خواطر عن المجال العام في مصر..

2009-10-12

النقاب بين عفوية شيخ الأزهر واستدراجات محمود سعد


قبل أن تعلق على العنوان أنا بحاجة لأن أوضح أن مقصدي بذكر اسم الإعلامي المصري محمود سعد هو أنه أيقونة لموجة إعلامية انتهزت واقعة سلوكية اتسم فيها سلوك شيخ الأزهر بالعفوية الشديدة المقبولة في إطار حوار بين رجل في سن الجد وتلميذة في سن أحفاد هذا الرجل. لكن الذي يحدث هو انتهاز وتسلق إعلامي واضح بدأ بهرولة من التليفزيون المصري بيد الإعلامي: محمود سعد، ولحقته ملاحقة متباطئة بنكهة أخرى من قناة دريم على يد الإعلامية: منى الشاذلي في متابعاتها على الموضوع.

الاحتراف الإعلامي المهم.. والتلبيس
بداية، لابد من أن نتفق على أنه لا يمكن لأحد أن يلوم إعلاميا على مبادرته لتناول حدث ساخن، وتغطيته، التعرف على أبعاده الكاملة وملابساته، وبخاصة عندما يصدر عن رمز من رموز المجال العام، أو عندما يمس احتياجات المواطنين. تلك المبادرة وذلك التقصي يعكسان عملا احترافيا مهما لمستقبل هذا البلد ولعقل أهله. وفي النهاية لا نملك إلا أن نهنئ المبادر ونشد على يده، ونزيد فنتمنى من الله له التوفيق.
ولابد من أن نتفق كذلك على أن النظرية التآمرية نموذج تفكير غير مقبول. غير أن ثمة نموذج إدراكي يتمتع بصدقية عالية فيما يتعلق بتسريب المفاهيم والأفكار لبيئتنا العربية. والغريب أن كل النخبة الوطنية بالمجتمع تؤمن بنموذج التسريب عندما يتعلق الأمر بإسرائيل (مفهوم الشرق أوسطية كنموذج)، وتنكره عندما يتعلق بأجندة تمس الحضور الاجتماعي - الثقافي للإسلام (الحجاب كنموذج).
إن ما حدث مع شيخ الأزهر لم يكن محض متابعة. لم يكن محض تغطية كاملة. كان شيئا غريبا حقا، ويحتاج بعض التأمل. ومن ملامح الغرابة فيه ما يلي:
أ - تضخيم الحدث بصورة لا تكافئ وزن الحدث.
ب - التسجيل مع شيخ الأزهر نفسه كرمز للديانة الإسلامية في لقاءات قصيرة متتابعة من تليفزيونات مختلفة؛ تجاه حدث لا معنى له إلا أنه يعكس عفوية في سلوك شيخ الأزهر. وهي عفوية اتسم بها سلوكه منذ أمسك بتلابيب هذا المنصب، ولا تزال جزءا من سلوكه حتى بعد أن ألحوا عليه في الاستقالة، ولا تزال جزءا من سلوكه مع إصراره على رفض الاستقالة. وجزء من المهزلة أن منى الشاذلي انصب أغلب جهدها على التساؤل عن هيبة الأزهر وهي بتسجيلها تهز هذه الهيبة.
ج - كانت اللقاءات التليفزيونية حول الحدث تغطية لعملية ضغط قاسية على شيخ الأزهر ليبرر قرارات محتملة بمنع النقاب كليا أو في أماكن محددة وأوقات محددة.
وهذه الإشارة الأخيرة لابد من التفصيل فيها. فبالنظر لتسجيل محمود سعد مع شيخ الأزهر، وبعيدا عن السؤال الأول عما حدث، وبعيدا عن تعليق لمحمود سعد هنا وهناك؛ بعيدا عن هذه الأسئلة التمويهية كان محمود سعد يضغط على شيخ الأزهر لكي يتحدث عن رفضه لارتداء المرأة النقاب في في أماكن معينة أو في مناسبات معينة. وكنت أشعر بأن محمود سعد كان يتمنى لو قفز من كرسيه وأمسك بتلابيب شيخ الأزهر ليجبره على أن ينطق بما يريد محمود سعد سماعه. وأنا لا أنكر أن تاريخ وبعض سلوكياته شيخ الأزهر هي مما سمح لبعض الإعلاميين بالاستخفاف به، والضغط عليه، واستنطاقه ببعض التصريحات غير المدروسة. لكن لا أدري لماذا كان هذا الضغط يمارس على شيخ الأزهر بهذه الصورة التي كانت تحتاج لتغطية تم في إطارها انتهاز واقعة نهره لفتاة واستخفافه بنقابها.
يذكرني هذا الموقف بمرحلة سابقة حصل فيها لي موقف، حين ذهبت للمصيف في أحد فنادق الساحل الشمال، ثم قامت زوجتي لتبلل قدميها بماء البحر؛ إذ هي لا تنزل البحر في شواطئ مختلطة، وفوجئت آنذاك برجال أمن الفندق يحيطون بها ويخاطبونها؛ لأفهم منهم بعد ذلك اعتراضهم على أن تطأ الماء بقدمها وهي بزيها، موضحين أن وزارة السياحة منعت نزول البحر بالحجاب. وأن الحد الأدنى من الستر للنزول للبحر في هذه الفنادق يتمثل في "المايوه الشرعي"، وهو مصطلح يثير الاشمئزاز وتطبيقاته بموديلاتها جمعاء تدفع للتقيؤ على قرار وزير السياحة ومن لا يشعر بأن هذا القرار فيه استهزاء بشرعة الإسلام.
لا شك في أن شيخ الأزهر أخطأ حين استهزأ بابنتنا تلميذة المعهد الأزهري. لكن ما أحمده له أنه قاوم وبضراوة المحاولات المستميتة والإلحاح البشع الذي قام به كل من الإعلامي "البارز" محمود سعد. وكان رده العفوي موفقا.

