خواطر عن المجال العام في مصر..

2008-06-17

مفهوم الوسطية.. الشهادة والتفاوض واستقامة المفهوم


خلال الفترة الأخيرة من 2006 وحتى تاريخ نشر هذا المقال، بدأ حضور مصطلح الوسطية في التنامي بصورة مؤسسية مضطردة في صورة مراكز بحوث ودراسات انتشرت في دول شتى من أنحاء العالم العربي والإسلامي، كما بدأ في التمدد على صعيد أجندات المؤسسات الفكرية وفعالياتها من مؤتمرات وندوات. وترافق مع حالة التمدد هذه تقديم صورة من خارج الأمة حول الإسلام الذي يحب "الآخر الغربي" التعامل معه واصفين إياه بالإسلام "المعتدل" (مشروع تقدمت به مؤسسة راند)، وهي التسمية التي قام بعض الناظرين بتأويلها على أنها تعبير مواز في دلالته لتعبير الوسطية في دلالته الوجودية.

تجمعت عدة عوامل مهمة جعلت هذا المفهوم محط أنظار المفكرين والباحثين والكتاب، ويأتي في إطارها النهائي هذا الملف. فما هي تلك الاعتبارات؟ وكيف نقيمها؟


عندما ينفي النقاش المفهوم..

وبإزاء حالة التمدد، وخشية وصولها لدرجة ترهل في أبعاد المفهوم، وكشأن أية ظاهرة اجتماعية وفكرية تقتضى ظرفيا صحيا لتناميها واستقرارها، شرع المفكرون والباحثون والكتاب في النظر في دال الوسطية ومدلوله للوقوف على حقيقة هذا المفهوم بالنظر لما ثار حوله من خلاف أقل ما يقال عنه أنه حاد، بين من يطرح المفهوم باعتباره خاصية وجودية للأمة الإسلامية لا تحمل أية إضافة قيمية/أجندة في ذاتها، ومن يراه مشروعا ضمن المشروعات الإسلامية متسم بحالة من تجاوز الغلو والابتعاد عن التقصير، ومن يرى أن تمدده الآني صنو الترويج الأمريكي لمصطلح الاعتدال. ولا يخفى في إطار هذا الاتجاه الأخير أن هذا المصطلح لاكته ألسنة بعض الشخوص السياسية العربية المرتبطة بمشروعات الأسرلة (الخضوع للعدو الإسرائيلي) وسائر مشروعات الاستتباع، وهو ما يمنح مبررا مشروعا لأصحاب وجهة النظر القائلة باستلاب المفهوم. بمعنى آخر، هذا المفهوم يحتاج إلى وقفة جادة لأن استخدامه من ناحية؛ والنقاش حوله من ناحية ثانية كادا أن ينفيا أهميته العلمية والأيديولوجية والفكرية، والاحتياجات الاجتماعية والدعوية المرتبطة بتوفره ضمن قاموس الخطابات الإسلامية المركزية. فالتعاطي النقدي مع هذا المفهوم ذهب به مذهبا لا مركز فكريا فيه ولا قطبية يمكن حصره في إطارها وتشريحه. غير أن هذا المفهوم القرآني المصدر كان عزيزا بحيث يصعب على مفكر منتم أن يتركه نهبا للأهواء الذهنية بدون محاولة لإجلاء مركزه، وتبيين موطئه.

كان الداعي للوقوف مليا أمام هذا الدال ومدلولاته تلك الحالة من التقاطع الدلالي القوي مع مصطلح آخر طورته أطروحة الإدارة اليمينية بالولايات المتحدة لكي تنتقي من بين المسلمين من تتعامل معه. وإن كنت أرجح أنها محاولة للخروج بالإدارة الأمريكية من ورطة أجندة المقرطة والإصلاح التي كانت تتبناها لحظة وصولها لسدة الحكم؛ وتطفرت في تبني طرحها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ثم تبينت بعد عدد من اللحظات الانتخابية في عدد من الدول العربية؛ على رأسها فلسطين، أن طرح المقرطة ستكون ضحيته الأساسية هي المصالح الأمريكية باعتبار أن البديل المشروع الأساسي في المنطقة يتمثل في الإسلاميين ومشروعهم الإصلاحي.

طرحت الولايات المتحدة مفهوم الإسلام المعتدل لتعدل في سياقه عن إقامة جسور جادة للتواصل مع الحركة الإسلامية النشطة في العالم العربي، ولتستوعب الأنظمة القائمة في جناح من الحالة الإسلامية لتنتهي بالوقوف عنده باعتباره الجناح الممثل للإسلام المقبول غربيا.

