خواطر عن المجال العام في مصر..

2008-12-30

الاحتلال أو الفساد.. أيهما يكسر الإرادة الفلسطينية؟


ترى بعض الأطراف الفلسطينية والعربية وكذا الدولية؛ أن مجزرة ة تعبير عن وصول المنحنى الحالي لمشروع حماس للمقاومة قد عاود المربع صفر مجددا، حيث لم يعد لديها الآن إلا العودة عن كل مكتسبات العامين المنصرمين مشفوعة بخسارة إستراتيجية كبيرة تمثلت في وضع إرادة الشعب الفلسطيني على محك يسهل في إطاره كسرها عبر آليات التجويع (التي مارسها الطرف الفلسطيني الفتحاوي) وجرائم الإبادة (التي مارسها ويمارسها العدوان الصهيوني الوحشي). فتوهج نموذج المقاومة الذي بلغ أوجه مع الانتخابات التشريعية الفلسطينية في 2005 بحصول هذا المشروع على رضا جماهيري هائل قد بلغ مرحلة الاشتعال بهذه المجزرة؛ بل وربما قبل ذلك حين اتجهت حركة حماس بصفة خاصة إلى إحكام سيطرتها على قطاع غزة. وكانت خطتا التجويع ثم الإبادة ثمرة الاختيار في مطلع 2006، فأصبحنا أمام أطراف بعضها مخطئ، والآخر فاسد، والاحتلال مقترف جرائم حرب رابح.

والتحرر الجزئي من هذا الطرح أظن أن لحظة التوهج بالفعل كانت مع انتخابات 2005، وأن فتيل مشروع المقاومة بدأ في الوهن مع قبول حركة حماس تكليف الحكومة، لأن مشروعها السياسي لم يكن بالدرجة الكافية من النضج لضمان استقامة المصير الفلسطيني وفق إرادة الشعب. برأيي أن خطأ حماس الإستراتيجي لم يكن بتقدير قدرتها على سوس الوضع الإقليمي والدولي والقطري الفلسطيني لصالح الشعب الفلسطيني ولو أن هذا كافيا؛ لكن كان الخطأ الأكثر مركزية؛ والأكثر لواحا في الأفق الإستراتيجي أن الضحية لن يكون الشعب الفلسطيني؛ بل الضحية ستكون إرادة الشعب الفلسطيني، وهذا هو الثمن الأشد وطأة والأنكى فداحة. وفي هذا الصدد أكتب هذه السطور.

ليس بوسع أحد أن يلوم حركة حماس على تقديرها واختيارها السياسيين، فهذه الحركة؛ بالإضافة لحزب الله؛ القوتان الوحيدتان اللتان تمكنتا من وضع حد شديد الصرامة للطموحات الإقليمية للعدو الصهيوني؛ عبر استهلاك قوته وطاقاته المدعومة أمريكيا، ومن حقها أن تمد مشروعها على استقامته مهما تفردت بتقييم جدواه؛ ولا يحاسبها إلا شعبها والتاريخ؛ ذلك الحكم الذي قلما يخطئ، والله هو الآخر. لكن من نملك الحق في لومه هو حركة فتح؛ وللإنصاف ليس كل فتح؛ بل ذلك الجناح المتصهين من هذه الحركة العملاقة تاريخيا المتقزمة آنيا. وهذا اللوم هو ما يفتح الباب للسؤال عن علاقة حركة فتح بالمجزرة التي ترتكبها قوات الاحتلال في جنوب فلسطين المحتلة.

From Israeli Buchery in Gaza



مقدمات المراجعة التاريخية

برأيي أن ثمة أربع مداخل للمراجعة التاريخية على أرضية المجزرة التي ترتكبها أطراف فلسطينية وأخرى صهيونية في قطاع غزة. هذه المداخل تسهم في توفير إضاءة أقوى بالمشهد التاريخي الراهن؛ بما يكشف حالة الصدام الحادة والمدمرة ما بين إرادة شعب وبين مصالح نخبة ضيقة تنتمي لنفس الشعب نسبا؛ لكنها بعيدة عن آلامه وآماله، بعيدة لدرجة أن يتحد الهدف وتنسجم الاعتبارات التكتيكية والإستراتيجية بين هذه النخبة وإدارة الاحتلال؛ لتفضي إلى سلام المنبطحين وفق تعبير الدكتور توفيق الشاوي أمد الله لنا في عمره بما يزيدنا من واسع علمه. المداخل تتمثل فيما يلي:

