خواطر عن المجال العام في مصر..

2009-11-19

تصفيات كأس العالم.. فاستخفوا أقوامهم فأطاعوهم..


كم يبكيني أن أفاخر كمصري وكعربي بأننا لسنا في قاع الحضيض في مجال من المجالات. حدث هذا اثناء نقاشي مع أحد زملائي في العمل، وقلت له: "أجمل ما في ما يحدث بين الشعبين المصري والجزائري أنه أثبت لي أن شعب الجزائر مستخف به أكثر من شعب مصر". وهذا التعبير كان شديد المرارة على قلبي وأنا أسرد حيثياته التي أحببت أن أشاركها معكم.


فاستخف قومه فأطاعوه

حين كنت أرى ما يحدث أثناء الاستعداد لتصفيات كأس العالم كنت أتعجب بقوة. ومثار تعجبي هو ذلك الشعب الذي تنتقص منه أساسيات معيشته؛ وهو عن هذه المصائب لاه ؛ يسد جوعه بمتابعة ما يحدث من تطورات على صعيد كرة القدم؛ وتغيرات في منتخبنا "الغالي" الذي لا يعني أنني أرفض طريقة بنائه أنني أكرهه ولا أثمن جهوده. لكني لا أتحدث عن الكرة الآن؛ بل اتحدث عن الشعب المستخف الذي ينفعل بناء على تخطيط مسبق لما ينبغي أن ينفعل له وما لا ينبغي أن ينفعل له.
ما أحزنني وأنا أحادث زميلي أني قلت له إن ما يحدث يكشف لي أن حكومة الجزائر تستخف بشعب الجزائر استخفاف يفوق استخفاف حكومتنا بنا نحن المصريين. فالذي أراه أن شعب الجزائر ليس فقط مغيبا عن قضيته الأساسية من الفساد والجوع والتوريث وغيرها من مكائد النخب الحاكمة؛ بل إنه يمعن في الاستجابة للاستخفاف ويندفع فيها ناطحا ما يعترض طريقه من قيم غالية ومصالح نفيسة.
والذي بدا واضحا لكن ذي عين أن النخبة الجزائرية الحاكمة كانت تعي ما يحدث وتوافق عليه، ليس بمنطق التواطؤ؛ بل بمنطق المدبر والشريك الميداني. فالعفو عن مسجلين خطر، وتحمل تكلفة تسفيرهم، وتزويدهم بالمال الضروري لشراء الأسلحة التي ليس مسموحا السفر بها.. إلخ؛ كل هذه الاعتبارات تشير إلى حالة شراكة غير مبررة إلا في إطار الاستخفاف بالشعب.
القضية التي وقفت عندها أن الإعلام كان ينظر للقضية من خلال منظور كرامة المصري، وكيفية تعامل الموقف الرسمي المصري مع إهانتها. وعندما كنت احادث زميلي كان تصوري وقتها أن النظام المصري كان بإمكانه أن يستغل الحدث بنفس درجة استغلال الحكومة الجزائرية له، وأن يلهي الناس في مواجهة قومية غير مبررة يمكنه في إطارها تمرير ما يشاء من ملفات - كعادته. لكنه تعقل، ولم يتماد في طريق الغي هذا ليجعل هدف الناس الحقيقي قضية تافهة مثل قضية مسابقة كأس العالم الذي لن نربحها؛ لا نحن ولا الجزائريين.


معضلة النظام المصري خلال أزمة مباراة الجزائر

لكني وأنا اكتب هذه السطور اكتشفت سبب عدم حسم الموقف الرسمي المصري. وهو لا يعبر عن روية؛ ولا تعقل؛ ولا اعتدال؛ ولا تراجع عن الاستخفاف؛ بل يعكس أزمة قوية يواجهها. ما هي تلك الأزمة؟!!!
لقد دأب هذا النظام على عدم احترام شعبه ودولته. فلا القوانين تجد احتراما، ولا القضاء وأحكامه يجدون احتراما، ولا القرارات الإدارية تجد احتراما، ولا الشرطة تجد احتراما، ولا المعلمون يجدون احتراما، ولا المواطن يجد احتراما في هذا البلد.، ولا حتى رجل الأعمال يجد هذا الاحترام.
وحدهم النخبة السياسية الحاكمة، والنخبة الاقتصادية المركزية الداعمة للنخبة السياسية الحاكمة هم المحترمون.. نسبيا. فمعلوماتي أن بعضهم يشتم بأقذع الألفاظ؛ لكن مصالحه لا تمس.
والمشكل أن كرامة المصري لا تجد من يحفظها له بالخارج. فلا عاصم له من بطش الباطشين إلا بقدرته الشخصية على بناء عواصم له بتحالفاته وعلاقاته وسيره بجوار الحائط. ولكن عصف السياسة بهذه العواصم محتمل. وفور اختلاف حكومتنا مع غيرها تجد المصري يجلد ويهان ويخضع للتشهير والإذلال وسلب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وحتى سفاراتنا وقنصلياتنا لا تفكر في حماية المواطن بالخارج، بل تهتم بمصالحها وتجارتها وعلاقاتها أكثر من اهتمامها بمواطنها. ناهيك عن الموقف القذر لسفير مصر في السودان؛ الذي أوهم المواطنين بوجود أتوبيس لنقلهم يقف خارج السفارة، وعقب خروجهم من الباب أغلقه دونهم.



الخلاصة..

المعضلة كما رأيتها أن هذه الحكومة تحكم هذا الشعب عن طريق إذلاله. وفي الموقف الخاص بمباراة الجزائر كان من الصعب عليهم اتخاذ قرار. فهل ينصفون شعبهم فيعيدون له معنى الكرامة؛ ثم ينتظرون احتمال انقلابه عليهم، أم يصمتون ويجعجعون وحسب. 
طبعا.. جميعنا يعلم ما صار.. ولا عزاء للمستخف بهم.

2009-10-12

النقاب بين عفوية شيخ الأزهر واستدراجات محمود سعد


قبل أن تعلق على العنوان أنا بحاجة لأن أوضح أن مقصدي بذكر اسم الإعلامي المصري محمود سعد هو أنه أيقونة لموجة إعلامية انتهزت واقعة سلوكية اتسم فيها سلوك شيخ الأزهر بالعفوية الشديدة المقبولة في إطار حوار بين رجل في سن الجد وتلميذة في سن أحفاد هذا الرجل. لكن الذي يحدث هو انتهاز وتسلق إعلامي واضح بدأ بهرولة من التليفزيون المصري بيد الإعلامي: محمود سعد، ولحقته ملاحقة متباطئة بنكهة أخرى من قناة دريم على يد الإعلامية: منى الشاذلي في متابعاتها على الموضوع.

الاحتراف الإعلامي المهم.. والتلبيس
بداية، لابد من أن نتفق على أنه لا يمكن لأحد أن يلوم إعلاميا على مبادرته لتناول حدث ساخن، وتغطيته، التعرف على أبعاده الكاملة وملابساته، وبخاصة عندما يصدر عن رمز من رموز المجال العام، أو عندما يمس احتياجات المواطنين. تلك المبادرة وذلك التقصي يعكسان عملا احترافيا مهما لمستقبل هذا البلد ولعقل أهله. وفي النهاية لا نملك إلا أن نهنئ المبادر ونشد على يده، ونزيد فنتمنى من الله له التوفيق.
ولابد من أن نتفق كذلك على أن النظرية التآمرية نموذج تفكير غير مقبول. غير أن ثمة نموذج إدراكي يتمتع بصدقية عالية فيما يتعلق بتسريب المفاهيم والأفكار لبيئتنا العربية. والغريب أن كل النخبة الوطنية بالمجتمع تؤمن بنموذج التسريب عندما يتعلق الأمر بإسرائيل (مفهوم الشرق أوسطية كنموذج)، وتنكره عندما يتعلق بأجندة تمس الحضور الاجتماعي - الثقافي للإسلام (الحجاب كنموذج).
إن ما حدث مع شيخ الأزهر لم يكن محض متابعة. لم يكن محض تغطية كاملة. كان شيئا غريبا حقا، ويحتاج بعض التأمل. ومن ملامح الغرابة فيه ما يلي:
أ - تضخيم الحدث بصورة لا تكافئ وزن الحدث.
ب - التسجيل مع شيخ الأزهر نفسه كرمز للديانة الإسلامية في لقاءات قصيرة متتابعة من تليفزيونات مختلفة؛ تجاه حدث لا معنى له إلا أنه يعكس عفوية في سلوك شيخ الأزهر. وهي عفوية اتسم بها سلوكه منذ أمسك بتلابيب هذا المنصب، ولا تزال جزءا من سلوكه حتى بعد أن ألحوا عليه في الاستقالة، ولا تزال جزءا من سلوكه مع إصراره على رفض الاستقالة. وجزء من المهزلة أن منى الشاذلي انصب أغلب جهدها على التساؤل عن هيبة الأزهر وهي بتسجيلها تهز هذه الهيبة.
ج - كانت اللقاءات التليفزيونية حول الحدث تغطية لعملية ضغط قاسية على شيخ الأزهر ليبرر قرارات محتملة بمنع النقاب كليا أو في أماكن محددة وأوقات محددة.
وهذه الإشارة الأخيرة لابد من التفصيل فيها. فبالنظر لتسجيل محمود سعد مع شيخ الأزهر، وبعيدا عن السؤال الأول عما حدث، وبعيدا عن تعليق لمحمود سعد هنا وهناك؛ بعيدا عن هذه الأسئلة التمويهية كان محمود سعد يضغط على شيخ الأزهر لكي يتحدث عن رفضه لارتداء المرأة النقاب في في أماكن معينة أو في مناسبات معينة. وكنت أشعر بأن محمود سعد كان يتمنى لو قفز من كرسيه وأمسك بتلابيب شيخ الأزهر ليجبره على أن ينطق بما يريد محمود سعد سماعه. وأنا لا أنكر أن تاريخ وبعض سلوكياته شيخ الأزهر هي مما سمح لبعض الإعلاميين بالاستخفاف به، والضغط عليه، واستنطاقه ببعض التصريحات غير المدروسة. لكن لا أدري لماذا كان هذا الضغط يمارس على شيخ الأزهر بهذه الصورة التي كانت تحتاج لتغطية تم في إطارها انتهاز واقعة نهره لفتاة واستخفافه بنقابها.
يذكرني هذا الموقف بمرحلة سابقة حصل فيها لي موقف، حين ذهبت للمصيف في أحد فنادق الساحل الشمال، ثم قامت زوجتي لتبلل قدميها بماء البحر؛ إذ هي لا تنزل البحر في شواطئ مختلطة، وفوجئت آنذاك برجال أمن الفندق يحيطون بها ويخاطبونها؛ لأفهم منهم بعد ذلك اعتراضهم على أن تطأ الماء بقدمها وهي بزيها، موضحين أن وزارة السياحة منعت نزول البحر بالحجاب. وأن الحد الأدنى من الستر للنزول للبحر في هذه الفنادق يتمثل في "المايوه الشرعي"، وهو مصطلح يثير الاشمئزاز وتطبيقاته بموديلاتها جمعاء تدفع للتقيؤ على قرار وزير السياحة ومن لا يشعر بأن هذا القرار فيه استهزاء بشرعة الإسلام.
لا شك في أن شيخ الأزهر أخطأ حين استهزأ بابنتنا تلميذة المعهد الأزهري. لكن ما أحمده له أنه قاوم وبضراوة المحاولات المستميتة والإلحاح البشع الذي قام به كل من الإعلامي "البارز" محمود سعد. وكان رده العفوي موفقا.

