خواطر عن المجال العام في مصر..

2012-07-01

قراءة مدخلية في أدبيات دراسات الرأي العام

لم يستخدم مصطلح الرأي العام بهذا المسمى إلا في أواخر القرن الثامن عشر نتيجة لتجمع وتكتل الجماهير الغفيرة نتيجة الثورة الصناعية والنمو السكاني السريع؛ إلا أن هذه الظاهرة الإنسانية قديمة قدم الاجتماع الإنساني.
وقد عرف اليونان المفاهيم القريبة من فكرة الرأي العام كمفهوم "الاتفاق العام" وخلدوها في معبد البانتويون. كما تحدث الرومان أيضا عن الآراء الشائعة بين الناس ووصلوا في أواخر عهود إمبراطوريتهم إلى مفهوم صوت الجمهور أو صوت الشعب، ويروي التاريخ مئات القصص عن الحكام المسلمين الذين تعرفوا على أحوال أمتهم وميولها. كما عرف العالم المسيحي أيضا في العصور الوسطى عبارة الاتفاق العام أو الإجماع وهي مبنية على المفهوم الراقي لفكرة الشعور العام أو الجماعي التي كان يستعملها أنصار البابا وخصومهم أنصار الإمبراطور للتعبير عن التقاليد السائدة والاتجاهات العامة للرأي في المناطق المتنازع عليها. وفي أدبيات النهضة وجدنا مكيافيللي يردد العبارة القائلة بأن صوت الشعب هو صوت الله ، وقد عبر الشاعر الإنجليزي شكسبير بلسان هنري الرابع عن " الرأي العام الذي يساعد في الوصل إلى الحكم". وتناول جون لوك أصولها القانونية والأخلاقية في قاله الذي نشره عام 1690 بعنوان الفهم الإنساني، وأسماه صاحب روح القوانين: مونتسيكيو بـ"العقل العام"، وأسماه جان جاك روسو "الإرادة العامة".

تعريف مصطلح الرأي العام
ويعرف أ. د. أحمد أبو زيد الرأي العام باعتباره وجهة نظر أغلب الجماعة التي لا يفوقه أو يحجبه رأي آخر، وذلك في وقت معين، وبإزاء مسألة تعني الجماعة، تدور حولها المناقشة صراحة أو ضمنا في إطار هذه الجماعة". ويراه جيمس إزايس تعبيرا عن "مجموع الآراء التي يتوصل إليها الناس إزاء المسائل التي تؤثر في مصالحهم العامة والخاصة"، ويراه ليونارد دوب "اتجاه جماعة من الناس حول مشكلة معينة أو حادث معين".
وتفيد التعريفات الثلاثة أن الرأي العام ظاهرة مؤقتة تتعلق بقضية مثارة ذات طبيعة حيوية. ويرى الباحث أن تعريف أحمد أبو زيد وليونارد دوب ينطوي على بعض الإقصاء الذي يهمل الأقلية أو بقية الجماعات المكونة للمجتمع باعتبارهم عنصرا أساسيا من عناصر الرأي العام. فالرأي العام في النهاية ليس كتلة صماء؛ بل خريطة تباين تعكس قدر التعددية الكائن في المجتمع الذي ظهرت به مساحة الرأي العام الخاضع للرصد أو الدراسة.

سمات ظاهرة الرأي العام
ويتسم الرأي العام بكونه رأيا جماعيا؛ ولا يشترط فيه أن يكون رأيا إجماعيا؛ وذك نتيجة التعددية داخل أي ظاهرة اجتماع إنساني. كما أنه يكون عادة رأيا كامنا لا يكشف عن نفسه إلا حينما يقع حدث معين أو تثار قضية ويتصل هذا الحدث أو تلك القضية باهتمامات ومصالح الجمهور.
ويرى بعض الخبراء أنه لا يتبدى إلا حينما يكون العامل المؤثر أو التعبير عن الاتجاه بالأفعال ذات نتائج إيجابية أكثر منها نتائج سلبية. وهو ظاهرة تختلف في درجة العمق والقوة ودرجة الثبات بحسب طبيعة القضية المثارة وحيويتها في علاقتها بمصالح الناس، ولهذا يرى البعض أنه يمثل مدى واسعا يقع بين طرفين هما: طرف المعارضة وطرف التأييد ويكون في أقصى درجة الحساسية بالنسبة للأحداث التي تؤثر على المصالح الحيوية للناس في لحظة تاريخية معينة.
وأخيرا فالرأي العام ظاهرة ديناميكية تتصف بالحركة والتغير من فترة زمنية إلى فترة زمنية أخرى.

العوامل المؤثرة في بناء الرأي العام
وتمثل العوامل الثقافية إطارا حاكما للرأي العام؛ ويحدث التدافع في هذا الصدد بين روافد متعددة كالعلاقة بين الموروث والوافد، أو العلاقة بين التقاليد والأعراف وتداعيات تطور المجتمع الذي تظهر فيه ظاهرة الرأي العام.
ويتأثر الرأي العام قطعا تأثرا كبيرا بالنسق السياسي السائد في محل تشكله وظهوره للعلن؛ حيث أن التدافع الإعلامي وحالة الحوار أو الصدام أو انعدام هذه العوامل جميعها يؤثر في بناء الرأي العام.
كما أن الرأي العام يتأثر نوعيا بطبيعة نوعية الأحداث والمشكلات التي تحيله من حالة الكمون لحالة العلن، فضلا عن تأثير الإعلام والدعاية أو الشائعات.
ويميل بعض الخبراء لاعتبار أن العوامل النفسية وحتى الفسيولوجية تؤثر على تشكيل الرأي العام؛ وإن كان الباحث يرى أن الاعتبارات النفسية والفسيولوجية عناصر ذات تأثير فردي، ولا يمكن اعتبارها إلا في حالة وجود ظاهرة نفسية أو فسيولوجية.

مراحل تكون الرأي العام
ويتكون الرأي العام عبر عدة مراحل تبدأ بمرحلة الإحساس والإدراك حيث يدرك العلاقة بين مصلحته وبين المدخلات التي تحاول التأثير عليها.
وبعد تبلور هذا الإدراك تبدأ المرحلة الثانية المتمثلة في مرحلة تشكل الرأي الفردي ومحاولة نشره.
ويلي ذلك أحد أهم مراحل تشكل الرأي العام المتمثلة في مرحلة التدافع بين رأي الفرد وآراء المحيطين به، حيث يبدأ الجمع في التحزب حول وجهات نظر محددة.
ويحسم النقاش حجم هذه المساحات الاجتماعية المؤيدة لوجهة نظر أو رؤية من الرؤى، وهذه الأخيرة هي مرحلة تبلور الرأي العام.

قياس الرأي العام
ويقاس الرأي العام من خلال استطلاعات وقياسات للرأي العام، أو من خلال بحوث تهتم بوجهات النظر التي برزت حيال قضية مثارة؛ بواسطة بحوث شاملة وبحوث عينات. وهذه البحوث تواجه صعوبات كبيرة هي محك تقديرنا لاتساع نطاق مجال بحوث الرأي العام الافتراضي على حساب بحوث الرأي العام التقليدية.