خواطر عن المجال العام في مصر..

2009-07-12

خطاب التدين الجديد من عمرو خالد إلى معز مسعود









في أحد اللقاءات الأكاديمية حول ظاهرة التدين الجديد؛ والذي كنت فيه أقدم رؤيتي حول هذه الظاهرة والفكر الذي يقدمه قادة هذه الظاهرة مثل الأستاذ عمرو خالد وأقرانه، حرصت على التأكيد على توجهي التحليلي في توصيف هذا الفكر، وأوضحت المعيار الفارق الذي يميز التدين الجديد عن غيره من خطابات التدين الموجودة في ساحتنا العربية، وهذا المعيار من وجهة نظري هو معيار التنمية الذاتية.
 

الهجوم على عمرو خالد.. تحليل

في الكتابين الذين صدرا لي: "التدين الجديد: المفهوم والأبعاد الاجتماعية"، و"الدعاة الجدد" الذي صدر بالاشتراك مع باتريك هاني، حرصت على تطبيق هذا المعيار بدرجة أو بأخرى، مما يسهم في تعريف الجماهير الفارق بين أطياف خطاب الفضائيات الذي لمعت فيه أسماء متفاوتة التوجهات؛ مثل: مصطفى حسني ونبيل العوضي وخالد الجندي ومعز مسعود ومحمد بن عبد الرحمن العريفي، بالإضافة لتلميع قيادات أزهرية وسلفية عالمة ومتمكنة، وكذا قيادات إعلامية تنتمي لكافة الاتجاهات التدين في عالمنا العربي والإسلامي كمصطفى حسني وغيره من الدعاة.

وثارت من القضايا خلال هذا اللقاء الأكاديمي؛ لتزيد من رغبتي في الشروع في مزيد من النقاش حول هذه الظاهرة. وكان من بين القضايا بعض النماذج التي تقدم عبر الفضائيات لدعاة يحاولون الاقتراب كثيرا من الشباب بالنقد العملي والموضوعي لاقتراب التيار السلفي القائم على الهدي الظاهري؛ والذي يجعل المسلم متميز شكلا (ارتداء القميص/الجلباب وإطلاق اللحية) كما هو متميز موضوعا بأخلاقه وتحليه بتعاليم الإسلام الكريمة.

والواقع أن هذا التوجه الذي يتجاوز الشكل الذي يقدمه السلفيون يضم دعاة من مختلف البلدان؛ ولعلنا نشير إلى الأستاذ معز مسعود والشيخ محمد بن عبد الرحمن العريفي كنموذجين مشهورين لهذا التوجه. فالداعية معز معز؛ في خطابه - يقدم أطروحته صريحة حول إمكان التزام المسلم بإسلامه حتى ولو كان يفضل في نمط حياته Life Style أن يكون شابا مماثلا في شكله لكل شاب تأثر ظاهريا بالصرعات/الموضات الواردة من الغرب بخصوص الملبس وقصة الشعر والعادات القافية المختلفة وكذا عادات الطعام ومنها استهلاك أطعمة الفرينشايز ومشروباتها. ولا يقل فضيلة الشيخ محمد بن عبد الرحمن العريفي صراحة عن معز مسعود في هذا الصدد عندما يتوجه للدعاة الشباب بترنيم برنامجه المعروف "كن مثلهم.. في جوهم.. ضع بصمتك".

هذا التوجه جعل كل الاتجاهات المحافظة تعترض على نمط التدين هذان وتتحفظ على هذا المنهج أيما تحفظ. وحملت هذه الخطابات المعترضة مداخل ثقافية وسياسية وشرعية في نقدها. رافضة ما اعتبرته توجه تجزيئي يقدم الإسلام كتعاليم أخلاقية بدون تفاصيل الشريعة التي تتسم بالشمول الثقافي والاجتماعي والسياسي. وهذا الاتجاه النقدي انطلق من تفكيك للوضع السياسي الثقافي الاجتماعي السلبي والصدامي لقطاع عريض من الحركات الإسلامية. كان يتوسم في ظاهرة التدين الجديد أن تعالج سلبيات الحركات الإسلامية مع الاحتفاظ بالفهم الأعم الذي ميز هذه الحركات لمراد الشريعة على الأصعدة السياسي والثقافي والاجتماعي.. إلخ.