غير أن المصدر الأهم للوقفة ليس نابعا من تلك الرؤية المتمركزة حول الغرب المستعمر، بل تك الرؤية الناتجة عما قادتنا إليه القراءة الأولية للمفهوم. فمن ناحية، كشف اتجاه من اتجاهات التعامل مع المفهوم أنه يعد أنموذجا لتمثل أزمة الحالة الإسلامية التي تعاني من خلل حاد على أصعدة شتى، منها الصعيد الفكري والصعيد السياسي والصعيد الفقهي، وأنها لجأت لهذا المفهوم على نحو تبسيطي مخل لتحمله كل آمالها وأحلامها في الحصول على علاج لما تمر به من أزمات على هذه الأصعدة. وهو ما أنتج في النهاية مفهوما يعاني حالة من السيولة في الدلالة، ومن التبسيط المخل في بنائه المعرفي حتى اعتبره بعض المفكرين والكتاب والباحثين عبئا على الحالة الفكرية.

ومن ناحية ثانية، يرى البعض أن الوسطية يجب الوقوف بها عند حقيقتها التي حصرها فيها القرآن، والتي تتمثل بكونها حالة أو صفة وجودية مرتبطة بخلق الأمة وتكليفها، على نحو ما أفاد المفكر أبو يعرب المرزوقي، بما يعني أنها لا تحمل مضمونا قيميا ولا مشروعا أيديولوجيا فهي محض صفة وجودية تضع الأمة في وسط حال الأمم من حولها.

أما الاتجاه الثالث فيرى أن الوسطية مشروع وليست فقط صفة وجودية. وبرغم أن ثمة طموح متكلف إلى حد ما يلف بناء الوسطية كمصطلح/مفهوم لدى عدد كبير من المفكرين والباحثين والكتاب، إلى أنهم يتجاوزون كلتا الرؤيتين السابقتين (المفهوم الدخيل – المفهوم الوجودي). وبالرغم من أن تفاصيل طرح الوسطية كمشروع تختلف جزئيا من مفكر إلى آخر، إلا أن المتفق عليه بينهم أن الوسطية توصيف للمنهج الذي كلف الله به الأمة، وأن التحلل من المنهج – إن إفراطا أو تفريطا – يعني تجاوز الوسطية التي علمنا الله ورسوله تحريها سبعة عشر مرة في اليوم الواحد على الأقل من خلال خواتيم سورة الفاتحة.


الوسطية.. محاولة للوقوف عند إشارة القرآن

الوسطية لا يمكن الاختلاف مع الدكتور أبو يعرب المرزوقي في أنها صفة وجودية، غير أن الإشكال في تحديد الخواص الوجودية يبدأ من إسناد هذه الحالة للأمة وليس للمنهج. وإذا لجأنا لتوجيه الشارع جل وعلا في آية الوسطية لعلمنا أنها ترتبط بالشهادة على الناس في إطار شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم على الأمة. إن تحديد دلالة الشهادة بإسنادها إلى الرسول لا النبي في الآية الكريمة من سورة البقرة يعني أنه ارتباط بالمنهج لا بالأمة، بدليل أن مقتضى آية الوسطية في القرآن: "ويكون الرسول عليكم شهيدا.." لا تعني إلا أن وسطية الأمة مرتبطة بالتزامها بالمنهج والسباحة ضمن تياره العام. وتكون الشهادة كوظيفة هي محور بناء مفهوم الوسطية".

غير أن ما ينبغي أن نلتفت إليه في هذا السياق أن هذه الوسطية تتسم بأمرين مهمين لا يمكن إنكارهما، بقدر ما إنه لا يمكن استنكارهما:

فمن ناحية، لابد وأن نشير إلى أن الوسطية مفهوم وظيفي يرتبط بحالتي شهادة على الناس. الحالة الأولى تتمثل في شهادة على الناس من الأمم المختلفة، والحالة الثانية تتمثل في الشهادة على الحالة الإسلامية عينها.

فالإسلام كدين نزل لمعالجة أزمات الاستقطاب الوجودي بين المادية والروحانية من ناحية، وبين الدنيا والآخرة وبين الفوضى والاستبداد وبين الترخص والتشدد. ولا يقدح في هذا الطرح أن حكماء كل الأمم التي خلقها الله كانوا يطمحون لهذا الوسيط الذهبي الذي أسماه فلاسفة اليونان بالفضيلة وصار يعرف في الكتابات اللاتينية اللاحقة بالطوباوية أو Utopia. حتى في جدلية هيجل إن كان لنا أن نستشهد بهذا الرجل عدة الميتافيزيقا، كانت الأطروحة الجديدة Hypothesis دوما نتاج تطوري للصراع ما بين الأطروحة Thesis ونقيضها AntiThesis. غير أن هذا لا يعني أن نتهكم على طرح الوسطية باعتباره حالة حسابية وسيطة بين أطروحات مثل الدين والدولة، أو الثابت والمتغير، أو الذات والموضوع. فهذه الأطروحات يكون تمدد مفهوم الوسطية لتناولها تمددا اجتهاديا لا يدخل في تقييم بنية المفهوم، وإنما قد نستخدمه لمراجعة تطور دلالة المفهوم في كتابات المفكرين والكتاب والباحثين.