بون شاسع ما بين الحرية الشخصية والفضيلة
بداية، أنا ممن يلتزمون بالاتجاه الفقهي الذ يذهب إلى أن النقاب فضيلة ونافلة وليس فرضا؛ حيث الفرض هو الحجاب بالمواصفات التي وردت بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. لكني احترم ذلك الاجتهاد الفقهي الذي يرى أن النقاب فريضة. ومن اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد.
لكن لابد من أن نحترم موقف شيخ الأزهر، حتى ولو اختلفنا معه فقهيا. نحترمه لأنه لم يعتبر النقاب حرية شخصية، بل اعتبره فضيلة وفضلا، وشتان البون بين المنظورين. وأنا إن كنت أرى أن شيخ الأزهر قد لا يدرك الفارق بين الاتجاهين، ولكن حسبي أن الله ألهمه بالإمساك عن الخوض في هذه القضية، والاقتصار على الترديد بأن النقاب فضل وفضيلة.
فاقتراب الحرية الشخصية الذي تحدث به الإعلام المصري خلال الفترة الأخيرة؛ اقتراب جديد يحاول التيار العولمي ذي الخلفية الأمريكية أن يفرضه؛ ليستخدم كمدخل فيما بعد لتحقيق ما فشل تحقيقه من قبل عبر مؤتمرات المرأة والسكان.. إلخ. وهذا المصطلح تروج له عدة مؤسسات عالمية اليوم ليكون مفتاحا ثقافيا من المفاتيح التي تساهم بها الحضارة الغربية في تغذية التراث الإنساني وإثرائه. وداخل تطبيقات المفهوم نتحدث عن ممارسة الجنس في الطريق العام، والتصريحات الفردية الشاذة في حق الأديان، ومفهوم الشذوذ الجنسي الذي سيتم تجريد النظر له من بعده الأخلاقي، ويلي ذلك مفهوم الأسرة الشاذة التي قد تتكون من زواج الشواذ إناثا كانوا أو أشباه رجال. والقائمة ليست مغلقة دون بدائل يحتمل أن توضع على هذه القائمة في المستقبل.
إن التمسك بالقول بأن النقاب فضيلة يعني أن هناك مرجعية للشريعة، وأن الشريعة توصي بالحجاب والستر، وأن الإمعان في الستر يعد من هذا المنطلق فضيلة، وأن رفض الستر هو معصية لله جل وعلا، وأن الإصرار على هذه المعصية كبيرة من الكبائر.، وستظل كذلك إلى الأبد؛ لأنها حكم من الله ورسوله. هكذا تكون المرجعية. ولا مانع بعد ذلك من أن نختلف حول كون النقاب فريضة أو فضل، فهذا مما يسعه الدين، ولا تنكره الشريعة.
أما القول بأن النقاب حرية شخصية فإنه يعني ثقافيا أن القرار بفضله يعود للشخص، ولا مركزية للشريعة بل ولا دور للشريعة في وضع معيار عام للسلوك. ويلحق بذلك أن يكون كل شئ يتعلق بالفرد دون الجماعة من قبيل الحرية الشخصية، سواء أكان عريا أو عوارا أو خلافه. إن اتجاه منى الشاذلي في دريم لمناقشة أمر النقاب على أنه من قبيل "الحرية الشخصية" بعد ذلك؛ في متابعاتها على القضية؛ هذا الاتجاه توجهها الفكري والثقافي الذي لا نملك إلا التوقف عنده واعتباره؛ شأنه في ذلك شأن حجابها. فهي إن التزمت فهي في نعمة من الله وفضل،  وإن أصرت فلها موقفها ورؤيتها ولنا موقفنا ورؤيتنا. ولا ننسى بعد ذلك أننا ملتزمون بقول الله جل وعلا: "فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر".
وختاما، أنا لا أحكم إن كان كل من محمود سعد ومنى الشاذلي يعيان أبعاد مفهوم الحرية الشخصية أو لا يستوعبان تداعياته، ولا أملك إلا أن أحترم كل منهما على ما يبذله من جهد صادق ومخلص عندما يتعلق الأمر بمصلحة الوطن وسلبيات السياسة والإدارة والاقتصاد فيه. ويبقى أمران:

أ - أن هدف هذه الورقة أن أنبه الإسلاميين إلى رفض مفهوم الحرية الشخصية كأساس للتعامل به مع قضايا الأوامر والنواهي الشرعية. فالنواهي الشرعية لا نحصل عليها إلا من الشريعة.
ب - لابد من أن أوضح أني أتفق مع منى الشاذلي في أن لمنصب شيخ الأزهر هيبة لابد من تقدير الجميع لها؛ بمن فيهم شيخ الأزهر نفسه. كما أتفق مع الحملة التي ترى أن نقاب الطالبات داخل المدينة الجامعية للطالبات هو أمر مثير للريبة. لكني لا أتفق ألبتة مع محمود سعد في ضغوطه التي  رافقها عدم وضوح أجندته.

2009-08-21

تحترقون تحترقون.. الرسول واستعادة إنسانية الإنسان



روى الإمام الطبراني بإسناد جيد، ورواته محتج بهم في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "تحترقون تحترقون فإذا صليتم الصبح غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا يكتب عليكم شيء حتى تستيقظوا".
يفسر المفسرون - وقولهم صحيح بلا ريب - هذا الحديث باعتبار أن المقصود هو نار المعصية التي يكابدها الفرد، والتي لا مطهر للعبد منها سوى الصلاة التي بمثابة الماء البارد الذي ينزل على تلك النار فتطفئها وتغسل آثارها.  ولعل مما يدعم ذلك التفسير ما رواه البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب". صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.


رؤية أخرى في الحديث
من أجمل خصائص النصوص النبوية بعد القرآنية أنها ما لم تكن قاطعة الدلالة فإنها تحتمل أن نعيد قراءتها في ضوء أفهام تحصلنا عليها بفعل تقدم العقل البشري.ومنجزاته التقنية والنعرفية. ولا يمكن في هذا الإطار أن تلغي إحدى القراءات القراءة الأخرى. فكل القراءات اجتهادات سليمة طالما يحتمل النص استيعابها؛ فلا نحمله بها ما لا يطيق أو يحتمل. ومن المعاني التي أشعر أن النص النبوي المشرف يحيط بها ذلك المعنى المتعلق بمداواة أدواء المدنية المعاصرة؛ برغم أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام.
ما الفارق بين الحياة البسيطة التي كان النبي وصحابته يعيشونها قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام وبين حياتنا اليوم لنظن معه أن الحديث يحمل معنى يتعلق بها أكثر من أي وقت مضى؟ والإجابة أن زمننا يعيش تلك الحالة من الآلية المادية التي  تستهلك آدميتنا التي لا يزال جانبها النوراني الذي يحمل من روح الله جل وعلا يتحرك فيها مطالبا بالكف عن الدوران في تلك الساقية (بحسب تعبير الفنان المصري الراحل صلاح جاهين)، والتوقف للنظر إلى ما فقدته آدميتنا بالانخراط في مجتمع المدينة البارد القاسي الذي اشتكي منه أليكسيس كارليل من قبل في "الإنسان ذلك المجهول" بقدر ما رفضه هيربرت ماركيوز في "الإنسان ذو البعد الواحد"، وبقدر ما رفضه كثير من الإسلاميين واليساريين النقديين الذين شعروا أن إنسانيتنا ضاعت في مجتمع المدينة الذي تجاوز المجتمع الصناعي بمشكلاته؛ لنستغرق اليوم في اقتصاد رمزي استوعب - برغم إيجابياته - سلبيات المجتمع الصناعي وتجاوزها بمراحل مريرة تحتسب معها ثرواتنا وأعمارنا المادية معها بالثانية وليس بساعة العمل كما في المجتمع الصناعي؛ وأجرها الزهيد التي أدت إلى حالة الاغتراب الحادة التي عانت منها ولا زالت تعاني تلك المجتمعات الغربية التي تباشر اليوم إجراءات تصديرها لمجتمعاتنا التي بدأت تعاني نفس الاغتراب؛ وإن لم تنهر أواصرها بعد، تلك الأواصر المستهدفة بمحاولات تمرير القوالب الاجتماعية الغربية عبر آليات الشذوذ وتفكيك الأسرة وخصومة الرجل والمرأة وانهيار القيم الاجتماعية التراحمية أو التعاضدية.

اليوم نفهم الحديث فهما خاصا مضافا لفهم السلف له ومكمل لهذا الفهم. وهو فهم نحتاج إليه بقدر ما نحتاج في مجتمعاتنا المسلمة لاستعادة الإنسان في داخلنا، ذلك الإنسان الذي لم نفقد منه بعد سوى بعده الاقتصادي. نعم فقدنا الإنسان في بعده الاقتصادي. ففي سبيل لقمة العيش وجدنا الإنسان منا لا يصل رحمه خوفا من الالتزامات المترتبة على هذه الصلة؛ وبخاصة الالتزامات المالية. ونفس الروح نجدها في كافة أشكال الحياة الاقتصادية. فلم يعد العامل يخلص في عمله لأنه لم يعد على صلة بعميله ولا يهمه إلا المال الذي يحصل عليه من جراء إنجاز الخدمة الاقتصادية بشكل ظاهري. ولم يعد السوبرماركت يقبل مراعاة ظروف الفقير الاقتصادية لأن العمليه لم تعد علاقة مباشرة بين البائع والمشتري؛ بل علاقة بين موظف في مؤسسة وعميل لهذه المؤسسة. وأذكر أني قبل شراء سيارتي كنت أركب ميكروباسا؛ وسمعت فيه التباع يقول للسائق: "قف ليركب هذا الجنيه". فهذا الطفل "التباع" لم ير في الراكب سوى قيمته الاقتصادية (الجنيه) ولم ير فيه إنسانا مرهقا عائدا من عمله يحتاج للإسراع بالعودة لمنزله وأهله. ولعلك تقف لحظة أمام أكوام القمامة التي انتشرت في شوارع مدن القاهرة لتكتشف عبارة ساحرة يستخدمها الكناسون في هذه الشركة: فهم يعملون "على قدر المال الذي تمنحه لهم الشركة"، أو كما يقولون (على قد فلوسوهم) وبدلا من أن يعملوا على تنظيف الشوارع نجدهم ينصرفون للشحاذة واستجداء المال من المارة؛ دون أن يتوقفوا ليسألوا أنفسهم عن سبب قبولهم لهذا العمل المهين بذلك الأجر الذي لا يغني ولا يسمن من جوع. 
ذلك هو الإنسان الذي لم نعد نجده في مجتمعاتنا، وهو الإنسان الذي كان رسولنا صلى الله يسعى لاسترداده من خلال الحديث الذي أسلفنا ذكره وتخريجه.

تحترقون تحترقون.. فتطفئها
كما سبق وأخرجنا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تحترقون تحترقون فإذا صليتم الصبح غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا يكتب عليكم شيء حتى تستيقظوا".
ما نراه في هذا الحديث هو سعي للموازنة في حياتنا ما بين البعد المادي والبعد الروحاني الجواني الإنساني. إن ما يطرحه الحديث النبوي المشرف في هذا الصدد هو ذلك التوزان المفتقد. والحديث - بادئ ذي بدء - يصف وضع الإنسان في الحياة المادية. فالاحتراق هو احتراق من مادية الحياة التي نحياها بقدر ما هو احتراق مما يقترفه الإنسان من آثام حدد الله أعلاها وزرا بالآثام في حق البشر: كل البشر. وهذا هو الإنسان الذي يسعى الرسول لاسترداده بالصلاة.
في هذا الحديث صارت الصلاة رمزا لكل عملية اجتماعية أو عبادية يقوم فيها الإنسان بترك الانغماس الكلي بلا حدود في ترس الحياة الاقتصادية: ذلك الترس الرهيب، الذي يغير القيم ويهدر المبادئ - إن انغمسنا فيه بالكلية - لكي يجلس إلى ربه أو إلى عائلته أو حتى إلى نفسه لينقذها من الاستغراق في البحث المضني عن القيمة الاقتصادية التي يفقد بعضهم كرامته وآدميته وأهله في سبيلها.
ويكأن الرسول صلى الله عليه وسلم ينبهنا إلى عدم الاستغراق في البحث المضني عن المال من دون أن نتوقف بالإيمان لحظة لنلتفت إلى ما يحيينا حقيقة. فنحن بشر، لدينا قيمنا وأفكارنا، ولدينا أسرنا وعائلاتنا، ولكل دائرة من هذه الدوائر علينا حق، ولابد من التوقف لبرهة لكي نعرف أن المال ليس الغاية؛ فالغاية أعلى وأبر؛ وتقصيها من الإحسان الذي هو أعلى مراتب الإيمان. وفي هذا الإطار نفهم سبب قول أحد الصحابة أنه إذا "رفع أحدهم فأسه ثم نودي للصلاة فلا يهوي بها". أي أن شرع في شئ ثم نودي للصلاة كان يترك كل ما في يده ولو كان يرفع فأسا ليقطع بها حطبا أو صخرة فإنه لا يهوي بها؛ بل يتركها.

نحن هنا لا ندفع الناس لإهمال قيمتي العمل والكسب؛ فهاتان القيمتان من "أعمدة" الشخصية المسلمة، لكننا نحذر من أن يكرس الإنسان نفسه لجلب المال. فهذا الحديث مكمل لطرح الإسلام الذي يجعل المبادئ فوق الحياة وفوق المال معا. يقول تعالى: "إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيل". فالمقصود من هذه الآية أنه لا قيمة لحياة بدون القيم والأفكار والمعتقدات التي يعلم كاتب هذه السطور أن أصحها الاعتقاد بألوهية الله والامتثال لأوامره، وإن كان لا ينكر حرية أي أحد في اختيار المعتقدات التي يؤمن بها. كما ينبهنا الله جل وعلا إلى أنه لا قيمة لمال بدون الاعتقاد الصالح المتزن. إن قول الله تبارك وتعالى: "أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم" هو ملمح في نفس النهج الذي يجعل المال متاع دنيوي لازم لإدارة الحياة التي لا قيمة لها بدون المبادئ والمعتقدات.
إن طرح الإسلام يضيف للقيمة الذاتية للفكرة أن تكون مرتبطة بالله سبحانه. فالإيمان بالله يرتبط به استعداد وافر لتقديم الحياة والمال في سبيله. وفي سبيل القيم السامية التي جاء بها؛ والتي على رأسها حقوق الناس؛ سواء أكان هؤلاء الناس جيران أم أقارب أم رعية أو مواطنون.. إلخ. ولهذا فإن المدخل لاستقرار الفكرة والعقيدة أن يقطع لها الإنسان من وقته أيا كان تخصيص هذا الوقت: إن كان مخصصا لجمع المال، أو مخصصا للأهل، أو مخصصا للمتعة. فكل هذه الاعتبارات إن افتقدت هذا الانقطاع وهذا الارتباط بالله جل وعلا فإنها تتحول لقيمة في ذاتها، فيصبح المال غاية، ويصبح الأهل عصبية مقيتة، وتصبح المتعة طغيانا يقوم الفرد في سبيلها بالتضحية بكل قيمة سامية (المخدرات كمثال).
ولهذا كان التعبير الأمثل للنبي صلى الله عليه وسلم واصفا هذه الحالة من الانغماس الكلي في المادة بأنها احتراق لا مطفئ له إلا قطع التواصل المادي بتواصل روحي. ومتى كانت روحنا مرتبطة بالله سهل علينا أن نراقبه ونستشعر حضوره، وأن نلتزم بتعاليمه التي تبدأ بإماطة الأذى عن الطريق وتنتهي بالأعمال العظيمة التي تخدم عموم الإنسان.
إن الانغماس في الحياة المادية هو أم المعاصي. فالانغماس في المادة  والانقطاع لها دفع الناس للشرك في الاعتقاد؛ ودفعهم لمد اليد للحرام، ودفع لقطع الأرحام، ودفع لقتل النفس، ودفع للبغي والاستبداد والاستكبار.