والمشكل في هذا الخطاب النقدي الذي قاده متخصصون في شؤون الحركات الإسلامية كالأستاذ حسام تمام والأستاذ علاء النادي أنه في جزء منه اعتبر عمرو خالد أيقونة لهذا الخطاب التجزيئي، واعتبر عمرو خالد أنموذجا للخطاب أو نمط التدين الإسلامي "الجديد" الذي التقط شذرات من الشريعة من هنا وهناك وقام بتجميل الثقافة الغربية الوافدة بها؛تلك الثقافة التي تشبعت بها الشرائح الاجتماعية العليا في مجتمعاتنا؛ وأن هذا النمط من الدعوة حرص على تديين هذه الطبقة من خلال ابتكار نمط تدين لا يميز المتدينين عن الظواهر الثقافية الوافدة في مختلف أطروحاتها السياسية (بإبعاد المتدينين عن العمل السياسي) والثقافية (بعدم ممانعة استغراق المتدينين في نمط الحياة المتأثر بالثقافات الوافدة) والاجتماعي (التدين الفردي الذي لا يتمدد اجتماعيا كما جرى العرف في فاعليات عملية التدين). وأصبح التقدير الغربي لهذه الظاهرة في إطار هذا الاتجاه النقدي تقدير صادر عن رؤية ثقافية تقدر أية محاولة لتقديم خطاب تدين منقوص أو مشوه.

ونتيجة لنجومية عمرو خالد؛ تحول هذا الأخير لأيقونة لهذا الخطاب، برغم ما يحمله خطاب عمرو خالد وأقرانه من دعاة التدين الجديد من خصوصية خطابية، وهو ما دفعنا لتعميق التناول لفصل نمط التدين الذي يقدمه نموذج عمرو خالد وأقرانه عن نمط التدين الذي يقدمه معز مسعود وأقرانه.

 

ملحوظات لتنبيه الناظر للتدين الجديد

هناك ملحوظتان منهجيتان لابد من الإشارة إليهما قبل التطرق لقضية الفارق الجوهري بين الخطابين: خطاب نموذج عمرو خالد وخطاب نموذج معز مسعود. وهما:

الملحوظة الأولى: مصطلح التدين الجديد أو الدعاة الجدد لا يصلحان في ذاتهما. وقد يكون هذا المصطلح قد انتقل لتسمية الظاهرة تأثرا بظهور تيارات مختلفة في الفكر الغربي كالماركسية الجديدة والليبرالية الجديدة، لكن مع ذلك يظل قاصرا عن تقديم مفهوم أو مصطلح معبر عن الظاهرة. ولست هنا بصدد تقديم مصطلح أو مفهوم أو تسمية جددا لمعالجة هذا القصور الدلالي؛ إذ لا يتسع المقام، لكنها إشارة تفتح الباب لنقاش مستفيض بين المتخصصين للنظر في قضية التسمية.

الملحوظة الثانية: لا يمكن وضع الدعاة الجدد كلهم في سلة واحدة. فبرغم وجود تشابه بين عمرو خالد ومعز مسعود في شكل الداعية ومظهره؛ لكن خطابهما مختلف. وبرغم وجود تشابه بين العريفي والجفري في مظهرهما وشعبيتهما لكن خطابهما مختلف، وبرغم وجود تشابه في الشعبية والمظهر ما بين معز مسعود وخالد الجندي لكن خطابهما مختلف. فالأصل أن نتحدث عن خطاب الدعاة كمعيار للتمييز بينهم، وهذا المعيار يجعلنا ندرك حجم الفوارق الخطابية الهائلة فيما بينهم، ويجعلنا نرفض وضعهم كلهم في تصنيف جامع لا يميز بينهم بشئ. والحقيقة أيضا أني لست بصدد تقديم دراسة شاملة للخطابات الدعوية الجديدة، لكن هذه السطور مدخلا للتمييز ما بين طيفين من أطياف الخطابات الدعوية الجديدة؛ هما خطابا تيار عمرو خالد وتيار معز مسعود. ويبقى أن نسبة التيار إلى اسم لا يعني بالضرورة أنه هذا الداعية يمثل قيادة هذا التيار.

ما بين خطاب الحياة بالإسلام وخطاب الموت به

من أهم الفوارق التي أضعها في هذه السطور للتمييز ما بين تيارين متشابهين جدا من ظواهر الدعاة الجدد هي المحط الرئيسي في الخطاب. وهنا أشير إلى أن عمرو خالد يمثل "خطاب الحياة بالإسلام" وخطاب معز مسعود يمثل "خطاب الموت في رحاب الإسلام". وهذا فارق كبير ما بين الخطابين. لكن..

لا ينبغي في هذا الإطار أن يجرفنا سوء الفهم لكي نظن أن عمرو خالد يخرجنا من دائرة الموت في رحاب الإسلام، بل إن تمييزنا للخطابين قائم على أساس مركز هذا الخطاب. فكل الخطابات الإسلامية؛ بما فيها خطابا عمرو خالد ومعز مسعود، تقوم على أساس أننا مخلوقون لعبادة الله، وأننا نحظى بالاختيار، وأننا إلى الله صائرون؛ في بعث ثم حساب ثم دار جزاء. لكن هناك فوارق في الخطاب بين كل حامل فكر، بقدر ما إن هناك فوارق هائلة بين خطابات الحركات الإسلامية المختلفة.