المدخل الأول: تسوية بلا أوراق ضغط. لا أدري لأي مدرسة ينتمي مفاوض يرى إمكانية التفاوض بدون توفير أوراق ضغط خلال عملية التفاوض. فنماذج التفاوض تختلف في تكتيكاتها وتركيبها ومقدماتها ومناوراتها بصورة كبيرة؛ لكنها تتفق على أنه لابد من أوراق ضغط فعالة لكي تصل العملية التفاوضية لنتائجها. وبمعنى آخر يحمل قيمة مضافة لفكرة؛ فإن التفاوض تعبير عن ميزان القوة الإجمالية بين أطراف العملية التفاوضية. وليس بعسير أن ندرك أن مشروع أبو مازن ورفاقه يفتقر لأية أوراق ضغط فعالة، وآخر ما تبقى من أوراق التفاوض هو تلك المقاومة التي يحاول أبو مازن وزمرته تجريدها من سلاحها، والتي رصد المراقبون مثلها نماذج عدة أبرزها أن يرسل رئيس جهاز الأمن الوقائي بالضفة 5 حافلات ركاب تحمل 200 عنصرا من كوادر حركة حماس لسجون إدارة الاحتلال. فهل بقي بعد ذلك إلا سلام مهين شبيه بالسلام المصري؟ ويرتبط بهذه المقدمة عدة تساؤلات تحتاج تبيينا واستجلاء من المراقبين والخبراء. فهل فاقت مصالح النخب الفلسطينية مصالح الشعب الفلسطيني؟ وإلى أي حد؟ وهذا ما يقودنا لمدخل الثاني.

المدخل الثاني: أين حضور إرادة الشعب الفلسطيني في وعي النخبة الفتحوية الحاكمة حين دأبت هذه النخبة على تكريس كل جهد ممكن لإفشال خبرة حماس في الحكم؟ أين المروءة والانتماء في أن يقوم فلسطيني بإنفاق أموال الخزانة العامة وصندوق الاستثمار الفلسطيني وصناديق المعونات الدولية وغيرها من المؤسسات المالية العامة الفلسطينية ليحرم الحكومة المقبلة من القدرة على دفع رواتب الموظفين وتأمين الإمدادات التي تهم عموم المواطنين من الدواء وغيره من اللوازم الحياتية التي يتعين على كل حكومة أن تلبيها لمواطنيها؟ هذا السلوك لا يعني إلا أني لو اضطررت لقهر شعبي وإذلاله في سبيل أن أهزم خصمي ومنافسي الانتخابي لفعلت. أي طرح هذا الطرح الخسيس الخلو من أية مسؤولية وطنية أو حتى إنسانية؟ والأنكى من هذا وذاك أنك تجد الفتحاويين في غزة يحصلون على رواتبهم كاملة مهربة من رام الله، فيمنُّون ويحسنون إلى أقربائهم المنتمين للفصائل الأخرى غير الفتحاوية ليبدو في النهاية أن فتح ثرية وتنفق وأن حماس لا تجد للإنفاق سبيلا. فهل لهذا الأمر معنى إلا تركيع هذا الشعب واستعباده عبر توفير احتياجاته الأساسية الحياتية الضرورية؟

المقدمة الثالثة: الفساد في الحكومة الفلسطينية قبل حماس. ما معنى أن يتحدث قيادي داخل حركة فتح عن الحركة فيشير إلى أنه بالمعيار التاريخي وعلى مدى أكثر من 30 عاما إذا أردنا أن نحدد قدر الفساد داخل حركة فتح فإن حديثنا يكون عن مليارات من الدولارات ذهبت هباء وأهدرت بوسائل فاسدة. ويتحدث القيادي الفتحاوي لموقع الجزيرة عن ظرف إجراء الحوار معه في أما إذا كنا نتحدث عن فساد اللحظة الراهنة فإن هناك بعض الألغاز حول الأرقام الحقيقية، لكن ما نعرفه اليوم على سبيل المثال أن أحد الذين تتمركز بأيديهم أموال الحركة هو الآن وفي هذه اللحظة التي أحدثك فيها موجود في بلد معين ويغترف من أموال فتح على مصروفات شخصية باذخة مثلما اغترف أولاده وأولاد أشباهه من المتنفذين داخل حركة فتح. ولا يقولن قائل إن هذا الكاتب عدلي صادق من طريدي حركة فتح وهو يتشفى بأقواله، فكم قصفت النخبة المتصهينة من حركة فتح أقلاما وكم سجنت وشوهت من قيادات فتح الشرفاء من لم يكن آخرهم حسام خضر.