اللهم صل على محمد رسول الله وتعاليمه التي تحاول استرداد إنسانية الإنسان. 

2009-07-12

خطاب التدين الجديد من عمرو خالد إلى معز مسعود









في أحد اللقاءات الأكاديمية حول ظاهرة التدين الجديد؛ والذي كنت فيه أقدم رؤيتي حول هذه الظاهرة والفكر الذي يقدمه قادة هذه الظاهرة مثل الأستاذ عمرو خالد وأقرانه، حرصت على التأكيد على توجهي التحليلي في توصيف هذا الفكر، وأوضحت المعيار الفارق الذي يميز التدين الجديد عن غيره من خطابات التدين الموجودة في ساحتنا العربية، وهذا المعيار من وجهة نظري هو معيار التنمية الذاتية.
 

الهجوم على عمرو خالد.. تحليل

في الكتابين الذين صدرا لي: "التدين الجديد: المفهوم والأبعاد الاجتماعية"، و"الدعاة الجدد" الذي صدر بالاشتراك مع باتريك هاني، حرصت على تطبيق هذا المعيار بدرجة أو بأخرى، مما يسهم في تعريف الجماهير الفارق بين أطياف خطاب الفضائيات الذي لمعت فيه أسماء متفاوتة التوجهات؛ مثل: مصطفى حسني ونبيل العوضي وخالد الجندي ومعز مسعود ومحمد بن عبد الرحمن العريفي، بالإضافة لتلميع قيادات أزهرية وسلفية عالمة ومتمكنة، وكذا قيادات إعلامية تنتمي لكافة الاتجاهات التدين في عالمنا العربي والإسلامي كمصطفى حسني وغيره من الدعاة.

وثارت من القضايا خلال هذا اللقاء الأكاديمي؛ لتزيد من رغبتي في الشروع في مزيد من النقاش حول هذه الظاهرة. وكان من بين القضايا بعض النماذج التي تقدم عبر الفضائيات لدعاة يحاولون الاقتراب كثيرا من الشباب بالنقد العملي والموضوعي لاقتراب التيار السلفي القائم على الهدي الظاهري؛ والذي يجعل المسلم متميز شكلا (ارتداء القميص/الجلباب وإطلاق اللحية) كما هو متميز موضوعا بأخلاقه وتحليه بتعاليم الإسلام الكريمة.

والواقع أن هذا التوجه الذي يتجاوز الشكل الذي يقدمه السلفيون يضم دعاة من مختلف البلدان؛ ولعلنا نشير إلى الأستاذ معز مسعود والشيخ محمد بن عبد الرحمن العريفي كنموذجين مشهورين لهذا التوجه. فالداعية معز معز؛ في خطابه - يقدم أطروحته صريحة حول إمكان التزام المسلم بإسلامه حتى ولو كان يفضل في نمط حياته Life Style أن يكون شابا مماثلا في شكله لكل شاب تأثر ظاهريا بالصرعات/الموضات الواردة من الغرب بخصوص الملبس وقصة الشعر والعادات القافية المختلفة وكذا عادات الطعام ومنها استهلاك أطعمة الفرينشايز ومشروباتها. ولا يقل فضيلة الشيخ محمد بن عبد الرحمن العريفي صراحة عن معز مسعود في هذا الصدد عندما يتوجه للدعاة الشباب بترنيم برنامجه المعروف "كن مثلهم.. في جوهم.. ضع بصمتك".

هذا التوجه جعل كل الاتجاهات المحافظة تعترض على نمط التدين هذان وتتحفظ على هذا المنهج أيما تحفظ. وحملت هذه الخطابات المعترضة مداخل ثقافية وسياسية وشرعية في نقدها. رافضة ما اعتبرته توجه تجزيئي يقدم الإسلام كتعاليم أخلاقية بدون تفاصيل الشريعة التي تتسم بالشمول الثقافي والاجتماعي والسياسي. وهذا الاتجاه النقدي انطلق من تفكيك للوضع السياسي الثقافي الاجتماعي السلبي والصدامي لقطاع عريض من الحركات الإسلامية. كان يتوسم في ظاهرة التدين الجديد أن تعالج سلبيات الحركات الإسلامية مع الاحتفاظ بالفهم الأعم الذي ميز هذه الحركات لمراد الشريعة على الأصعدة السياسي والثقافي والاجتماعي.. إلخ.

والمشكل في هذا الخطاب النقدي الذي قاده متخصصون في شؤون الحركات الإسلامية كالأستاذ حسام تمام والأستاذ علاء النادي أنه في جزء منه اعتبر عمرو خالد أيقونة لهذا الخطاب التجزيئي، واعتبر عمرو خالد أنموذجا للخطاب أو نمط التدين الإسلامي "الجديد" الذي التقط شذرات من الشريعة من هنا وهناك وقام بتجميل الثقافة الغربية الوافدة بها؛تلك الثقافة التي تشبعت بها الشرائح الاجتماعية العليا في مجتمعاتنا؛ وأن هذا النمط من الدعوة حرص على تديين هذه الطبقة من خلال ابتكار نمط تدين لا يميز المتدينين عن الظواهر الثقافية الوافدة في مختلف أطروحاتها السياسية (بإبعاد المتدينين عن العمل السياسي) والثقافية (بعدم ممانعة استغراق المتدينين في نمط الحياة المتأثر بالثقافات الوافدة) والاجتماعي (التدين الفردي الذي لا يتمدد اجتماعيا كما جرى العرف في فاعليات عملية التدين). وأصبح التقدير الغربي لهذه الظاهرة في إطار هذا الاتجاه النقدي تقدير صادر عن رؤية ثقافية تقدر أية محاولة لتقديم خطاب تدين منقوص أو مشوه.

ونتيجة لنجومية عمرو خالد؛ تحول هذا الأخير لأيقونة لهذا الخطاب، برغم ما يحمله خطاب عمرو خالد وأقرانه من دعاة التدين الجديد من خصوصية خطابية، وهو ما دفعنا لتعميق التناول لفصل نمط التدين الذي يقدمه نموذج عمرو خالد وأقرانه عن نمط التدين الذي يقدمه معز مسعود وأقرانه.

 

ملحوظات لتنبيه الناظر للتدين الجديد

هناك ملحوظتان منهجيتان لابد من الإشارة إليهما قبل التطرق لقضية الفارق الجوهري بين الخطابين: خطاب نموذج عمرو خالد وخطاب نموذج معز مسعود. وهما:

الملحوظة الأولى: مصطلح التدين الجديد أو الدعاة الجدد لا يصلحان في ذاتهما. وقد يكون هذا المصطلح قد انتقل لتسمية الظاهرة تأثرا بظهور تيارات مختلفة في الفكر الغربي كالماركسية الجديدة والليبرالية الجديدة، لكن مع ذلك يظل قاصرا عن تقديم مفهوم أو مصطلح معبر عن الظاهرة. ولست هنا بصدد تقديم مصطلح أو مفهوم أو تسمية جددا لمعالجة هذا القصور الدلالي؛ إذ لا يتسع المقام، لكنها إشارة تفتح الباب لنقاش مستفيض بين المتخصصين للنظر في قضية التسمية.

الملحوظة الثانية: لا يمكن وضع الدعاة الجدد كلهم في سلة واحدة. فبرغم وجود تشابه بين عمرو خالد ومعز مسعود في شكل الداعية ومظهره؛ لكن خطابهما مختلف. وبرغم وجود تشابه بين العريفي والجفري في مظهرهما وشعبيتهما لكن خطابهما مختلف، وبرغم وجود تشابه في الشعبية والمظهر ما بين معز مسعود وخالد الجندي لكن خطابهما مختلف. فالأصل أن نتحدث عن خطاب الدعاة كمعيار للتمييز بينهم، وهذا المعيار يجعلنا ندرك حجم الفوارق الخطابية الهائلة فيما بينهم، ويجعلنا نرفض وضعهم كلهم في تصنيف جامع لا يميز بينهم بشئ. والحقيقة أيضا أني لست بصدد تقديم دراسة شاملة للخطابات الدعوية الجديدة، لكن هذه السطور مدخلا للتمييز ما بين طيفين من أطياف الخطابات الدعوية الجديدة؛ هما خطابا تيار عمرو خالد وتيار معز مسعود. ويبقى أن نسبة التيار إلى اسم لا يعني بالضرورة أنه هذا الداعية يمثل قيادة هذا التيار.

ما بين خطاب الحياة بالإسلام وخطاب الموت به

من أهم الفوارق التي أضعها في هذه السطور للتمييز ما بين تيارين متشابهين جدا من ظواهر الدعاة الجدد هي المحط الرئيسي في الخطاب. وهنا أشير إلى أن عمرو خالد يمثل "خطاب الحياة بالإسلام" وخطاب معز مسعود يمثل "خطاب الموت في رحاب الإسلام". وهذا فارق كبير ما بين الخطابين. لكن..

لا ينبغي في هذا الإطار أن يجرفنا سوء الفهم لكي نظن أن عمرو خالد يخرجنا من دائرة الموت في رحاب الإسلام، بل إن تمييزنا للخطابين قائم على أساس مركز هذا الخطاب. فكل الخطابات الإسلامية؛ بما فيها خطابا عمرو خالد ومعز مسعود، تقوم على أساس أننا مخلوقون لعبادة الله، وأننا نحظى بالاختيار، وأننا إلى الله صائرون؛ في بعث ثم حساب ثم دار جزاء. لكن هناك فوارق في الخطاب بين كل حامل فكر، بقدر ما إن هناك فوارق هائلة بين خطابات الحركات الإسلامية المختلفة.

فخطاب معز مسعود موجه لأولئك المنغمسين في ظواهر الثقافات الوافدة؛ وبخاصة الظاهرة الثقافية الغربية، وأولئك بعضهم ممن أسرف على نفسه، أو ممن تعلوه عوارض المراهقة العمرية فيرفض أن يلتزم بهدي ظاهر، بل يرفض أن يلتزم أحيانا بتقاليد زي عرفية مثلما هو الحال في دول الخليج: القميص والعقال أو القميص والدشداشة. هذه الشريحة ترفض تقليد المجتمع؛ وتسعى لتمايز شكلي، وغالبا ما تلتمسه في تلك الصرعات/الموضات الوافدة من الباحة الغربية. بل إن من هؤلاء من يعاني خواء روحيا قد يلتمسه في الفكر الذي تحمله الاتجاهات المتطرفة من موسيقى الروك التي تبدأ خطابها بنقد ظواهر التدين؛ وتتطرف بعض اتجاهاتها في اتجاه أفكار طقوسية غريبة أسماها البعض تجاوزا في بعض البلدان باسم عبادة الشيطان. وأبرز مثال على هذه الصرعات الاجتماعية الثقافية ظاهرة "الإيموز".

فخطاب معز مسعود بالنسبة لهؤلاء خطاب إنقاذ ورحمة؛ يقوم على استدراج هذه الشرائح العمرية والثقافية لأرضية الإسلام الرحيمة في مواجهة خطابات أخرى تقوم بنفيهم ثقافيا؛ بل وتقوم في بعض الأحيان بإقصائهم تحت عنوان "الكفر" و"الإخراج من الملة". هذا الخطاب في النهاية خطاب يحرص على منع هذه الشرائح من التوجه نحو اليأس من رحمة الله، ويرفض إبعادهم عن دائرة الإسلام إبعادا يصل بهم لحد قنوطهم من العودة مجددا. طبعا هذا ليس كل خطاب معز مسعود؛ فخطاب معز مسعود – شأنه شأن أي خطاب – هو خطاب متعدد الأبعاد والأهداف، لكنه يركز في النهاية على القرب من الله والاستعداد للقاء الله الذي نحن جميعا إليه صائرون. وقد يتجاوز معز مسعود هذه الشرائح العمرية؛ لكنه لا يزال يحمل لهم ولغيرهم خطاب رحاب الإسلام السمحة التي تستوعبهم في أي حال. وهذا التوجه نجده يستوعب عددا وافرا من الدعاة من أبرزهم فضيلة الشيخ محمد بن عبد الرحمن العريفي.

وبخلاف هذا الخطاب؛ نجد خطاب عمرو خالد الذي بنى رؤية تنفيذية لمفهوم صناعة الحياة الذي سبق أن طرحه المفكر الإخواني العراقي عبد الرحمن الراشد، والذي كان يصدر ضمن سلسلة رسائل العين. ويقوم هذا التفكير على أساس قناعة بضرورة تحول الخطاب الإسلامي لخطاب تنموي نهضوي يقود الناس نحو إعمار الدنيا كما يقودهم نحو الإعداد لملاقاة الله جل وعلا في الآخرة. فهذا الخطاب هو خطاب لإدارة الحياة وليس للاستعداد للموت؛ وهذا هو الفارق بين خطاب عمرو خالد وخطاب معز مسعود.