فخطاب معز مسعود موجه لأولئك المنغمسين في ظواهر الثقافات الوافدة؛ وبخاصة الظاهرة الثقافية الغربية، وأولئك بعضهم ممن أسرف على نفسه، أو ممن تعلوه عوارض المراهقة العمرية فيرفض أن يلتزم بهدي ظاهر، بل يرفض أن يلتزم أحيانا بتقاليد زي عرفية مثلما هو الحال في دول الخليج: القميص والعقال أو القميص والدشداشة. هذه الشريحة ترفض تقليد المجتمع؛ وتسعى لتمايز شكلي، وغالبا ما تلتمسه في تلك الصرعات/الموضات الوافدة من الباحة الغربية. بل إن من هؤلاء من يعاني خواء روحيا قد يلتمسه في الفكر الذي تحمله الاتجاهات المتطرفة من موسيقى الروك التي تبدأ خطابها بنقد ظواهر التدين؛ وتتطرف بعض اتجاهاتها في اتجاه أفكار طقوسية غريبة أسماها البعض تجاوزا في بعض البلدان باسم عبادة الشيطان. وأبرز مثال على هذه الصرعات الاجتماعية الثقافية ظاهرة "الإيموز".

فخطاب معز مسعود بالنسبة لهؤلاء خطاب إنقاذ ورحمة؛ يقوم على استدراج هذه الشرائح العمرية والثقافية لأرضية الإسلام الرحيمة في مواجهة خطابات أخرى تقوم بنفيهم ثقافيا؛ بل وتقوم في بعض الأحيان بإقصائهم تحت عنوان "الكفر" و"الإخراج من الملة". هذا الخطاب في النهاية خطاب يحرص على منع هذه الشرائح من التوجه نحو اليأس من رحمة الله، ويرفض إبعادهم عن دائرة الإسلام إبعادا يصل بهم لحد قنوطهم من العودة مجددا. طبعا هذا ليس كل خطاب معز مسعود؛ فخطاب معز مسعود – شأنه شأن أي خطاب – هو خطاب متعدد الأبعاد والأهداف، لكنه يركز في النهاية على القرب من الله والاستعداد للقاء الله الذي نحن جميعا إليه صائرون. وقد يتجاوز معز مسعود هذه الشرائح العمرية؛ لكنه لا يزال يحمل لهم ولغيرهم خطاب رحاب الإسلام السمحة التي تستوعبهم في أي حال. وهذا التوجه نجده يستوعب عددا وافرا من الدعاة من أبرزهم فضيلة الشيخ محمد بن عبد الرحمن العريفي.

وبخلاف هذا الخطاب؛ نجد خطاب عمرو خالد الذي بنى رؤية تنفيذية لمفهوم صناعة الحياة الذي سبق أن طرحه المفكر الإخواني العراقي عبد الرحمن الراشد، والذي كان يصدر ضمن سلسلة رسائل العين. ويقوم هذا التفكير على أساس قناعة بضرورة تحول الخطاب الإسلامي لخطاب تنموي نهضوي يقود الناس نحو إعمار الدنيا كما يقودهم نحو الإعداد لملاقاة الله جل وعلا في الآخرة. فهذا الخطاب هو خطاب لإدارة الحياة وليس للاستعداد للموت؛ وهذا هو الفارق بين خطاب عمرو خالد وخطاب معز مسعود.

وبقدر ما حرص هذا الخطاب في بعض مراحله على تجذير علاقته بالإسلام من خلال قراءة السيرة قراءة عملية إنمائية بقدر ما أعاد الانطلاق من هذا الخطاب لدعم نموذج شخصية المسلم العملي الناجح، وهو ما أسميناه خطاب التنمية. فهو خطاب عمل على تقديم قراءة إنمائية من خلال الأصول والسيرة، بقدر ما عمل على تجسير الفجوة ما بين فكر الإنتاج والتنمية وبين العمل والاستعداد ليوم الرحيل.

هذا هو الفارق المركزي ما بين الخطابين. ولا شك في أن كليهما خطاب تدين جديد، مفارق للمألوف، ومجاف للحساسية الحضارية، وقد نختلف معه أو نتفق، لكن المؤكد أنها خطابات نشأت لتواجه مساحات أزمة أو مساحات فراغ في أنماط التدين القائمة. هي خطابات تؤدي وظيفة اجتماعية. وربما تكون بطبيعتها جزئية، لكن لا يعني هذا أنها خطابات غير متزنة؛ ولا شك في أن شعبية هذين الخطابين تكشف عن عظم المساحة الاجتماعية التي تحتاج لهذه الخطابات.