المقدمة الرابعة: الفلتان الأمني. كان من بين المقدمات التي تشي بوجود توجه ضد الشعب الفلسطيني حالة الفلتان الأمني التي أوجدها مشروع ياسر عرفات الأول: أوسلو، والذي تسلمه من بعده رئيس السلطة الفلسطينية: أبو مازن. فالهدف البعيد وراء الفلتان الأمني خلق حالة تعبئة وجدانية عامة ضد السلام المتواجد في الشارع الفلسطيني؛ وبخاصة السلاح الكائن في يد فصائل المقاومة. ولا شك في أن منع السلاح عن اليد غير المسؤولة هو من المقدسات الاجتماعية، أما سحبه من يد المقاومة: ورقة الضغط الوحيدة الباقية في اليد الفلسطينية المفاوضة فيعد خطأ فادحا. وصدر القرار، وحصلت له قيادات فتح على تمويل قوي من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وكم كان الوعي الفلسطيني عميقا حينما أسماه بالفلتان الأمني، ولم يكن يعي أن الفلتان الأمني كان هدفا استعماريا هدفه في النهاية مصادرة كل السلاح خارج يد السلطة الفلسطينية؛ وإنتاج ما تعرفه الدوائر الأكاديمية الأوروبية باسم احتكار وسائل القمع المشروعة. وكان الشعب الفلسطيني هو الضحية، وكان أمنه هو المهدد، ولا نعفي حركة حماس من تجاوزات حدثت على أيدي بعض كوادرها. واللافت للنظر في هذا الإطار أن المواجهات لم تأت على يد كتائب شهداء الأقصى: الجناح العسكري لحركة فتح، بل جاءت على يد قوات الشرطة مدعومة بكتائب بدر التي يقودها محمد دحلان ويمولها الاتحاد الأوروبي بالإضافة لبعض عناصر الأجهزة الأمنية الأخرى.

هذه المقدمات كانت مهمة لنوضح الصورة على الساحة الفلسطينية، ولنتبين قيمة الإرادة الشعبية في سلوك الطرف الفتحاوي فيها؛ وهو ما يساعدنا على تفهم وجهي العملة التي اشترت مجزرة غزة

From Israeli Buchery in Gaza



كسر إرادة الشعب الفلسطيني

بين متتالية النكسات الديمقراطية التي تمنى بها أمتنا بدت للمراقب ثلاث بوارق للأملح أولها الحالة اللبنانية، وثانيهما الحالة الموريتانية، وثالثهما الحالة الفلسطينية. وقد منيت البوارق الثلاثة بمتتالية انتكاسات نالت من عمق حضور الشعب داخل التجربة، فاستحالت البارقة اللبنانية إلى صراع قيادات الطوائف، ومنيت البارقة الموريتانية بردة الجنرالات، وأما البارقة الفلسطينية فقتلتها خيانة الجناح المتصهين من حركة فتح.

برأيي المتواضع أن الخاسر الحقيقي من المعركة الفلسطينية – الفلسطينية ليس سوى إرادة الشعب الفلسطيني. فالشعب الفلسطيني لن يعدم أن يجد قوتا طالما أن الله هو الرزاق. لكن أن ينال قوته بعزة تلك هي القضية المهمة، وأن ينال حياته الكريمة مع احتفاظه بإرادته السياسية وغير السياسية تلك هي القضية الأهم.

إن ما فعلته النخبة الفتحاوية التي سبقت حكومة حماس ربما يبدو في ظاهره صراع فصائل سياسية على الحكم، لكن المشكل في الإرادة السياسية لهذا الجناح من حركة فتح أنها حرصت على كسر الحضور السياسي المركزي لحماس عبر الاحتكام لرأي الشعب الفلسطيني مجددا؛ ليس عبر أساليب نبيلة أو حتى أساليب غير نبيلة ذات طابع إعلامي، بل كان الأسلوب الأمثل هو تركيع الشعب الفلسطيني وتأديبه لكي لا يلجأ لخيار حركة حماس مرة ثانية. هو إكراه مادي ومعنوي بالغ القسوة للشعب الفلسطيني باتجاه دفعه للتخلي عن إرادته والاستسلام لمنطق الجوع وإطعام الصغار. ويكأن هذا الفصيل الذي لم يتوان في تقديم دلائل الاستسلام أمارات التهاون أمام المحتل الصهيوني، ولم يأل جهدا في تكريس أنماط المصالح الخاصة والفساد المالي والإداري في قضية هي من أطهر وأنبل القضايا التي تخص عموم الأمة بقدر ما تخص الشأن الفلسطيني، ويكأن هذا الفصيل لا يبالي بمصلحة عموم الشعب وأولوياته الحياتية في سبيل سحق خصمه.

يكتمل المشهد بتصريح وزيرة الخارجية بإدارة الاحتلال تسيبي ليفني من القاهرة في يوم 25-12-2008 بأنها ستنهي سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، لتبدأ مجزرة غزة في 27-12-2008. ويصبح من المستغرب أن تتحد أهداف الفساد والاحتلال على خلفية استهانة مطلقة بإرادة الشعب الفلسطيني في إطار رؤية تحمل بصمة مشروع العدول الأمريكي عن دعم إرادات الإصلاح في العالم العربي لا لشئ إلا لأنها تأتي بالإسلاميين للحكم. فالأيقونة الثقافية لالتقاء الفساد والاحتلال تتمثل في النهاية في كسر إرادة الشعب الفلسطيني.

From Arting Wessam