وبقدر ما حرص هذا الخطاب في بعض مراحله على تجذير علاقته بالإسلام من خلال قراءة السيرة قراءة عملية إنمائية بقدر ما أعاد الانطلاق من هذا الخطاب لدعم نموذج شخصية المسلم العملي الناجح، وهو ما أسميناه خطاب التنمية. فهو خطاب عمل على تقديم قراءة إنمائية من خلال الأصول والسيرة، بقدر ما عمل على تجسير الفجوة ما بين فكر الإنتاج والتنمية وبين العمل والاستعداد ليوم الرحيل.

هذا هو الفارق المركزي ما بين الخطابين. ولا شك في أن كليهما خطاب تدين جديد، مفارق للمألوف، ومجاف للحساسية الحضارية، وقد نختلف معه أو نتفق، لكن المؤكد أنها خطابات نشأت لتواجه مساحات أزمة أو مساحات فراغ في أنماط التدين القائمة. هي خطابات تؤدي وظيفة اجتماعية. وربما تكون بطبيعتها جزئية، لكن لا يعني هذا أنها خطابات غير متزنة؛ ولا شك في أن شعبية هذين الخطابين تكشف عن عظم المساحة الاجتماعية التي تحتاج لهذه الخطابات.


2009-02-07

تغييب الشريعة وتهوين الفتوى.. الفقهاء بعد العلمانيون


جد لا هزل ما نخوض فيه الآن. شريحة من الفقهاء يتسببون في تآكل مرجعية الشريعة وتعزيز حالة الاستهانة بالفتوى برغم ثقل علمهم في كثير من الأحيان. وبرغم رفعة مكانة علمائنا قاطبة؛ إلا أن الشهادة التي كلفنا الله جل وعلا بها، والحسبة التي ألزمنا احتذاءها تقتضيان الوقوف مع فقهائنا وقفة حق؛ لنحاسبهم متى كان الحساب واجبا؛ ونردهم متى كان الرد فريضة. وما من فئة في أمتنا معصومة ولو كانت لحومها مسمومة.

قديمة أخذت الحركة الإسلامية على عاتقها مكافحة تلك الجهود الرامية لإقصاء شرعة الله وطمس ثقافة الأمة، وكانت الفئة المستهدفة بالمراجعة هم المفكرون المستغربون المتنكرون لثقافتنا بغير وجه حق من مراجعة صادقة متزنة أو تمحيص عقلاني وئيد. أما اليوم فصار فقهاؤنا مصدر الخطر الحقيقي لتغريب الشريعة من باب تهوين الفتوى.

لم نكد نفرغ من حالة فتاوى الإثارة التي ابتدعتها مجددا بعض القنوات الفضائية كفتوى غشاء البكارة وترقيعه أو فتوى إرضاع الكبير، حتى وجدنا فتاوى التوافه مثل فتوى قتل ميكي ماوس، ولم نزل خلال هذه المحن نعاني من خضوع شريحة من الفقهاء للساسة وربما الأثرياء ينتجون لهم الفتاوى الملائمة لأغراض هي عن المصالح الحقيقية للأمة ببعيد، وربما كانت في أصولها تخالف الشريعة؛ وأمثلة ذلك كثرة تثير الاكتئاب في نفس الحر.


From Israeli Buchery in Gaza
فتوى التظاهر وفتوى قتل الإسرائيلي

وبينما نكابد هذه الحالات المهينة للفتوى يخرج علينا عالم جليل نعلم علمه وفضله: فضيلة الشيخ صالح اللحيدان؛ رئيس مجلس القضاء الأعلى في السعودية، خلال محاضرة ألقاها بعنوان "أثر العقيدة في محاربة الإرهاب والانحراف الفكري"، بقوله إن "المظاهرات التي شهدها الشارع العربي ضد غارات إسرائيل على غزة من قبيل "الفساد في الأرض، وليست من الصلاح والإصلاح". وقد استند الشيخ صالح اللحيدان في فتواه هذه إلى عدة اعتبارات؛ أبرزها: أن المظاهرات "تصد عن ذكر الله، حتى وإن لم يحصل فيها تخريب". وأن أول مظاهرة شهدها الإسلام في عهد الصحابي الجليل عثمان بن عفان "كانت شرا وبلاء على الأمة الإسلامية". وأن التظاهرات هي "استنكار غوغائي، إذ إن علماء النفس وصفوا جمهور المظاهرات بمن لا عقل له". وأن المتظاهرين "ربما اضطروا إلى أن يحصل منهم عمل تخريبي لم يقصدوه".


والحقيقة أن فضيلة الشيخ ربما شعر بتسرعه فأراد موازنة التصريحات فشدد رئيس على أهمية الدعاء للفلسطينيين والقنوت في المساجد. وأشار إلى أن الأمة الإسلامية تمر الآن ب"محنة كبيرة وعدوان بلا حياء وبوحشية وهمجية، وسكوت من بعض القادرين على المنع"، واعتبر ذلك نوعا "من التعاون على الإثم والعدوان، مع عجز متناه من الأمة الإسلامية من حيث العمل".

ومن ناحية ثانية؛ أفتى الفقيه والمفكر الإسلامي السعودي الشيخ الدكتور عوض القرني باستهداف المصالح الإسرائيلية في جميع أنحاء العالم، ردا على المجزرة التي ارتكبها الاحتلال ضد قطاع غزة. وصرح بأنه "لن تتحقق معاني أحاديث الجسد الواحد والبنيان المرصوص إلا بهذه التحركات" التي أشار إلى أن من بينها أن يصير (الإسرائيليون) أهدافا، وتسيل دماؤهم كما تسيل دماء إخواننا في فلسطين، ويجب أن يمسهم القرح أكثر مما مس إخواننا من القرح"، وفي تصريحاته الإعلامية صرح بقوله: "هذه فتوى أتحمل مسئوليتها أمام الله تعالى".





From Israeli Buchery in Gaza





الفتاوى المكبلة للأمة.. لصالح من


فتوى الشيخ اللحيدان بقدر ما تعد من قبيل فتاوى الإثارة بقدر ما تثير علامات استفهام متعددة حول دور الإفتاء في تكبيل فعاليات الأمة والحد من قدرتها على التنامي وتجاوز السلبية. وقد أشار فضيلة الشيخ اللحيدان إلى وهن الأمة وضعفها وتقاعسها، وبدلا من أن يقر – كما فعل فضيلة الشيخ سلمان العودة – بالاستصحاب وإباحة كل نشاط لم يحرمه النص، بدلا من هذا شرع يخوف من التظاهر كرمز من رموز الحركة الجماهيرية. وارتكن هذا التخويف لمقدمات فقهية واهية؛ منها أن المتظاهرين قد يسببون أضرارا اقتصادية للجماهير بما أن التظاهرات غوغائية والجماهير لا عقل لها، وأن التظاهرات تلهي عن ذكر الله، وأن التظاهرات ضد سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه قد جرت على الأمة ويلات.


وإذا ما تيقنا من وهن الحجج الثلاثة الأولى، وخطأ الاستدلال بالحجة الرابعة لوجدنا أن فضيلة الشيخ إما أنه تعجل فبرر بما لا يجوز التبرير به، أو أنه ضد الحركة الشعبية وليس التظاهرات وحسب. فلا معنى لصد التظاهرات عن ذكر الله. ولا معنى لأن التظاهرات بلا عقل أو أنها قد تسبب أضرارا. فالتظاهرات منظمة وذات رؤية وهدف، ولا تسبب إضرارا إلا إن تدخلت الأجهزة الأمنية لتزج فيها بمن يفسدها. وأما عن التظاهرات ضد الخليفة الثالث عثمان بن عفان فلا مجال للمقارنة بينها وبين زماننا لا من حيث معطيات الواقع وثقافته؛ ولا من حيث الموضوع وملابساته، ولا من حيث الناس ورؤيتهم والتزامهم.


التظاهرات وسيلة الجماهير للتعبير عن رأيها طالما انعدمت الوسائل الأخرى لمثل هذا التعبير، في إطار وجود أنظمة حاكمة لا تلقي بالا لإرادة شعوبها وآرائهم. ومثل هذه الفتوى في مثل هذا المقام من عالم جليل تهمه مرجعية الشريعة قد تؤدي به إلى تغييب الشريعة عن المجال العام؛ إذ أنه بدلا من أن يؤطر الحركة العامة بآداب العمل في المجال العام إذا به يحظر العمل العام على الجماهير شيئا فشيئا، وتكون النتيجة انعزال الفقه عن المجال العام، وهو ما عبر عنه البعض بتضخم فقه العبادات على حساب الفقه الكلي الضابط للمجال العام. لكن المقام يجب أن يتجاوز بنا الإفتاء ضد التظاهر لصالح الإفتاء لعموم الأمة في قضاياها العامة، أو ما يسمى بالفقه الكلي.






الفقه الكلي.. إطلالة على علاقة الفقه بالمجال العام

الفقه الكلي هو تلك المساحة من الفقه التي لا ترتبط بالعقيدة ولا المعاملات ولا الأحوال الشخصية ولا حتى بفقه العبادات، هي مساحة الفقه الذي ينظم سلوك الفرد في المجال العام. وفي هذا المقام يكون للفتوى دور تعبوي تابع للاجتهادات التي تتناول المجال العام، سواء أكانت هذه الاجتهادات لصالح السلطة مع تغييب الجماهير، أو لصالح كل من الجماهير والسلطة معا.

لا يمكن مع تطور العصر وتلاحق مستجداته وتشابك قضاياه وتعقد موضوعاتها أن نعتمد في استلهام الشريعة في المجال العام على بعض مباحث في كتب الفقه، أو على كتابات فقهاء بعينهم في مجالات معينة. إن الشافعي أفتى في مصر بما لم يفت به في العراق لدواعي تغير المكان، فكيف بنا نعتمد في فقهنا المعاصر على كتب وأدبيات كتبها الفقهاء لزمانهم؛ بنوها على فقه واقعهم، وعكست قراءتهم للأصول في إطار علومهم الاجتهادية البشرية.


إن فقه المجال العام اليوم يجب أن يكون مركبا بقدر تركيب الواقع، ومعقدا بقدر تعقيده. فالقضية الواحدة اليوم نجد فيها أكثر من اجتهاد من العلماء المتخصصين في العلوم الدنيوية؛ وهم أولئك العلماء الذين يمدوننا بفقه الواقع. وفي هذا الإطار وجب على الفقهاء أن يعتمدوا على هؤلاء المتخصصين في إدراكهم لفقه الواقع. فليس من المقبول أن تتكرر فضيحة فتوى فضيلة الشيخ عبد الله بن باز رحمه الله بأن الأرض ليست كروية وأن من يقول بكرويتها يكفر بما ورد في القرآن. وهي فتوى لا يزال المهتمون بشأن الفتوى يحتفظون بنسخة منها مختومة بختم هيئة كبار العلماء.


والحق أن تعدد وجهات النظر في دراسة القضايا المتعلقة بالمجال العام قد يؤدي لاختلاف وجهات نظر الفقهاء في الإدراك. فبعض الفقهاء يطلع على دراسة متحيزة لصالح السلطة السياسية ولا يوسع أفقه لتناول دراسات أخرى؛ فيؤدي إفتاءه إلى دعم المرجعية السلطة السياسية؛ خاصة إذا كانت المنظمة التي يعمل في إطارها تدعمها السلطة بالرواتب والمخصصات المالية. وبعض الفقهاء قد يتأثر بدراسة تنتجها المجموعات المعترضة على رأي الدولة وفكرها، ومن ثم تتأثر فتواها بذلك التحيز المعلوماتي.


وفي النهاية؛ فإن الفقيه هو الذي يحدد قيمة عمله وعلمه وفتواه. بقدر ما إن على المسلم الواعي أن يحدد قيمة علم الفقيه وجهده وفتواه. وكما قلنا من قبل، فليس أحد من أمة محمد معصوما إلا المعصوم عليه الصلاة والسلام. ولكن كيف يحدد الفقيه قيمة علمه واجتهاده بينما نفس الحق ممنوح للفرد المسلم؟ والإجابة عن ذلك ميسورة.


أما عن الفرد المسلم، فقد حرصت حركة الإحياء، ومن بينها حركة الإحياء الوهابي، على تشجيع الفرد المسلم والجماعة المسلمة على عدم الانسياق وراء كل داعية بغير إرادة ووعي، ومنحت هؤلاء القدرة على الحكم على الداعية وعلى الفقيه عبر إمدادهم بمجموعة من علامات الوعي والتمييز والفهم والتدقيق والتحقيق؛ يراجع في إطارها كل فرد مسلم رؤى الفقيه وآراءه في عمومياتها المنهجية (مرجعية الأصول – سلامة العقيدة – البعد عن السلطة وفتنتها – سلوكه في المجال العام.. إلخ). وفي هذا الإطار فإنه لابد من منح الفرد المسلم بعض المعايير التي يحكم بها على جهد الفقيه وفتواه في المجال العام من قبيل (عدم أخذ فتوى تتعلق بالمجال العام من عالم فرد؛ بل من هيئة علمية مستقلة عن هوى السلطة – ضرورة الاطلاع على حيثيات الفتوى من زاوية فقه الواقع واستنادها لآراء خبراء متخصصين موثوقين منوعي التوجه). والباب مفتوح لمن أراد من علمائنا وفقهائنا أن يضع قواعد محددة لإرشاد الجماعة المسلمة لكيفية التثبت من الفتوى.


