خواطر عن المجال العام في مصر..

2010-12-27

قراصنة ويكيليكس.. حرية التعبير النقية إذ تصحح نفسها

تداعيات أزمة ويكيليكس أفادت أن حرية التعبير النقية تقوم بعملية تعديل ذاتي لتوخي الحفاظ على الغاية. وألفت هنا إلى أني لا أعني بحديثي أبدا ما يخص موقع ويكيليكس ونشاطه في مجال تسريب المعلومات ونشر الوثائق، كما لا أنسج موضوعي حول مؤسس الموقع جوليان أسانج رهين المحبس البريطاني إلى حين. سأتعاطى في هذا الموضع مع نشاط مجموعة "المجهولين" التي انتصرت لموقع ويكيليكس ونفرت للضغط إيجابيا بسبيل إحداث انفراجة حيال محنة جوليان أسانج.
مجموعة "المجهولين" تكمل المسيرة
سر عدم اهتمامي الشخصي بقيمة محنة الموقع ومحنة مؤسسه أن مطالعة محدودة لما تسرب من وثائق يكشف عن عمق المأساة الإعلامية التي نحياها.
فبداية، يجب أن نذكر أن دولة الاحتلال الصهيونية لم تعان من تسريبات ويكيليكس.
وثانيا؛ عندما قرأت ما تم تسريبه عن مصر وجدتني أقرأ شعرا يتغزل في رأس الحكومة المصرية، والمشكل فيه أنه شعر غبي مفتعل، بدا واضحا للغاية أنه صيغ خصيصا ليتم تسريبه، وإلا فما معنى أن تذكر السفيرة الأمريكية سكوبي في تقريرها "السري" أن الرئيس مبارك يعتمد على الله وعلى دعم المؤسسة العسكرية له. ما هذا التدين المفرط؟ أو؛ ما هذا الإدراك العميق لما في قلب الرئيس المصري.
وثالثا؛ تلك الرسالة الحانية المتنكرة في صورة تقرير سري أرسله سفير الولايات المتحدة السابق لدى فرنسا كريج ستابليتون، والتي يرى فيها أن فرنسا تزيد من تهميش مسلميها، وهو ما من شأنه إشعارهم بالاغتراب. ويلحق بذلك المظهر البرئ أيضا تلك الرسائل التي تسربت عن اعتراض الولايات المتحدة على مواقف بابا الفاتيكان بندكت السادس من الإسلام؛ وصداماته مع العالم الإسلامي.
ورابعا؛ تمركز غالبية الوثائق المسربة حول إيران.
جل الوثائق التي تم تسريبها ستذوي ويتلاشى ما لها من دلالة في الأجل بالغ القصر؛ لأنها لم تكشف جديدا، وسيبقى مجموعة رسائل مركزية، على رأسها تلك الرسائل التي ذكرتها سابقا، والتي ترسم صورا ذهنية مدروسة للولايات المتحدة ووكلاء مصالحها حول العالم، ومنهم ساركوزي وبن علي.. إلخ، وهي وثائق يرجح بعض المراقبين أنها جزء من "لعبة الأمم".
هذا كله يجعلني على يقين من أن وثائق ويكيليكس مسربة بعناية فائقة، وأنها ستخدم أوباما في حربه مع الحالة اليمينية الأمريكية؛ إن التقليدية (الحزب الجمهوري بامتداداته الجديدة أو المحدثة كحركة الشاي.
ما سأركز عليه هنا هو حركة "المجهولين". تلك الحركة التي تشكلت من مناصرين لموقع ويكيليكس وسياساته، وهي نفسها الحركة التي قامت سابقا بتنفيذ هجمة إليكترونية تسببت في تعطيل مؤقت لموقعي شركتي بطاقات الاعتماد المالية العالمية ماستر كارد وفيزا بسبب إغلاقهما حسابات ويكيليكس التي يتلقى من خلالها التبرعات، إضافة لموقع شركة "باي بال" المتخصصة في مجال الدفع المالي الإليكتروني، للسبب ذاته في هجوم أطلقت عليه المجموعة اسم " Operation Payback عملية رد الدين".
اللافت أن هذه الحركة قامت بنشر مدونة في 10-12-2010؛ تضمنت إعلانا حمل اسم إعلان حمل اسم " Operation Leakspin أو عملية: تدوير التسريب"، أعلنت فيها تغيير إستراتيجيها، وقالت إنها تسعى الآن لنشر أجزاء من الوثائق الدبلوماسية الأميركية السرية على أوسع نطاق ممكن وبطرق تجعل تتبعها صعبا قدر الإمكان. وفي هذا الإعلان وما أعقبه من نقاشات أوضح "المجهولون" أنهم يشجعون أنصار الموقع للبحث عبر الوثائق المسربة على موقع ويكيليكس ونشر ملخصات لتلك الوثائق الأقل انتشارا في كل مكان، وإعادة تسميتها بحيث يصعب العثور عليها من قبل أي سلطة تسعى لطمسها.
حرية الرأي النقية تصحح نفسها
من هذه الرحلة؛ ما بين التخطيط لشن هجمات إليكترونية وتعبئة الموارد اللازمة للقيام ثم تنفيذ خطوات من هذه الحرب، وبين التراجع عن قرار الحرب، ثمة حالة رشد تتعلق بالتيقن من دلالة حرية التعبير ووظيفة الحرب في سبيل إقرارها، ودلالة حضور القرصنة الإليكترونية في هذه الحرب.