بون شاسع ما بين الحرية الشخصية والفضيلة
بداية، أنا ممن يلتزمون بالاتجاه الفقهي الذ يذهب إلى أن النقاب فضيلة ونافلة وليس فرضا؛ حيث الفرض هو الحجاب بالمواصفات التي وردت بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. لكني احترم ذلك الاجتهاد الفقهي الذي يرى أن النقاب فريضة. ومن اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد.
لكن لابد من أن نحترم موقف شيخ الأزهر، حتى ولو اختلفنا معه فقهيا. نحترمه لأنه لم يعتبر النقاب حرية شخصية، بل اعتبره فضيلة وفضلا، وشتان البون بين المنظورين. وأنا إن كنت أرى أن شيخ الأزهر قد لا يدرك الفارق بين الاتجاهين، ولكن حسبي أن الله ألهمه بالإمساك عن الخوض في هذه القضية، والاقتصار على الترديد بأن النقاب فضل وفضيلة.
فاقتراب الحرية الشخصية الذي تحدث به الإعلام المصري خلال الفترة الأخيرة؛ اقتراب جديد يحاول التيار العولمي ذي الخلفية الأمريكية أن يفرضه؛ ليستخدم كمدخل فيما بعد لتحقيق ما فشل تحقيقه من قبل عبر مؤتمرات المرأة والسكان.. إلخ. وهذا المصطلح تروج له عدة مؤسسات عالمية اليوم ليكون مفتاحا ثقافيا من المفاتيح التي تساهم بها الحضارة الغربية في تغذية التراث الإنساني وإثرائه. وداخل تطبيقات المفهوم نتحدث عن ممارسة الجنس في الطريق العام، والتصريحات الفردية الشاذة في حق الأديان، ومفهوم الشذوذ الجنسي الذي سيتم تجريد النظر له من بعده الأخلاقي، ويلي ذلك مفهوم الأسرة الشاذة التي قد تتكون من زواج الشواذ إناثا كانوا أو أشباه رجال. والقائمة ليست مغلقة دون بدائل يحتمل أن توضع على هذه القائمة في المستقبل.
إن التمسك بالقول بأن النقاب فضيلة يعني أن هناك مرجعية للشريعة، وأن الشريعة توصي بالحجاب والستر، وأن الإمعان في الستر يعد من هذا المنطلق فضيلة، وأن رفض الستر هو معصية لله جل وعلا، وأن الإصرار على هذه المعصية كبيرة من الكبائر.، وستظل كذلك إلى الأبد؛ لأنها حكم من الله ورسوله. هكذا تكون المرجعية. ولا مانع بعد ذلك من أن نختلف حول كون النقاب فريضة أو فضل، فهذا مما يسعه الدين، ولا تنكره الشريعة.
أما القول بأن النقاب حرية شخصية فإنه يعني ثقافيا أن القرار بفضله يعود للشخص، ولا مركزية للشريعة بل ولا دور للشريعة في وضع معيار عام للسلوك. ويلحق بذلك أن يكون كل شئ يتعلق بالفرد دون الجماعة من قبيل الحرية الشخصية، سواء أكان عريا أو عوارا أو خلافه. إن اتجاه منى الشاذلي في دريم لمناقشة أمر النقاب على أنه من قبيل "الحرية الشخصية" بعد ذلك؛ في متابعاتها على القضية؛ هذا الاتجاه توجهها الفكري والثقافي الذي لا نملك إلا التوقف عنده واعتباره؛ شأنه في ذلك شأن حجابها. فهي إن التزمت فهي في نعمة من الله وفضل،  وإن أصرت فلها موقفها ورؤيتها ولنا موقفنا ورؤيتنا. ولا ننسى بعد ذلك أننا ملتزمون بقول الله جل وعلا: "فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر".
وختاما، أنا لا أحكم إن كان كل من محمود سعد ومنى الشاذلي يعيان أبعاد مفهوم الحرية الشخصية أو لا يستوعبان تداعياته، ولا أملك إلا أن أحترم كل منهما على ما يبذله من جهد صادق ومخلص عندما يتعلق الأمر بمصلحة الوطن وسلبيات السياسة والإدارة والاقتصاد فيه. ويبقى أمران:

أ - أن هدف هذه الورقة أن أنبه الإسلاميين إلى رفض مفهوم الحرية الشخصية كأساس للتعامل به مع قضايا الأوامر والنواهي الشرعية. فالنواهي الشرعية لا نحصل عليها إلا من الشريعة.
ب - لابد من أن أوضح أني أتفق مع منى الشاذلي في أن لمنصب شيخ الأزهر هيبة لابد من تقدير الجميع لها؛ بمن فيهم شيخ الأزهر نفسه. كما أتفق مع الحملة التي ترى أن نقاب الطالبات داخل المدينة الجامعية للطالبات هو أمر مثير للريبة. لكني لا أتفق ألبتة مع محمود سعد في ضغوطه التي  رافقها عدم وضوح أجندته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كن إيجابيا وأدخل تعليقا يليق بك..