كما أن الفقيه أيضا يحدد قيمة جهده ودور فتواه في المجال العام. فتخصص الفقيه في مجال محدد صغير واجتهاده في دراسته بعمق، واجتهاده لتحصيل فقه الواقع عبر الاعتماد على مراكز بحوث ودراسات، وتشاور الفقيه مع مجموعة ثقات من الفقهاء والعلماء يتقدم إليهم بمشروع فتواه ليناقشهم فيه، وتقدير الفقيه للظرف السياسي الذي يتحرك فيه وملابساته، وانتماء الفقيه لعموم الأمة ومحافظته على المسافة التي تفصله عن السلطة الحاكمة، كل تلك الاعتبارات تثمِّن قيمة جهد الفقيه. فلم يعد ثمة عالم أو فقيه يعلم كل شئ ويفتي في كل مجال، ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه أمام الله وأمام الناس. والباب مفتوح لمن أراد من علمائنا وفقهائنا أن يضع قواعد محددة للإفتاء في المجال العام ويتحرك ليبني التوافق حولها.



الفتاوى الأرشيفية أو فتاوى إبراء الذمة


تذكرني فتوى الدكتور عوض القرني بتلك القرارات العامة التي تصدرها الحكومات المختلفة بدون أن تتوقع منها فاعلية حقيقية. وينحو نفس المنحى تلك الفتاوى التي تنادي بأن الجهاد فرض عين على كل مسلم ومسلمة فيما يتعلق بقضايا العدوان على الأمة.


وتنقسم الفتاوى من وجهة نظر الكاتب إلى نوعين أساسيين من حيث قدرتها التعبوية والحركية أو قدرتها على التحول لسلوك التزام مؤمن. فوفقا لهذا المعيار تنقسم الفتاوى إلى فتاوى أرشيفية وفتاوى تشغيلية. وهذا المعيار في التصنيف استلهمته من القرارات الإدارية.


فالقرارات الإدارية التي تتبعها أنظمة الإدارة المختلفة يمكن أن نقسمها إلى قسمين: القسم الأول هو القرارات الأرشيفية؛ وهو نوع من القرارات هدفه إبراء ذمة الإدارة التنفيذية فيما يتعلق بتبليغ توجيهات القيادات المكتبية الأعلى في الهرم الإداري لعموم الموظفين من دون تحديد مسؤوليات موظف معين، كأن يصدر قرار إلى عموم الموظفين بضرورة الاقتصاد في المياه لأن الإسراف فيها إهدار لمورد قومي. وهذا القرار لا يمكن تصور تحديد مسؤولية تنفيذه. ومن ناحية أخرى، نجد أن هناك نوعية من القرارات التي تتضمن تحديد هدفها والمسؤول عن التنفيذ وأجل التنفيذ وإطار التنفيذ من حيث قواعد الثواب والعقاب الوظيفية. وهذا هو ما نسميه القرار التشغيلي الذي تعتمد عليه المؤسسات فعلا لتنفيذ سياساتها.


وكذلك الفتوى. أنا أتصور أن ثمة ضرب من الفتاوى يصدره العالم الشرعي أو الجهة الإفتائية لتبرئة ذمته أمام الله جل وعلا من دون أن تكون هذه الفتوى قابلة للتنفيذ. في حين أن بعض الفتاوى تكون موجهة للإرادات الحرة للأفراد والجماعات بما يعني إمكانية تنفيذها. ففتوى الدكتور عوض القرني لا نتصور تحمس الناس لتنفيذها في إطار تغول دولنا الإسلامية؛ وتعملق أجهزتها الأمنية. ومن يستجيب لهذه الفتوى لابد وأن يكون متجردا لدرجة أنه لا يبالي بما يحيق به وبماله وبأهله الأقربين والأباعد. وقد تستجيب لتلك الفتوى قلة بحسب استعدادهم وتربيتهم، ولكنها ستخلق مستوى جديدا من مستويات المواجهة بين الدولة العربية والمجتمع ربما تستغرق الأمة سنوات أو عقود لتجاوز تداعياتها. إلا أن الأهم من ذلك والمرتبط به في نفس الوقت أن هذه الفتوى لا تناسب عموم الأمة التي يحجم أبناؤها عن المطالبة بإصلاح أحوال معيشتهم التي ارتبطت لدى شرائح منهم بالنزول تحت خط الفقر بدركات بائنة.



بين منظوري الفتوى: الفردي والجماعي


توجه الدكتور عوض القرني بفتواه لأفراد الأمة؛ مخالفا بذلك نهج لعض العلماء بإطلاق فتوى عن فرض الجهاد عينيا على كل مسلم. وهذه خطوة بالغة الأهمية. فالفتاوى التي كانت تنطلق من منظور جماعي، وتتوجه في نهايتها لـ"الإمام" كفتاوى الجهاد الذي لا يجوز إلا بإذن الإمام، هذا النوع من الفتاوى أوهن الأمة وعطل طاقاتها، وكان اللجوء للمنظور الفردي في توجيه الفتوى وفاعليتها أمر حتمي.


أما "منظور القرار الذاتي" فمصطلحٌ يستهدف دعوة الفقيه للنشاط في الدائرة التي يتمتع فيها الفرد المسلم بحرية الحركة، وهو ما ننادي باللجوء إليه والتنادي به بين الفقهاء ومنحه الأولوية من دون هجران لمنظور القرار الجماعي متى تيسرت سبل اللجوء إليه. فالأساس في الفقه أنه متوجه إلى فعل المكلف بغير إكراه ولا قسر ولا غياب وعي، فكيف يتوجه الإفتاء بالفعل إلى مساحة يصعب فيها اعتبار المرء متمتعًا بحرية الاختيار في التصرف.


وقد أشرت من قبل إلى أن الفرد المسلم من خلال الجهاد الاقتصادي - كمثال - قادر على أن يقاطع ما شاء من السلع في أي وقت شاء، وقادر على إسداء العون الاقتصادي لمن يريد وقتما يريد، وقادر على أن يعبئ قدراته الخاصة لتحقيق أهدافه. ولا تملك السلطة حق فرض استهلاك سلعة بعينها عليه، ولا تملك منعه من إدارة أمواله بالطريقة التي يريد، ليتبرع بها حيث يريد، أو يحبسها حيث يريد، أو يستثمرها حيث يريد، إلا لو كانت كل مناحي الحياة محل مصادرة واستلاب كما كانت تشهد بعض دول الجنوب الشمولية قديما، وهذا نموذج حياة لم يعد حاضرا إلا قليلا، فاليوم؛ تراهن كل الأنظمة القمعية على مصادرة الحياة العامة لمصلحتها وترك المساحات الخاصة لأصحابها.


لكن الاعتماد على المنظور الفردي في تقييم فاعلية الفتوى لابد وأن يصحبه توجه لعموم الأمة وتقدير لملكاتها وقدراتها، والظرف التاريخي الذي تحيا في إطاره. إن فتوى الدكتور عوض القرني ربما تفيد في منع الصهاينة من القدوم إلى بلادنا أو التعامل معنا في أقاليم الغرب، لكنها لا تمنعهم من توكيل عملاء لحماية مصالحهم. فما الموقف من هؤلاء الوكلاء؟ وما الموقف من أجهزة الدولة الأمنية إذا ما أصرت على حماية الصهاينة إذا قدموا إلى بلادنا؟ هل ندخل في عملية توليد منظومة فقهية تقول إن من يحميهم مهدر الدم؟ وأن من يتوكل عنهم مهدر الدم؟ وتتوالى التساؤلات لتجعل من هذه الفتوى فتوى تعطيلية أرشيفية لم يبتغ من وراءها فقيهنا الدكتور عوض القرني إلا الاعتذار إلى الله وحسب، لكنه معها ألقى كاهل تفعيل طاقة الأمة عن عاتقه.


ومع هذا، وجب التماس العذر للدكتور عوض القرني. فالقضية أكبر منه. بل إنها أكبر من كل المشتغلين بالفقه الكلي. القضية تحتاج مجمعا علميا يضم متخصصين في العلوم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وعلماء النفس والقانون لتقديم إطار عمل عن تقييم الأزمة وحدود إمكانات الأمة فيها على الصعيد الأهلي والفردي، وبعد ذلك يأتي دور مجموع الفقهاء لاختبار البدائل في ضوء قول الله وقول رسوله. بهذه الكيفية وحدها تكون الفتوى جهد مشكور فاعل يمكنه تحفيز طاقة الأمة. وبدون هذه الكيفية يتسع الرتق بصورة مستمرة بين الفقيه وبين الواقع حتى تصير الشريعة معزولة عن الحياة العامة للأمة المسلمة حتى وإن حاول كل فقيه على حده أن يكافح هذه العزلة.






From Arting Wessam


2009-01-25

الإنترنت الجديدة المنتمية.. سهم في كنانة غزة


إحدى صفحات موقع متحف هولوكوست فلسطين


كان جزءا من سياسة إدارة الاحتلال الإسرائيلي إثناء إدارته لمجزرة غزة ينصرف إلى ضرورة سوق مبررات لهذه الحرب قائمة على مبدأ مبادرة حركة حماس وسائر الفصائل بالعدوان والقصف الصاروخي بعد انتهاء التهدئة، والتركيز على صورة الإرهاب التي غذتها الآلة الإعلامية الغربية طيلة السنوات السبع الماضية لتمرير المجزرة بدون ضغوط غربية؛ حتى يتسنى لها تحقيق مآربها من العدوان. وانصرف جزء من هذه الحملة الدعائية بطبيعة الحال إلى الإنترنت باعتبارها مكمن النشاط المحتمل للأمة العربية والإسلامية بعد الاطمئنان لوجود توافق بين غالبية إدارات الإقليم على ضرورة إقصاء حماس.


الإنترنت الجديدة.. ما هي؟

حرصت وسائل إعلام صهيونية فردية وخاصة على تصوير أفلام تتعلق بردود الأفعال داخل المستوطنات حيال الصواريخ التي أطلقتها الفصائل المختلفة على المستوطنات، واتسمت هذه الأفلام بالمبالغة الشديدة في التعبير عن الألم والمعاناة؛ وذلك برغم ضحالة الإصابات. وحرصت إدارة الاحتلال على استثمار هذه الموجة من الإنتاج التليفزيوني الفردي، فبثتها لوسائل الإعلام، واستأجرت مساحات على مواقع بث الفيديو على الإنترنت مثل يوتيوب وغيرها لنشر هذه الأفلام، ونشط الناشطون المستوطنون للتعبير عن هذه الآلام. وكانت المفاجأة التي قلبت هذا التدبير رأسا على عقب.

وبداية، لابد وأن نأخذ بيد القارئ ليتعرف معنا على ماهية الإنترنت الجديدة. فالإنترنت قديما؛ والتي كانت معروفة باسم WWW كانت مثلها مثل دور النشر والصحف، تحتاج مبالغ ليست باليسيرة من أجل تصميم الموقع واستئجار اسم النطاق والاستضافة على السيرفرات التي هي بمثابة بيوت لاستضافة المواقع، ثم شراء تطبيقات إنترنت لأجل محتوى الموقع، ثم شراء محتوى، ثم شراء خط إنترنت لتسهيل عملية البث والتحديث والمتابعة.. إلخ. ولم يكن الجمهور العادي بقادر على تحمل مثل هذه المصاريف؛ ولهذا اقتصرت الإنترنت القديمة على من يستطيع أن يتحمل كل هذه التكاليف الضخمة. ومنذ عام 2002أو بعد ذلك بقليل، ظهرت موجة من المواقع تعتبر تطوير نوعي قوي لمواقع الخدمات على الإنترنت مثل ياهو وإم إس إن.

هذه المواقع الجديدة اعتمدت تماما على نظم قواعد البيانات التي شهدت تطورا هائلا مع مطلع الألفية الجديدة، وتنوعت التطبيقات ما بين نظم لإدارة محتوى النشر؛ وهي تلك القواعد التي أدت الطفرة في تطبيقاتها لظهور المدونات مثل Blogger، ثم ظهرت التطبيقات التي تتعامل مع الصور مثل Flickr وPicas، التي تخصصت في استضافة الصور وتحريرها وتيسير سبل العثور عليها في محركات البحث، وظهرت تطبيقات الويب الخاصة باستضافة وتحرير ملفات الفيديو وتسهيل تداولها وتضمينها في مواقع الإنترنت، وكذا ظهرت مواقع التشبيك التي يمكن من خلالها لأي فرد التعرف على أكبر عدد ممكن من الناس، ويضيف لهذا التعرف مساحة التعارف بالتشارك في القضايا والاهتمامات، مع تيسير سبل عرض المحتوى الخاص بهذه القضايا والاهتمامات عبر أكثر من وسيلة مثل النص والصوت والصورة والفيديو في نفس المساحة، فضلا عن وضع برمجيات خاصة بالأحداث ومتابعتها ومجموعات بريدية لتيسير الحصول على الفعاليات الجديدة والمقالات والأخبار التي تدور حولها وكذا الصور والملفات الصوتية والفلاشية التي يمكن أن تخدم القضية التي من أجلها أنشأت المجموعات في مواقع التشبيك.