القرصنة الإليكترونية عموما كلمة تصف النشاط الذي يقوم به المختص المتمكن من مهارات في مجال الحاسوب وأمن المعلوماتية. والقرصان الإليكتروني بالإنجليزية: Hacker‏، مصطلح أطلق على مجموعة من المبرمجين الأذكياء الذين كانوا يتحدوا الأنظمة المختلفة ويحاولوا اقتحامها، وليس بالضرورة أن تكون في نيتهم ارتكاب جريمة أو حتى جنحة، ولكن نجاحهم في الاختراق يعتبر نجاحا لقدراتهم ومهارتهم. إلا أن القانون اعتبرهم دخلاء تمكنوا من دخول مكان افتراضي لا يجب أن يكونوا فيه. ثم تطور النشاط لاحقا بصورة إجرامية تخريبية تتمثل في استخدام هذه المهارات لمسح المعلومات عن الحواسيب، أو تخريب المواقع أو لأغراض التجسس أو لسرقة الأموال.
فأحد أهم إشكالات القرصنة الإليكترونية هو تعارضها مع مفهوم حرية التعبير، وذلك من خلال نشاط تخريب المواقع، وهو ما حدث من قبل مع مجموعة من المواقع المهمة العربية والأجنبية، وهو ما كان محدودا في أزمة ويكيليكس، وكان من بينها – بعيدا عن المواقع المالية - موقع الأمازون الذي سحب الـ Domain الخاص بالموقع، وموقع الحكومة السويدية التي طالبت بتسلم أسانج الذي أعلنت اتهامه في جريمة اغتصاب على أرضها، ثم صحيفة الأخبار اللبنانية التي تحولت إلى موقع شعر سعودي على مدى ما يقرب من ثلاثة أيام منذ الأربعاء 8/12/2010، وحتى مساء السبت 11/12/2010.
وبعيدا عن مفهوم تخريب الممتلكات؛ فقد اصطدم مسلك القراصنة المناصرين لموقع ويكيليكس بمفهوم حرية التعبير، وهو ما تبدى بصورة قوية في مهاجمة بعض القراصنة العرب لموقع الصحيفة اللبنانية، بقدر ما تبدى في سحب موقع أمازون للنطاق Domain الخاص بالموقع؛ بصورة أساسية، وينطبق بشكل جزئي على تحركات موقعي Pay Pal وMaster Card لمنع خدماتهما عن موقع ويكيليكس. غير أننا كنا أمام توجهين في تطوير الفعل المرتبط بالقرصنة.
العقل الأداتي والعقل الرسالي..
كان تحرك مجموعة المجهولين تعبير عن نضج جهود تحركات "حرية التعبير" التي تنطلق من المبدأ؛ بدون توفر ضغوط من لهاث رأس المال وراء مصالحه. ولهذا، كانت أبسط المراجعات كفيلة بإنتاج دفقة من الجهود باتجاه تصحيحي تمثل في استمرار المسيرة المتعلقة بالنشر وتعميم الوثائق المسربة.
فهذه المجموعة؛ بطبيعة اهتمامها المركزي بالإنترنت – تفهم آلية عمل هذه الوسيلة، وتتفهم كيفية عمل مواقع البحث، وتتفهم كيفية إمكان نفاذ السلطات السياسية للتعرف على المواقع التي تتضمن هذه الوثائق من خلال تحليل نتائج محركات البحث. وبناء عليه، تم تطوير خطة التحرك لدعم حرية التعبير، ورفض القيود الواردة على حرية المعلومات باتجاه إعادة نشر الوثائق المسربة بحيث تتواجد على الإنترنت لمن يريدها، وفي نفس الوقت لا يمكن استحضارها بسهولة عبر تقنيات محركات البحث، برغم أنها ستكون مفهرسة ومحفوظة في الشبكة العنكبوتية: الإنترنت.
هذه العملية أخرجت لحيز النور حالة تاريخية للتمييز ما بين تيارين بين متخصصي الشبكات؛ التيار الأول هو تيار الإنسان الأداتي الذي يتعرف على التكنولوجيا ويستخدمها في حدود النشاط الاقتصادي؛ إن كان نشاطا قانونيا أو غير قانوني، أما التيار الثاني؛ فهو التيار الإنساني النضالي الذي يستخدم التقنية لأجل دعم مسيرة الإنسانية في تصحيح أخطائها. ذلك التيار الثاني كان وراء نشأة الإنترنت الجديدة التي قامت على دعم الحريات على الإنترنت وصيانتها في مواجهة هجمات الراغبين في السيطرة على الإنترنت وتكميم الأفواه التي تحاول استثمار إمكانات الإنترنت في تحقيق إنسانية الإنسان.
وفي مقابل هذه الحالة الإنسانية نجد تحركات الاتجاه المضاد لحرية التعبير في هذه الأزمة مرتبط بالمصالح الاقتصادية؛ والذي عبرت عنه مواقف أمازون وأخواتها، حيث سدرت في مسلكها الرافض لنشاط ويكيليكس، والمكمم لصوت هذا الموقع؛ إيثارا منها لمصلحتها المالية المرتبطة باوقف الحكومات الغربية المعترضة على هذه التسريبات؛ فضلا عن الموقف المعلن للحكومة الأمريكية. وهي إشارة واضحة لموقف الاتجاه العام لرأس المال حيال القيم وعلاقته الانتهازية بها.
هذا الحال يذكرني بذلك المترجم الأمريكي "الإنسان" الذي استدعته وزارة الدفاع الأمريكية لترجمة كتيب تعليمات حرس معتقل جوانتانامو للغة الإسبانية؛ ولهول ما فيه – قرر هذا المترجم أن يسرب الكتاب للإعلام.
شتان بين الإنسان الذي لا يزال يحتفظ بإنسانيته، وذلك الإنسان الانتهازي الذي خرب المواقع لا لشئ إلا لأنها تخالف رأيه وتخدم مصالحه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كن إيجابيا وأدخل تعليقا يليق بك..