفتائي التواصلي، كما أنني هنا لن أتحدث عن كل الاحتياجات التي تلزم الإفتائية الراهنة، لكنني من واقع تفاعلي مع الحدث شعرت أن معالجة فتوى تصدير الغاز لإدارة الاحتلال الصهيوني كشفت عن غياب ملمح منهجي مهم جدا في الاتجاه العبدوي لفضيلة المفتي الدكتور علي جمعة (العبدوي: نسبة للمجدد الإمام محمد عبده).

لا يخفى على القارئ المتابع للحدث اليومي أن العالم الإسلامي كله احتفل منذ عام ونيف بمئوية الإمام محمد عبده، ولقد كان الإمام محمد عبده في منهجه حريصا على أن يوضح للكافة: عامة وخاصة، أن العلم الشرعي والعلم الدنيوي صنوان، تبدى هذا حيال رؤيته لإصلاح التعليم في الأزهر، وحيال بعض لمساته في تفسير القرآن الكريم.. إلخ. فلماذا هذا الفصل المقيت بين أجهزة المعلومات وأجهزة الإفتاء؟

وبصرف النظر عن اتباع فضيلة الدكتور علي جمعة للإمام محمد عبده من عدمه؛ فإن طبيعة التحديات جعلت موضوعات الإفتاء التي تليق أن تتصدى لها دار الإفتاء المصرية، ودور الإفتاء الرسمية في الدول الإسلامية، هذه الموضوعات اللائقة صارت ضمن فئة من الفتاوى لها وضع متميز، يسميها بعض الفقهاء والمفكرين والباحثين بفتاوى الأمة، وهي تسمية موفقة تنقل مستوى وعي الفقيه من فتاوى الأفراد لفتاوى جسيمة لا يمكن له أن يتحمل وحده مسئوليتها.

وفتاوى الأمة تعني بناء المشروع الإفتائي على قاعدة معلوماتية دقيقة حول الظاهرة محل الإفتاء، وتقدير سيناريوهاتها المحتملة، وحكم كل سيناريو فيها.

إبان تصدي دار الإفتاء المصرية للفتوى المتسائلة عن حكم بيع الغاز لإدارة الاحتلال الصهيوني، وحكم رواتب الموظفين العاملين في الشركات التي تقترف هذا الفعل، كان إنكار الأهلية للإفتاء في هذا الاستفتاء من أنكر معالم الفتوى، ولا يقل عوار القول به عن عوار الإحالة لولي الأمر ليفتي بناء على توفر المعلومات لديه عن "مصلحة الأمة"، ويبدو أن الإمام لم تصله المعلومات التي تتحدث عن بيع الغاز لإدارة الاحتلال بأقل بكثير من تكلفته العالمية، فأين هي المصلحة؟ وإن كانت ثمة مصلحة غير معلنة فهذا لا يمنع أي أحد من رفضها، فمصالح الأمة لا تقررها فئة بعينها دون مفكري الأمة وعلمائها، خاصة مع شيوع الفساد الإداري والمالي والسياسي للسلطة التنفيذية؛ مما لا تكف الصحف المصرية عن التعرض له وسرد وقائعه وتفاصيلها، أو لم يدر فضيلة الدكتور علي جمعة أن أهل الاختصاص ربما استفتوه رغبة منهم في أن يناصرهم لحماية ثروة الأمة التي يبددها الفساد؟

إن نقص المعلومات لا يعني أن على دور الإفتاء في العالم العربي والإسلامي أن تمتنع عن الفتوى، بل يعني أن دور الإفتاء تعاني نقصا مؤسسيا حادا ينبغي تداركه، ومعالجته وجبر كسره، وتقييمي كخبير معلوماتي أن جانب النقص المركزي الذي تعكسه تلك الفتوى ليس إلا من عدم وجود بنيتين مؤسسيتين:

أولاهما: جهاز معلوماتي بحثي مرن يوفر لمكتب الإفتاء قاعدة بيانات بحثية معلوماتية حيال القضايا التي تتعلق بالأمة، وتنظيم عملها يكون باستشارة خبراء ومفكرين يتولون تعريف هموم الأمة التي تحتاج دور الإفتاء للتصدي لها؛ لتكون قد أدت دورها الحقيقي، وأبرأت ذمتها أمام الله تعالى.

وثانيتهما: مكتب مشورة، يقوم على توفير منسقين مهمتهم التواصل مع أهل الاختصاص؛ لتقييم المعلومات المتخصصة المتوفرة حول قضية ما على أجندة دار الإفتاء، بما يفضي فيه النقاش إلى ترجيح رشيد دقيق لاتجاه من الاتجاهات، أو للتعبير عن مشروعية عدة بدائل وانتفاء المشروعية عن مجموعة بدائل أخرى.

إن توفير الأجهزة المعلوماتية والتنسيقية لا يعني انتفاء قدرة دور الإفتاء على المناورة للهروب من المآزق التي تضعها فيها السلطات التنفيذية ومراكز القوى، فلا تزال إمكانات المناورة متاحة؛ مع تقديرنا الكامل لهذه الرغبة في المناورة للحفاظ على هيبة واستمرار المؤسسة، لكنها تعني أنها أدت دورها التاريخي بأمانة ونزاهة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كن إيجابيا وأدخل تعليقا يليق بك..