وإلى جوار هذا نشأت مواقع متخصصة كثيرة ذات وظائف متعددة، منها مواقع للتأريخ، ومواقع للأحداث والفعاليات ومواقع لتنظيم المهام والعون الإداري، ومواقع لتسهيل البحث عن المحتوى الذي ينشره الناس لتيسير الحصول عليه في خضم الإنترنت المتسع متلاطم الأمواج. وكان التساؤل الذي شغل المعنيون بشأن الإنترنت: ماذا تعني هذه الموجة الهائلة من التغيير في بنية الإنترنت؟

فسر الخبراء هذه الحالة بأنها مرحلة ثورية وديمقراطية دخلتها الإنترنت، وهذه المرحلة مبنية على تمويل من خلال منظومة إعلانات اختيارية وفرت التمويل لموجة جديدة من تطبيقات مختلفة للإنترنت، هذه التطبيقات جعلت الإنترنت مساحة إعلامية مفتوحة وليست مقصورة على حائزي رؤوس الأموال. فمواقع إدارة المحتوى استضافت المدونات؛ حيث أصبح بإمكان كل مثقف أو حتى شخص عادي متعلم أن يكون إعلامي ويمارس نشاطا تثقيفيا وتنويريا، يمكنه من خلاله أن يكتب وينشر أو أن يكون مصورا وينشر أو يستخدم هذه النظم لنشر أي معلومات أو آراء يريدها دون أن يكون لأي أحد سلطة منعه. ومثل ذلك بالنسبة لبقية المواقع.

ولم يعد فقط بإمكانه أن ينشر، بل صار بإمكانه أيضا أن يشن حملة قطرية أو إقليمية أو عالمية وسط كل من يعرف من أجل التعريف بما ينشر، وحشد الناس من كل أنحاء العالم خلف قضيته. وأصبحت فاعلية الفرد على الإنترنت متوقفة على تعليمه وثقافته وعلى قدراته الاتصالية مع الناس ومهاراته في هذا الإطار. ووقعت المعجزة.


الإنترنت الجديدة ناشطون من نوع جديد قديم

راهنت شريحة من صانعو القرار على إمكان كسب الرأي العام العالمي أو على الأقل تحييده من خلال نمطين من أنماط العمل الإعلامي، أولهما العمل الرسمي التقليدي العادي عبر تسريب تصريحات مغلوطة لوسائل الإعلام، وإجراء المكالمات الهاتفية للحصول على إعلانات مدفوعة الأجر من الحكومة الأمريكية واللوبي الصهيوني في الصحف ذات الراية اليمينية الزرقاء، والاتجاه الثاني تمثل في تكوين تدفق إعلامي فردي ومجتمعي عبر وسائل الإعلام الجديدة؛ وبخاصة الإنترنت الجديدة لمواجهة أية محاولة عربية أو إسلامية للنشاط الإليكتروني. ولم تكن القوة الصهيونية في المجال الإعلامي الجديد بشقيها الفردي والمجتمعي كافية لمواجهة التدفق الإعلامي الأهلي الذي أنتجه العرب بصفة عامة، وبخاصة الجمهورين المصري والسعودي.

وقد انقسم التعامل العربي الأهلي مع الأزمة إلى مرحلتين أساسيتين:

المرحلة الأولى: لم تكن ثمة صور وأفلام فيديو أهلية قد توفرت لدى الناشطين الإعلاميين الإليكترونيين العرب، وهو ما حجم إسهاماتهم وحصرها في الجهود ذات الطبيعة النصية. فكانوا ينتجون مقالات وأخبار، ويعيدون تداول الأخبار التي تنشرها الصحف والمواقع الإسلامية، ويتداولون روابطها، ويديرون النقاشات حولها.

المرحلة الثانية: بدأ بعض الناشطون الفلسطينيون في إرسال صور المذابح عن طريق الهواتف الجوالة. وأخذ ناشطون عرب في تجميع صور المذابح الوحشية من خلال المواقع الإعلامية الإليكترونية العربية، وبدأ الجميع في استخدام مواقع الصور في نشر الألبومات المصورة، واستخدام المجموعات البريدية لتوسيع دائرة انتشار روابط هذه المواقع.

وترافق مع ذلك قيام عدد من الناشطين ذوي الإمكانات المادية الميسرة في تسجيل برامج المتابعة الإخبارية من الفضائيات العربية وتحميلها على مواقع الفيديو العالمية. وبدأت دائرة تدوير هذه الروابط في الانتشار والتوسع. وظهر اتجاه لدى بعض مستخدمي مواقع مثل فيس بوك وهاي فايف لنشر محتواهم باللغة الإنجليزية، وتداوله مع أصدقائهم خارج دائرتي العالمين العربي والإسلامي. وظهر إثر ذلك اتجاهان:

الاتجاه الأول: بدا أن توسيع دوائر انتشار روابط الفيديو وألبومات الصور، وبخاصة خارج نطاق العالمين العربي والإسلامي قد أتى ثماره، فلم يكد مسلمو أوروبا في التحرك لنصرة غزة حتى وجدوا استجابة قوية جدا في شوارع أوروبا. وبحسب تعبير أنس التكريتي القيادي البارز وعضو البرلمان الأوروبي عن المملكة المتحدة سابقا أننا وجدنا الناس هي التي تأتينا ولم نكن نذهب إليهم نحن. ويبدو أن الاتصال الإعلامي الشخصي هذه المرة والمصحوب بالأدلة الدامغة بالصوت والصورة كان أقوى بمراحل من آلة الإعلام الموالية للحالة الصهيونية.

الاتجاه الثاني: بعد ذلك النجاح الهائل الذي لمسه خبراء الإعلام الجديد لهذه الوسيلة شرعت شرائح من المجتمع السياسي والإعلامي العربي في اتخاذ مبادرات لتوسيع دائرة الاستفادة من هذه الأداة التي أثبتت بالفعل كفاءتها، وتحركت المنظمات النقابية في العالم العربي وبخاصة في مصر لتكريس مواقع وإنشاء مساحات افتراضية وتخيلية عن المجزرة كان أبرزها جزيرة هولوكوست غزة التي أسسها مصريون في عالم الساكاند لايف Second Life، وهي الجزيرة التي تضمنت توثيقا ثلاثي الأبعاد لمحرقة دولة الاحتلال في غزة.

الجهود التي بذلها الناشطون الإليكترونيون في هذا الصدد كانت قوية واحترافية ومنوعة، وتوثيق هذه الخبرة كان مهما، ولو أن المقام لا يكفي، إذ يحتاج الأمر لقدر من التفصيل يوفي هذه الظاهرة المنتمية حقها، ويستفيد من دروسها. وحتى تجري هذه الدراسة نعتذر بهذه الكلمات الموجزة.

2009-01-13

الـ" نيوميديا" .. كيف نستخدمها لدعم المقاومة؟.. حوار حي مع إسلام أونلاين.نت


بيانات الحوار
اسم الضيف: أ. وسام فؤاد.. خبير معلوماتي مصري
موضوع الحوار: الـ" نيوميديا" .. كيف نستخدمها لدعم المقاومة؟
اليوم: الثلاثاء، التاريخ: 2009/1/13
الوقت:
مكة من... 16:30...إلى... 18:00
غرينتش من... 13:30...إلى...15:00


محرر الحوار الحي: محمد السيد علي

الإخوة والأخوات.. لقد بدأ الحوار، وستتوالى الإجابات تباعاً إن شاء الله.

وننبه الإخوة والأخوات الزوار إلى أن إدخال الأسئلة للضيف يتم من خلال العلامة الوامضة "إدخال الأسئلة" في أعلى الصفحة أثناء التوقــيت المحــدد للحوار فقط.


الاسم: أم شهاب - الاردن

السؤال: هل نجح الإعلام الجديد في تفريغ شحنت الغضب الموجودة داخل المسلمين بسبب حرب غزة، وحشد الرأي العام ضد أفعال إسرائيل الهمجية ومجازرها البشعة التي ترتكبها في حق الفلسطينيين ؟

الإجابة: بداية أولا ما أعجبني في الحوار، ذلك العنوان الذي تحدث عن تسخير موارد الإعلام الجديد لصالح قضية المقاومة.

ليس صحيحًا ما ذكرته عن مسألة تفريغ الشحنة؛ لأن تفريغ الشحنة يعني: العودة بالفعالية، والهمة، والرغبة الصادقة في النصرة، إلى المربع صفر، وكأن تلك الهمة كانت بالونًا انتفخ، ثم فجره أحدهم، أو فك رباطه.

في هذا الإطار نحن في حاجة إلى أن نتعرف على القيمة المضافة التي يخلقها الإعلام الجديد فيما يتعلق بقضية مثل المقاومة.

يمكن لظاهره مثل المظاهرات وقراءة الصحف التي تنتقد السياسات انتقادات حادة أن تفرغ بعض شحنة الغضب، لكن تقديري أن الإعلام الجديد يمكن استغلاله في إنجاز عدة أدوار، لا يمكن لأي منها أن يؤدي إلى تفريغ سلبي لشحنة الغضب.

هذا الأدوار هي:

أ ـ مقاومة التعتيم. فما نراه يحدث الآن في كثير من البلدان العربية والإسلامية، يتضمن تحيزًا لوجهة النظر التي تمثل رؤية الإدارات الحاكمة في هذه البلدان، ويتم التعتيم على ما عدا ذلك من الرؤى ووجهات النظر، وهنا يكون دور الإعلام الجديد متمثلاً في كشف المستور، ومقاومة التعتيم وفضح ما يسكت عنه الإعلام المسخر لبسط وجهة نظر الإدارات الحاكمة.

ب ـ التعبئة والتجييش. فالإعلام الجديد الآن صار وسيلة ليس فقط لتداول المعلومات محل التعتيم، حول قضية من القضايا، لكن خبراتنا في تحليل مواقع مثل فيس بوك، وغيرها، أدت إلى إثبات فعالية هذه الوسائط في تعبئة الجماهير العربية خلف ما تنشده وجهات النظر المخلصة والمنتمية.

ولعل نماذج مثل: تعبئة جماهير الإعلاميين والمدونيين في المملكة السعودية خلف قضية فؤاد الفرحان، وقضايا الإضراب في مصر، وقضايا مواجهة حريات المدونات في المغرب العربي خير مثال على هذه الفعالية.

جـ ـ من أهم الأدوار التي ييسر الإعلام الجديد لعبها في هذا الإطار، أنه يخلق حالة تواصل عميقة ما بين الشعوب المنخرطة في الأزمة (أزمة غزة مثلاً)، وبين عموم أفراد الأمة.

هل في هذه الأدوار ما يمكن اعتباره تفريغ سلبي لشحنة الغضب في نفوس المخلصين من أبناء الأمة.


الاسم: kamal

السؤال: السلام عليكم، التطوع الإلكتروني، ماذا نقصد به، هل جمع المساعدات عن طريق الإنترنت، أم ترسيخ قيم التطوع؟ المرجو التوضيح ؟

الإجابة: التطوع الإلكتروني يأخذ من مفهوم التطوع قيمة أساسية في تعريفه، ألا وهي: بذل الجهد طوعًا ودون انتظار مقابل، لأجل الجهد الذي تطوع المتطوع لأجله.

فالتطوع الإلكتروني لا يعني بأي حال أن نتبرع بأموالنا عن طريق الإنترنت، بل يعني أننا بمقدورنا استثمار بعض الوقت الذي نقضيه على الإنترنت في دعم قضية تستحق منا أن نقف لأجلها وقفة باذلين في سبيلها بعض وقتنا وجهدنا، وتفكيرنا، وسائر ملكاتنا الذاتية.


الاسم: ياسر

السؤال: أستاذ وسام جزاكم الله خيرًا أولا، وثانيا هل ترى أن استخدام الجانب التكنولوجي من الجانبين إخوان في فلسطين واليهود الملاعين لهم دور في هذه المعركة حتى الآن ؟

الإجابة: أولاً هم ليسوا يهود. المتابع للتغطيات الإخبارية في العالم سيجد أن يهودًا شاركوا في مظاهرات رفض ما تفعله إدارة الاحتلال وقواته في غزة الحبيبة.

نحن هنا نتحدث عن صهاينة، والفارق كبير بين الصهاينة واليهود. فالصهاينة هم أصحاب فكرة أن هذه الأرض: أرض فلسطين، أرض بلا شعب، أما اليهود فمنهم جماعة مثل الناطوري كارتا وغيرها من الجماعات التي ترى أن دولة الاحتلال هي دولة غاصبة، وأن الفلسطينيين هم أصحاب الأرض.

فيما يتعلق بالتغطية من الجانبين يمكن القول بأن إدارة الاحتلال نجحت عن طريق بعض مخصصاتها الموجهة للإعلام الجديد، وبخاصة موقع يوتيوب قد نجحت إلى حد ما في مخاطبة من يريد أن يصدق وجهة نظرها.

لكن الناحية الفلسطينية والعربية تمكنت من استخدام وسائل الإعلام الجديد بفعالية، وهي من وجهة نظري أكبر من فعالية توظيف إعلاميي الاحتلال لنفس الوسائل، ولو أخذنا معيار تغييب الحقيقة عن الرأي العام العالمي، سنجد أن الدور الذي تمارسه وسائل الإعلام الجديد ذات المحتوى العربي، قد مارست تأثيرًا كبيرًا ونجحت في الوصول إلى قطاع عريض من الجمهور الغربي، ما كان له أن يتعرف على حقيقة الوضع في غزة من دون ما بذله ناشطو الإعلام الجديد العرب.

ولعل أهم تجليات هذا التأثير أن مجلس الأمن اضطر أخيرًا إلى إصدار القرار 1860، بعيدًًا عن محاولات الولايات المتحدة لمنع صدور مثل هذا القرار.


