خواطر عن المجال العام في مصر..

2009-09-13

أيها المثقفون.. ارفعوا أيديكم ووصايتكم عن المصريين


خلال الأيام القليلة المنصرمة اصطدمت أذني بعدة رسائل إعلامية من المثقفين، وجدت أنها تصب في تيار القطيعة مع محاولات الإصلاح. هذه الرسائل كانت تتعلق جميعها بحاجة الجماهير المصرية لقيادة تجعلهم يعون التغيرات التي تحدث حولهم، وأن المصريين - كشعب - لا يعون ولا يحسنون التصرف. واكتشفت أن كل الحركات السياسية في مصر تقول هذه الكلمة؛ بدءا من اليسار الذي يتحدث عن إنتلجنسيا؛ وحتى الليبراليين الذين يتحدثون عن نخبة مستنيرة، مرورا بالإسلاميين الذين يتحدثون عن الطليعة المؤمنة أو النفر المنتدبون لتعلم الشريعة وحملها للناس.


أيها الواهمون.. ارفعوا وصايتكم عن الشعب..

تذكرت مع هذا التيار من الرسائل قول أسامة الباز وغيره من عبيد الرئيس المصري: "لا يوجد بين المصريين من يقدر على خلافة الرئيس المصري". وتذكرت كم كانت تجرحنا هذه الكلمة قديما؛ قبل أن يذعن الرئيس لضغوط الخارج ويضطر لإجراء انتخابات رئاسية تعددية "تحت السيطرة" ويدخل فيها ببرنامج ينافس برامج غيره من مرشحي الرئاسة.

لكن الأمر الذي كان يغيظني هو افتراض الجميع أن هذا الشعب لا يحسن أن يتخذ قرارا، ولا يفقه الواقع المحيط به، ولا يدرك أبعاد مأساته، ولا يعي معوقات إصلاحه، ولا ينفك ينغمس في قضايا زائفة يصنعها هو؛ بدءا بحمى الكرة وانتهاءا بالفتنة الطائفية، مرورا بالهروب من الواجهة إلى عالم النكتة. ولا يعي أي من هؤلاء المنتمين للنخب المثقفة - إسلاميون أو يساريون أو ليبراليون أو غيرهم - لا يعون أن الشعب يفعل هذه السلوكيات الهروبية محموما.

تلك الحمى التي لمسها من قبل إبراهيم عيسى عندما أعلنها مدوية:  "من قال إن المصريين متسامحون؟". كما لمستها اماني سلام مراسلة فرانس بريس عندما نبهتنا - نحن النائمين - إلى أن مصر شهدت 1432 اعتصاما منذ الدعوة لإضراب أبريل 2007 وحتى نهاية عام 2008. كما لمسها كل من قارنوا بين انتفاضة الأرزقية في طول مصر وعرضها في 1977 في مواجهة غلاء لم يتجاوز 15%؛ بينما لم يفكروا في اتخاذ رد فعل أمام غلاء بلغ أكثر من 300% بالنسبة للسلع الأساسية وليس الكمالية في 2007 - 2009.


المأساة.. شعب مفجوع في نخبته

ما أراه هنا علاقة عدم ثقة متبادلة. فالنخبة جميعها تعتبر هذا الشعب عبيط وفاقد للأهلية، بينما الشعب يراها نخب بلهاء فاقدة للمصداقية. وتتعد إمارات انعدام الثقة المتبادل هذا. فمن جانب الشعب بفئاته نذكر عدم الثقة هذا بالنظر لحدوث 1432 اعتصاما من دون وجود قيادة نخبوية مستقرة؛ بالإضافة لعزوف الجماهير عن المشاركة في متتالية تظاهرات حركة كفاية ومتابعة أجنداتها. وفيما يتعلق بالنخبة نجد أنها لا تكاد تقترح الرجوع للجماهير في حسم قضية من القضايا، بل تتحدث عن الجماهير باعتبارها ذلك المرتشي المستعد لبيع صوته مقابل حفنة جنيهات، من دون النظر لتصويتاتهم الماضية لجماعة الإخوان المسلمين.

لقد تحدث مراقب أمريكي عن الجمهور المصري ليعتبره جمهور يدعم الاتجاه نحو ملكية بيروقراطية يقايض فيها حقه في المشاركة مقابل منافع اقتصادية تحصلها بعض قياداته الاقتصادية وأحيانا الاجتماعية. ولم يلتفت أي من قيادات نخبنا إلى أن هذه المقايضة جاءت نتيجة أن الجمهور لم يرهم إلا عازفين عن دفع التكلفة الاجتماعية للإصلاح. وحتى لو دفعوها؛ فإنهم يدفعونها بدون مقابل؛ كمن قال فيهم أستاذنا توفيق الشاوي "المنبطحين".

وتعالوا لنرى مدى فجيعة هذا الشعب في نخبته:

أ - أين اليساريون في اعتصامات واضرابات العمال؟ ستجد مركزهم القديم  في مجلس الشورى يقدم تنازلات بينما تركيبتهم الجديدة لا تزال تحاول إصلاح كارثة جورج إسحاق في حركة كفاية. أو يتزعمون حركات حقوقية أغلبها بعيد عن أجندة الشعب الحقيقية.

ب - أين جماعة الإخوان المسلمون فيما يتعلق بأجندة المجتمع الدينية؟ ستجدهم في مجلس الشعب يحاولون خطب ود أحمد عز لكي لا يسبهم كما فعل في المجلس أو لكي لا يستعدي عليهم الدولة كما حدث في مؤتمر الحزب الحاكم. لكنه يأبى ألا يسحق وجودهم السياسي.

ج - أين الليبراليون؟ ستجد أغلبهم يتحدث، ولا يفعل غير الحديث في قضايا الحريات، ولم يتم تطوير صيغة حقيقية للتعاطي مع تحديات الديمقراطية في بلدنا، حتى ولو بصيغة مرحلية نقوم فيها بمأسسة توافقات اللحظة الراهنة، تاركين للغد زيادة مساحة التوافق.


وبين هذا وذاك تجد أننا كلما بنينا توافقا خرقوه وهدموه، تارة مع فاروق حسني والحجاب، وتارة مع الدستور الشكلي وتعديله، وتارة مع حزب الله وحماس وأخطائهما.

وفي الختام.. هذا الشعب لم يتخذ إلا قرارا حكيما بالنظر للمعطيات التي قدمتموها بين يديه أيها المثقفون. فارفعوا وصايتكم عنه..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كن إيجابيا وأدخل تعليقا يليق بك..