أما الحالة الثانية من حالات الشهادة فتتمثل في الشهادة على الحالة الإسلامية نفسها، وهو ما ذكره لنا الله تعالى بقوله: "ويكون الرسول عليكم شهيدا..". وفي هذا دلالة على أن منهج منح الله الإسلام للأمة الإسلامية كان مختلفا عن منهج منحه نفس الدين لبني إسرائيل من قبل، وهو ما جعل انحرافهم عنه انحرافا للكتاب السماوي الذي أنزل إليهم نفسه. فالله - جل في علاه – لم يجعل الدين لدينا مرتبطا بالأمة الحاملة له بل مرتبط بتمثل المنهج والتمسك به، مما يجعل الانحراف عن المنهج مدعاة للشهادة على الأمة الإسلامية نفسها. وهذه المسألة تحتاج لمزيد توضيح، وهو ما سنتناوله في البند التالي. غير أن المعلم الأساسي لها يتمثل في أن مفتاح الشهادة هنا مقدم للأمة الإسلامية نفسها ومتروك لخاصية التعددية في فهم نصوص الأصول وإدراكها، وعدم قدرة أي طرف – من داخل الأمة أو خارجها - على حمل عموم الأمة على الالتزام بفهم واحد للأصول: القرآن والسنة. غير أن منح الأمة هذه الخاصية الوجودية لا يعني إعفاءها من أن تكون موضوعا للشهادة.

ومن ناحية ثانية، وقبل الانتقال للبند الثاني، لابد من الإشارة إلى أن مفهوم الوسطية – برغم التهكم الذي ناله باعتباره حالة هندسية ما بين نقيضين، إلا أنه قريب من هذه الصورة، بما يمكن أن نعتبره أقرب إلى المنهج تفاوضي التشغيل. فذلك المبدأ يبدأ بالتعامل مع أطروحات متباعدة كثيرا ليجمعها في النهاية عند نقطة مشتركة، أو بمفهوم القرآن الأرحب: "الكلمة السواء". ويظل دور الأمة هو الاجتهاد والاستمرار في عملية سرمدية لبناء الكلمة السواء مع الآخر طالما أن الحركة الفكرية والاجتماعية تتبدل فيها تلك المفاهيم الحاكمة لها والمسيرة لشؤونها بما يعني تغير الظرف؛ وهو ما يعني استمرار الحاجة لتقديم اجتهاد جديد.


الوسطية.. هل تنطوي على أجندة

ذكرنا من قبل أمرين مهمين لابد من توضيحهما بإيجاز للبناء عليهما. فمن ناحية لابد لنا من الشهادة على العالمين والشهادة على الأمة الإسلامية نفسها. ومن ناحية ثانية أن الشهادة تحمل سمة المنهج مع الاختلاف الذي يقتضيه تغير الظرف وتجدد الطرح.

هذان المعطيان السابقان لا يعنيان إلا رفضا كليا لطرح الاقتصار على الدلالة الوجودية لمفهوم الوسطية. فالدلالة العملية الأولى لكون هذا المفهوم وظيفيا، وكون وظيفته تقديم الشهادة على الناس وفق هذين المستويين؛ هذا الطرح لا يعني إلا أن الوسطية أجندة، ويعني هذا أن الوسطية قد تكون أجندة طوباوية لم تمس أرض الواقع بحال أو أن تكون أجندة أيديولوجية تنطوي على تبرير لمشروع إسلامي قائم على أرض الواقع بالفعل طالما أنه يقع على أرضية التيار الأساسي للأمة الإسلامية، وهو تيار لا نقصد به إلا عدم الوقوع في أسر المغالاة أو التقصير، ومن ضمن ذلك الغلو والتقصير استشراء حالة مريضة من نفي الخواص الوجودية للأمة عن المنتمين لها، ومن بينها أكثر الصفات الوجودية تعبيرا عن الارتباط بالإسلام وهي "خاصية الإسلام" نفسها.

وهكذا لابد وأن يمثل مفهوم الوسطية توصيفا جامعا لمتتالية تجديد سرمدية لأجندة فكرية أو أيديولوجية يتحدد مركزها وفق ما يثيره الواقع (واقع الذات أو واقع الآخر) من تحديات متجددة.