الاسم: جمال خليل

السؤال: أنا مواطن ولا أملك من أمري شيء حتى أذهب لأهالي غزة وأحارب معهم.. كيف أنصرهم تكنولوجياً ؟

الإجابة: لا يمكن الحديث عن نصرة تقنية، النصرة مفهوم ميداني بطبيعته، لكن وسائل الإعلام الجديد أدوارها كما سبق وقلنا هي إعلامية لمنع التعتيم، وتواصلية لتكثيف التواصل ما بين منكوبي الأمة وعموم أبناءها، ثم أخيرًا تجييش وتعبئة الناس خلف الفعاليات ذات الطبيعة الميدانية.

أقل ما يمكن فعله فيما يتعلق بموقفنا مما يحدث في غزة، هو أن ندعمهم إعلاميًا على النحو الذي تيسر سبله وسائل الإعلام الجديد.

وفي هذا الإطار لدينا عدة وسائل لمثل هذا الدعم، يمكن أن نوضحها فيما يلي:

أ ـ الدعم الإعلامي. وذلك من خلال وسائط الصوت، والصورة، والكلمة المكتوبة، وكل تلك الوسائط يمكن نشرها على المواقع التي تتخصص في عرضها، فالفيديو محله يوتيوب كمثال، والكلمة المكتوبة محلها المدونات.. إلخ.

ب ـ الدعم النفسي. وذلك من خلال استخدام وسائل الاتصال التي تتيحها وسائل الإعلام الجديد، في التواصل مع أهلنا في غزة وغيرها من المناطق المنكوبة، وذلك لكي نطمئن عليهم، ونوصل لهم الإحساس بأننا لم نخرجهم من عقولنا وقلوبنا، وسائر وجداننا بل هم في عمق ضميرنا، يلحون علينا وإننا لهذا السبب نبذل الوسع ولو لم نستطع وسعًا، فكفانا الدعم عبر قنوات الإعلام الجديد.

جـ ـ محاولات حث أبناء هذه الأمة، وأبناء غيرها من الأمم على بذل جهود ميدانية قوية لنصرة أهلنا في غزة. فهذا الدور التجييشي نجح حتى هذه اللحظة في حشد طاقات لا تنتمي لأمتنا.

وأنا أعرف أناسًا تواصلوا مع كُتاب وناشطين في أمريكا اللاتينية منهم: برازيليين، وفنزويليين، وكذلك ناشطين من الولايات المتحدة، وفرنسا، تحول اهتمامهم نحو القضية عندما تناقشوا مع بعض إخواننا الذين استخدموا الماسنجر، والفيس بوك للتعريف بتلك المجازر، وجرائم الحرب التي تجري في غزة، وكان لهذا التواصل دوره في حضور هؤلاء الناس ميدانيًا، وهو ما يتسبب لحكومات هؤلاء الناس بحرج، ذلك الحرج الذي يكون فعالاًً إلى حدٍ ما الدول ذات نظام الحكم الديمقراطي.


الاسم: جهاد

السؤال: إلى أي مدى نجحت حماس في إدارة الحرب التكنولوجية ضد اليهود، خاصة بعد نجاحها في اختراق الإذاعة اليهودية، رغم أنها لا تملك نفس إمكاينات اليهود لعنة الله عليهم

الإجابة: أؤكد على أنهم صهاينة وليسوا يهودًا.

هذا الحوار موضوعه الإعلام الجديد، وليس الإعلام التقليدي، ومن ضمن الإعلام التقليدي: الإذاعة.

من الصعب الحديث عن اختراقات تحدث في منظومة العقل الصهيوني إلا إذا كانت قد صادفت وعيًّا يهوديًّا، وليس صهيونيًّا.

المعروف أن هناك حد أدنى من الاتفاق بين كافة الطوائف ذات الطبيعة الصهيونية حول مآل ومصير الدولة والأرض والمياه، التي استولوا عليها، وهذا يجعل من قضية الاختراق، قضية غير واردة إلى حدٍ ما، لكن يمكن في نفس الإطار أن نتحدث عن الحالة الإذاعية والفضائية الفلسطينية، التي تكتسب جمهورًا خاصًا بها، وتتسم بقدر عالي من المصداقية في عرض وجهات نظرها، برغم ذاتيتها الشديدة، لكن ما يعاب عليها، هو ضعف فعالية وسائل الإعلام الجديد الموجهة لغير العرب والمسلمين، بما في ذلك إذاعات الإنترنت.

من أهم ما يمكن أن نشير إليه في هذا الإطار، أن حجم الإذاعات الأهلية العربية والإسلامية المعنية بقضية فلسطين، وحاليًّا تعنى بقضية قصف غزة، تنحاز تلقائيًا إلى الحق الفلسطيني، وضد الوحشية وأداة الحرب الصهيونية العمياء، التي نجحت حتى الآن في استهداف الأطفال الأبرياء إلى حدٍ أكبر من استهدافها المقاتلين من حركة حماس ومقاومتها.

لا ينبغي التعويل على قضية الاختراق هذه؛ لأنهم قد يوظفونها لمصلحتهم، لكن التعويل يكون على ما نقدمه بأيدينا من جهد وعرق في مجال الإعلام الجديد.

ولا ننسى أن سائر وسائل الإعلام التقليدي لا تزال واقعة في براثن الإدارات العربية والإسلامية الحاكمة، وهو ما يجعل استفادة الأمة بها، أمرًا متعذرًا وصعب المنال.


الاسم: علياء عبد الفتاح
الوظيفة: صحفية

السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بداية أود أن أعبر عن خالص تقديري واحترامي لهذا الجهد المبذول من أجل دعم القضية الفلسطينية والمقاومة بكافة الوسائل، جزاكم الله خيرا

وسؤالي: ماهي أحدث وسائل الإعلام الجديد، وماهي الكيفية (المهنية والتقنية) التي يستطيع الإعلامي العربي بها استغلال هذه الوسائل لنقل رسالته الإعلامية إلى العالم، كذلك ما هي المعوقات التي قد تواجه كلا من صاحب الرسالة ومستقبلها في هذه الوسائل الجديدة؟

وشكرا جزيلا

الإجابة: وسائل الإعلام الجديد متعددة ومتنوعة. يمكننا مثلاً أن نتحدث عن ميديا الموبيل، كما يمكننا أن نتحدث عن التليفزيون التفاعلي، ويمكننا أيضًا الحديث عن الإنترنت بتطبيقاتها ومواقعها المختلفة، وكذا سائر الوسائط المحمولة التي يتم عن طريقها تداول ملفات الصوت والصورة وغيرها.

لا نريد أن نعقد على زوارنا بالحديث عن الكيفيات الفنية والمهنية التي نرسل بها المحتوى الداعم لإخواننا العرب والمسلمين، الذين يعانون على مدار الكرة الأرضية بسبب الطموحات الاستعمارية الأمريكية وربائبها وعملائها، التي تعد دولة الاحتلال من أبرزهم.

كل من بيده وسيلة من وسائل الإعلام الجديد ويعلم كيفية استخدامها، يمكنه أن يضع بها ما يشاء من محتوى، وأن ينتج بها ما يشاء من عمليات الاتصال والتواصل، لكي يحقق ما يراه منتهى وسعه في توفير الدعم لقضايا الأمة.

الهواتف المحمولة، يمكن استخدامها وبتكلفة رخيصة لتبادل الرسائل النصية والمصورة، وترتفع التكلفة قليلاً مع تبادل ملفات الفيديو المصورة في حالة إرسالها عبر قنوات الاتصال العادية، تنخفض هذه التكلفة كثيرًا إذا ما استخدمنا تقنيات مثل الواي فاي، والبلوتوث، كما أن بعض المؤسسات الإعلامية يمكن أن تنتج أرقامًا مجانية تصب حساباتها لصالح جهود النصرة والإغاثة ذات الطابع الميداني مثل: 0900 في مصر، وغيرها من وسائل تجميع القيم المالية والتبرعات عبر الهاتف المحمول والثابت.

يمكن كذلك استثمار مواقع الإنترنت بما تتيحه من إمكانيات هااااائلة، يمكن توظيفها في إطار النصرة. فهناك مواقع تحميل الفيديو، وهناك مواقع تحميل ألبومات الصور.

وهناك مواقع التدوين الإخباري والمعلوماتي، وهناك مواقع الترابط والتواصل والتشبيك.
وكل هذه المواقع يمكن أن تستخدم لممارسة كافة أدوار الدعم التي تحدثت عنها في الإجابة الأول، أو التي ربما نسيت أن اذكرها، أو الأدوار الأخرى التي تبدع قريحة أبناء الأمة في ابتكارها.

كثير من المواقع العربية والإسلامية ذات الطبيعة الأهلية، أو التي ينشأها أفراد ناشطون تحفل بإمكانيات هائلة يمكن استخدامها لتحقيق النصرة، ومنها: تجميع بعضهم لأفلام فيديو للهواتف المحمولة، وبعضها يتضمن "ويب دريفرز" يمكن استثمارها لتحميل الملفات التي يصعب إرسالها بالبريد لبعضنا البعض.

لكن في هذا الإطار أحب أن ألفت النظر إلى أن فكرة المجموعات البريدية في هذا الإطار صارت قليلة الفعالية، إن لم تكن منعدمة الفعالية، أنماط المواقع الجديدة التي أسلفت الحديث عنها في نفس الإجابة تحل محلها، وهي في نفس الوقت تضيف إمكانات التشبيك وتداول وتشارك المحتوى، وتبادل مع من يهمه أن يحصل على مثل هذا المحتوى الداعم.

ولا توجد معوقات حقيقية من وجهة نظري في استخدام هذه الأدوات، لتحقيق النصرة. وقد يرى البعض أن الأجهزة الأمنية الرافضة لجهود الدعم، تبذل جهدها لتثبيط ومكافحة جهود الدعم، ولكني أرى أن هناك ثقافة حقيقية مهمة بالنسبة لأبناء أمتنا، لا بد من الاهتمام بها، والحرص عليها والحرص على عدم طمسها وقتلها، ووأدها في روح أبناء هذه الأمة، هذه الثقافة وهذه الروح هي: ضرورة أن يكون كل فرد من أبناء هذه الأمة، مستعد لتحمل التكلفة الاجتماعية لما يطالب به من قيم عالية ومن أهداف عادلة تتعلق بقضيته.


الاسم: Parisienne
الوظيفة: Etudiante

السؤال: سيدي..
أحس أنني سأنفجر. أحاول ما أستطيع من وسائل النصرة للإخواني في غزة (صيام, قيام, دعاء, مال, مضاهرات, مقاطعة, إعلام بالقضية و نشرها بين المسلمين و غيرهم,..)
لكن هذا لا يشفي غليلي و أكاد أصاب بأزمة نفسية. فأنا لا أستطيع تحمل الظلم الواقعو و تجاهل الإعلام لما يحدث ؟

الإجابة: شكر الله لك أخي الكريم هذه الروح الوثابة، وهذه الفرادة في حمل هذه الأمة المنكوبة في نواحي عدة، ومن بين هذه النواحي أنها منكوبة في بعض أبناءها.

من المؤلم أن نتحدث عن بعض المصريين أبناء بلدي الذين يؤيدون الإدارة المصرية فيما ذهبت إليه من إغلاق للمعابر. فأقل الوسع الذي كنا نستطيعه كمصريين (في الإدارة الحاكمة) أن نفتح المعابر فيمر منها الدواء، ويمر منها الغذاء، ويمر منها كل ما يمكن أن يمثل دعم غير عسكري لأبناء فلسطين إخواننا في عروبتنا وفي ديننا، ومع ذلك نجحت الحكومة في عسكرة تصور الشارع للحرب، وفي تخويف الشعب من اللجوء إلى حل العسكرة، فصار غالبية أبناءنا لا يتصورون حلاً إلا في أن يعلن النظام المصري الحرب، وهذا ما لا نظن أنه قد يتحقق في أحلام أصغر منتمي للأجهزة الحكومية.

هذه الروح الوثابة إن لم تجد لها متنفسًا في الإعلام الجديد أو استنفذت وسائل الدعم عبر الإعلام الجديد، واستنفدت قبل ذلك وبعده كل سبل الاستعانة بالله، وبحوله وقوته، بعد أن تجردنا من الحول، وتجردنا من الطول، لا يتبقى لك إلا أن تتابع الجهود الميدانية التي تبذل على الأرض، وأن تشارك بها طوعيًا مع احتساب أجرك عند الله.

وأنا لا أتصور أن الجهود الميدانية تعني فقط: الصراخ والتظاهر، الذي مع إقراري بمشروعيته، وأهميته، وضرورته، إلا أني لا أرى له فعالية تستحق الوقوف عندها، ما أقصده من جهود ميدانية هو جهود الإغاثة، جهود الدعم المالي التي تفتقر من وجهة نظري إلى الكثير من الإبداع بالرغم من أن نماذج التبرع حاضرة أمامنا في التليفزيونات المحلية والفضائيات بصورة وفيرة، لكننا لا نحسن استلهام هذا النموذج وتوظيفة لقضية أمتنا، عندما نتحدث عن أرقام الاتصالات الهاتفية التي تستخدم للمسابقات ولتحميل الأغاني ونغمات الهواتف المحمولة.. أتساءل لماذا لم تفكر جهة موثوقة وليست مجهلة في استخدام نفس الفكرة، أتحدث عن وسائل عديدة يمكن ابتكارها واستثمارها لتقديم هذا الدعم.

قد تكون أكثر فعالية إذا تجاوزت ألمك النفسي، وعصفت ذهنك، ليتفتق عن فكره مبدعة، وبهذا لا ينبغي بعدها أن تلوم نفسك؛ لأنك بذلت منتهى الوسع.

