خواطر عن المجال العام في مصر..

2009-11-19

تصفيات كأس العالم.. فاستخفوا أقوامهم فأطاعوهم..


كم يبكيني أن أفاخر كمصري وكعربي بأننا لسنا في قاع الحضيض في مجال من المجالات. حدث هذا اثناء نقاشي مع أحد زملائي في العمل، وقلت له: "أجمل ما في ما يحدث بين الشعبين المصري والجزائري أنه أثبت لي أن شعب الجزائر مستخف به أكثر من شعب مصر". وهذا التعبير كان شديد المرارة على قلبي وأنا أسرد حيثياته التي أحببت أن أشاركها معكم.


فاستخف قومه فأطاعوه

حين كنت أرى ما يحدث أثناء الاستعداد لتصفيات كأس العالم كنت أتعجب بقوة. ومثار تعجبي هو ذلك الشعب الذي تنتقص منه أساسيات معيشته؛ وهو عن هذه المصائب لاه ؛ يسد جوعه بمتابعة ما يحدث من تطورات على صعيد كرة القدم؛ وتغيرات في منتخبنا "الغالي" الذي لا يعني أنني أرفض طريقة بنائه أنني أكرهه ولا أثمن جهوده. لكني لا أتحدث عن الكرة الآن؛ بل اتحدث عن الشعب المستخف الذي ينفعل بناء على تخطيط مسبق لما ينبغي أن ينفعل له وما لا ينبغي أن ينفعل له.
ما أحزنني وأنا أحادث زميلي أني قلت له إن ما يحدث يكشف لي أن حكومة الجزائر تستخف بشعب الجزائر استخفاف يفوق استخفاف حكومتنا بنا نحن المصريين. فالذي أراه أن شعب الجزائر ليس فقط مغيبا عن قضيته الأساسية من الفساد والجوع والتوريث وغيرها من مكائد النخب الحاكمة؛ بل إنه يمعن في الاستجابة للاستخفاف ويندفع فيها ناطحا ما يعترض طريقه من قيم غالية ومصالح نفيسة.
والذي بدا واضحا لكن ذي عين أن النخبة الجزائرية الحاكمة كانت تعي ما يحدث وتوافق عليه، ليس بمنطق التواطؤ؛ بل بمنطق المدبر والشريك الميداني. فالعفو عن مسجلين خطر، وتحمل تكلفة تسفيرهم، وتزويدهم بالمال الضروري لشراء الأسلحة التي ليس مسموحا السفر بها.. إلخ؛ كل هذه الاعتبارات تشير إلى حالة شراكة غير مبررة إلا في إطار الاستخفاف بالشعب.
القضية التي وقفت عندها أن الإعلام كان ينظر للقضية من خلال منظور كرامة المصري، وكيفية تعامل الموقف الرسمي المصري مع إهانتها. وعندما كنت احادث زميلي كان تصوري وقتها أن النظام المصري كان بإمكانه أن يستغل الحدث بنفس درجة استغلال الحكومة الجزائرية له، وأن يلهي الناس في مواجهة قومية غير مبررة يمكنه في إطارها تمرير ما يشاء من ملفات - كعادته. لكنه تعقل، ولم يتماد في طريق الغي هذا ليجعل هدف الناس الحقيقي قضية تافهة مثل قضية مسابقة كأس العالم الذي لن نربحها؛ لا نحن ولا الجزائريين.


معضلة النظام المصري خلال أزمة مباراة الجزائر

لكني وأنا اكتب هذه السطور اكتشفت سبب عدم حسم الموقف الرسمي المصري. وهو لا يعبر عن روية؛ ولا تعقل؛ ولا اعتدال؛ ولا تراجع عن الاستخفاف؛ بل يعكس أزمة قوية يواجهها. ما هي تلك الأزمة؟!!!
لقد دأب هذا النظام على عدم احترام شعبه ودولته. فلا القوانين تجد احتراما، ولا القضاء وأحكامه يجدون احتراما، ولا القرارات الإدارية تجد احتراما، ولا الشرطة تجد احتراما، ولا المعلمون يجدون احتراما، ولا المواطن يجد احتراما في هذا البلد.، ولا حتى رجل الأعمال يجد هذا الاحترام.
وحدهم النخبة السياسية الحاكمة، والنخبة الاقتصادية المركزية الداعمة للنخبة السياسية الحاكمة هم المحترمون.. نسبيا. فمعلوماتي أن بعضهم يشتم بأقذع الألفاظ؛ لكن مصالحه لا تمس.
والمشكل أن كرامة المصري لا تجد من يحفظها له بالخارج. فلا عاصم له من بطش الباطشين إلا بقدرته الشخصية على بناء عواصم له بتحالفاته وعلاقاته وسيره بجوار الحائط. ولكن عصف السياسة بهذه العواصم محتمل. وفور اختلاف حكومتنا مع غيرها تجد المصري يجلد ويهان ويخضع للتشهير والإذلال وسلب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وحتى سفاراتنا وقنصلياتنا لا تفكر في حماية المواطن بالخارج، بل تهتم بمصالحها وتجارتها وعلاقاتها أكثر من اهتمامها بمواطنها. ناهيك عن الموقف القذر لسفير مصر في السودان؛ الذي أوهم المواطنين بوجود أتوبيس لنقلهم يقف خارج السفارة، وعقب خروجهم من الباب أغلقه دونهم.



الخلاصة..

المعضلة كما رأيتها أن هذه الحكومة تحكم هذا الشعب عن طريق إذلاله. وفي الموقف الخاص بمباراة الجزائر كان من الصعب عليهم اتخاذ قرار. فهل ينصفون شعبهم فيعيدون له معنى الكرامة؛ ثم ينتظرون احتمال انقلابه عليهم، أم يصمتون ويجعجعون وحسب. 
طبعا.. جميعنا يعلم ما صار.. ولا عزاء للمستخف بهم.