أنا لا أظن أن إخواننا في فلسطين بحاجة لرجال، أنا أظنهم يستطيعون الحصول على كل ما يريدون إذا ما وفرنا لهم دعمًا نفسيًا وإعلاميًا والأهم من ذلك الدعم المالي.


الاسم: ناشط

السؤال: قام ناشطون إلكترونيون في بلاد عربية وإسلامية مختلفة باختراق أكثر من 50 ألف موقع إسرائيلية ردا على المجازر التي ترتكب في غزة .. هل نعتبر أن ذلك يعد نوعا من التطوع الالكتروني لمؤازرة الفلسطينيين ؟

الإجابة: كنت قد كتبت من قبل مقاله بصفحة دعوة ودعاة حول الجهاد الإلكتروني واستشارة دعوية حول التطوع الإلكتروني ورأيي فيما يتعلق بعمليات اختراق المواقع، أنها محدودة القيمة.

التطوع اتجاهين: اتجاه سلبي، ويتمثل فيما نبذله من جهد لمنع الآخر من عرض وجهة نظره أو تحقيق ما يريد، والجانب الثاني، اتجاه إيجابي يتمثل في أن نجند كل طاقاتنا، وإمكاناتنا لكي نعرض وجهة نظرنا أو نحقق ما نريد.

ليس بإمكان المخترق أن يمنع العدو من عرض وجهة نظره، فوجهة نظره يمكن عرضها في أكثر المواقع منعة واستعصاءً على الاختراق، لكن من الصعب أن ننتج فكرة مبتكرة لتحقيق ما نريد، أو لعرض وجهة نظرنا أو لفضح ما يقترف العدو الصهيوني من جرائم ومجازر ضد أبناء شعبنا.

أنا أوصي بأن نوجه كل طاقاتنا للاتجاه الإيجابي بدلاً من مضيعة الوقت، فيما لا طائل من وراءه.


الاسم: د. محمد سعدي

السؤال: أستاذنا أستاذ وسام هل لك أن ترشدنا إلى أدوات التطوع الاليكتروني بصورة أكثر إيضاحا حتى نستفيد منها ونستطيع أن نطبقها؟

الإجابة: عناية الدكتور محمد سعدي.

قد يكون سؤالك سبق إجابتي عن بعض الأسئلة السابقة التي عرضت فيها لوسائل الإعلام الإلكتروني وكيفية الإفادة منها، لكن أنتهز فرصة سؤالك لأضيف ما لم أتحدث عنه فيما سبق من إجابات.

منذ ثلاثة أعوام كانت قد ظهرت في عالمنا العربي والإسلامي موجة فردية وأهلية، من موجات إنتاج الفيديو التي كانت تقوم على فكرة انعدام التكلفة، أو رخصها البالغ مع الاستجابة المباشرة لما نحتاجه من قيم وأفكار، وللتعبير المباشر عما يجول بخواطرنا من مآخذ وهموم.

تلقفت الفضائيات هذه الفكرة، وحاولت منهجتها في صورة مسابقات إعلامية لأفلام الهواتف النقالة، وأفلام الدقيقة والواحدة وغيرها، واستمرت هذه النوعية من المسابقات في الوقت الذي فيه صرنا نفتقر لحضور هذه الوسائل بصورة قوية في مواقعنا الفردية والأهلية، هذه المساحة مهمة جدًّا، وعندما ننتجها فإننا نثري بها المحتوى الرقمي، الذي إن لم نشارك في إنتاجه الإجمالي فسوف ينفرد غيرنا بالمشاركة فيه وإيداع وجهة نظره والإبداع في ترسيخها في وجداننا، فعلينا الاهتمام بها.

والميزة في مثل هذه النوعية من الإنتاج التي يمكن أن ننتجه بأي كاميرا ديجيتال، أو هاتف محمول، أنها قيم يمكن توسيع انتشارها، وتعظيم نطاق تداولها والاستفادة بها.


الاسم: حمدي الريس

السؤال: هناك حديث يدور عن ندرة المواد الموجودة عبر وسائل الإعلام وخاصة الإنترنت لحشد الدعم للقضية الفلسطينية، بعكس إسرائيل التي جندت جنودا مجهولين عبر وسائل التكنولوجيا والاتصالات لتبرير هجومها الوحشي على غزة.. هل هذا يعد دليلا على تخاذل المسلمين حتى تكنولوجياً ؟؟

الإجابة: ليس تخاذلاً أخي الحبيب.

قد يكون هناك نوع من الجهل التكنولوجي الذي يقلل من إمكانية الاستفادة مما نبذله من جهد في هذا الإطار.

فمثلاً.. عندما أكتب مقالاً، فإنني أقوم بحفظه في مواقع "علامات تداول المواقع" مثل: DI.LICIO.US أو DIGG أو FURL أو غيرها، وأرفق هذا الحفظ بعدد كبير من العلامات TAGS، التي يسهل على الموقع تذكرها، والتصنيف على أساسها، والتواصل مع محركات البحث بخصوصها.

مثل هذه العلامات، التي نضعها هي التي تيسر تداول المحتوى الذي ننتجه، وتيسر لمحركات البحث الوصول لما أضفناه للشبكة العنكبوتية من صور، أو فيديو، أو نص، أو ملفات صوت، وبدونها قد يستطيع التعرف، وقد لا يستطيع.

أخي الغيور.. أريدك أن تعرف أن المعلومات على الإنترنت الآن تقدر بأكثر من 400 إيجزابايت (الإيجزابايت = 1000 جيجابايات) تتعدد لغات تكويد المحتوى، وتختلف تقنيات المواقع عن بعضها البعض، ومع هذا الكم الهائل جدًّا من المعلومات، يصبح من العسير الوصول إلى المحتوى، ولهذا يجب قبل أن ننشر أي محتوى دعم على الإنترنت أن نفكر في كيفية تعظيم قدرة محركات البحث، وقدرة المواقع المهتمة وقدرة المهتمين على الوصول إليه.

هناك بعض الوسائل بخلاف العلامات، منها: تحميل ALEXA TOOLBAR، وأيضًا تبادل روابط المحتوى المضاف عن طريق البريد الحقيقي، لأنه كما سبق وقلنا، فإن فكرة المجموعات البريدية صارت عقيمة، وتحال في الغالب إلى البريد المهمل JUNK MAIL.


السؤال: مشعل - المغرب

السؤال: بعد تطور الهائل في ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات أحشى أن يؤثر هذا على الدعم الفعلي والحقيقي لقضايا الأمة وأن يصبح تضامننا مجرد كلام في كلام وشعارات كاذبة وهذه هي مساوئ التكنولوجيا

الإجابة: شكرًا أخ مشعل على هذا الإجابة بالغ الأهمية من وجهة نظري.

سبق أن أجبت نسبيًا على هذا الإجابة في إجابة سابقة، ولكن أضيف في هذا المقام أنه من الضروري أن نعي أن وسائل الإعلام الجديدة لها أدوارها، وليست هي منتهى السعي، وبذل الوسع في سبيل تحقيق الدعم.

سبق أن قلت أن كلمة النصرة لا يمكن أن نستخدم معها وسائل الإعلام الجديد، لأنها مفهوم ميداني بطبيعته.

يمكننا أن نتحدث عن نصرة عندما ينتج عن جهدنا حركة في أيٍّ من الموارد التالية: دواء، غذاء، أموال، مستلزمات معيشة، حركة أفراد على مستوى الإغاثة وغير مستوى الإغاثة؛ كأن يكون زيارة للدعم الإعلامي من مجموعة من كبار المشاهير كمثال أو غيرها من وسائل الدعم الذي يحدث عبر السفر والترحال.

بدون هذا الانتقال للبضائع والأموال، والرجال، لا يمكن الحديث عن نصرة. وأنا أميل إلى اعتبار أنه لا يوجد ما يمكن أن نسميه "بل الوسع في مجال الإعلام الجديد"، ولا المعذرة إلى الله باللجوء إلى الإعلام الجديد.

يجب أن تنتهي فعالية اعتذارنا إلى مجال ميداني، وهذه وجهة نظري.


دعاء ممدوح - اليمن

السؤال: كلنا نعرف كيف نتطوع في الواقع المعاش ولكن كيف نستطيع التطوع الكترونيا لمناصرة أهلنا في غزة وما هي مجالات التطوع الممكنة على الانترنت؟

الإجابة: سبق أن أجبنا نسبيًا على هذا الإجابة.

التطوع الإلكتروني: يعني تخصيص وقت وجهد، وطبعًا بعض المال المتمثل في مقابل الخدمة التي ندفعها لوسائل الإعلام الجديد مقابل التمتع بإمكاناتها، وتوجيه ذلك كله لخدمة قضية نؤيدها، أو وجهة نظر ندعمها.

كل هذا يدخل في باب التطوع الإلكتروني.

أما عن الكيفية، فقد سبق وأن أوضحنا كيفيات متعددة، وليختر كل من زوارنا ما يراه مناسبًا لإمكاناته وقدراته.


خالد رمضان - مصر

السؤال: أشكركم على إتاحة الفرصة وأود أن أسأل ضيفكم الكريم.. هناك حرب دائرة خلف الميدان عبر وسائل الإعلام بمختلف أنواعها بين إسرائيل والفلسطينيين الذين يدافعون عن قضيتهم ويضحون بأنفسهم من أجلها.. فقد اشتعلت الحرب على الإنترنت مع بدء القصف الإسرائيلي على غزو ، ففي موقع تويتر يدور كثير من الصراع, حيث بدأ الكثير من المتضامنين مع غزة بإرسال تحديثات سريعة عن الوضع في غزة لتملأ تويتر بالأخبار العاجلة وصور الشهداء والدماء في أنحاء القطاع, لتتصدر كلمة Gaza قائمة البحث في تويتر.

ولكن الحكومة الإسرائيلية بالخوف من أن تهزم هناك, قامت بإنشاء حساب هناك يجيب على أسئلة الكثيرين حول ما يحدث, وليؤكد لهم أن ما يحدث هو لإحلال السلام والقضاء على ” الإرهاب “, كما قامت بإنشاء قناة يوتيوب خاصة لهذا الغرض.. والإجابة هنا ما هو دورنا كمسلمين في هذه الحرب ؟ وهل يقتصر على الشجب والتنديد فقط ؟

الإجابة: الأستاذ خالد.. نحن لا نتوقع أن نتحرك لنصرة قضيتنا، ويقف عدونا مكتوف الأيدي، ليشاهدنا نسحق نمط دعايته، بينما يكتفي بمحض المشاهدة. لا بد وأن نتوقع أن يقوم بمقاومة ضارية لما نبذله من جهد.

من حُسن إدارة مثل هذه المعارك، ومما قد يشفع لنا بعض الشفاعة عند الله وأمام أبنائنا، أن نحسن إدراك تطور المعركة وتغير مسار المواجهة بيننا وبين أصحاب الدعاية المضادة الذين نتصدى لهم. فإذا قمنا بتسطيح المواجهة واستمرت جهودنا الإعلامية على نفس الوتيرة بدون استيعاب أن عدونا الصهيوني قد طور استراتيجيته وجدد في أدواته لمواجهتنا حيث ننشط، فإن ذلك هو التقاعس بعينه، وقد يرتب هذا أن تفشل إدارتنا للحملة الإعلامية الأهلية.

عندما يطرح العدو قناة للإجابة على تساؤلات الناس، حول ما يحدث في غزة، يمكننا أن نحاصره بالأسئلة، ويمكننا أن نستثمر هذه القناة في قنواتنا، لكي نحد من فعاليته، ونحاصر أكاذيبه.

لا شك أن صاحب كل وجهة نظر من حقه أن يدافع عن وجهة نظره، ونحن أصحاب حق مركب، فنحن ندافع عن أرضنا التي اغتصبت في المقام الأول، وندافع ثانيًا عن أهالنا المنكوبين، والذين تتزايد نكبتهم عند تصديهم لمحاولات اغتصاب الأرض، وندافع ثالثاً عن حق أهلينا في الحصول على حياة كريمة في مواجهة عدو يحاصرهم ويمنع عنهم الغذاء والدواء، والماء، والغاز، والسلع الحياتية، لكي يستسلموا ويسلموا أرضهم التي ضحوا في سبيلها، بأرواحهم وأرواح أبنائهم وأرواح أبائهم، وعانوا في سبيل الحفاظ عليها، الجوع، والفقر، والعطش، والبرد، وسائر أنواع العوز.

إذا كان عدونا يتصور أنهم يدافع عن أمنه، فنحن ندافع عن حياتنا بكل ما تعنيه كلمة حياة من معنى. فعدونا يجردنا من حقنا في الحياة، وحقنا في الطعام، وحقنا في الشراب، وحقنا في الملبس، وحقنا في المسكن، وحقنا في العمل، وحقنا في الحياة الحرة الآمنة، ولا يتصور أنه بفتح قناة للإجابة على تساؤلاتنا حول سبب شعوره بعدم الأمن، أننا لن نعيد فتح ملفات جرائم الحرب التي ارتكبها، تجويعه لأهلنا، محاصرته لأهلنا ومنعهم الزاد، والعتاد عنهم، لن يمكنا بحال أن نصمد فلا نفتح ملف العرايا في البرد، والمحتاجين في الحصار، والجائعين في ظل تغييب الطعام والغاز ...إلخ.

عندما يفتح ملفنا واحدًا فإننا نعيد فتح كل الملفات التي يحاول أن يلهينا عن إعادة فتحها.